التفوقية.. حركة لم تعمّر سوى خمس سنين

الفنان الروسي كازيمير ماليفيتش كان يحلم بفن خالص يغزو العالم ويغيّر وجه التاريخ، فإذا هو وحيد مثل جزيرة صغيرة معزولة.
الجمعة 2020/08/07
مربع ماليفيتش الأسود ملهم الفنانين

التفوقيّة هي حركة فنية طلائعية ظهرت بروسيا في مطلع القرن العشرين، وكانت تعبيرا عن مغامرة فنية وروحانية لرجل واحد هو كازيمير ماليفيتش، الذي رسم أول لوحة تفوقية عام 1913، وهي عبارة عن مربع أسود في خلفية بيضاء، شفعه لاحقا بلوحة تمثل مربعا أبيض مع خلفية سوداء. والمقصود بالتفوقية ما هو أسمى من كل شيء، ولا يمكن تجاوزه، لكونه فنّا خالصا، خاليا من أي معنى رمزي أو عقلاني.

التفوقية حركة فنية طلائعية روسية أسّسها كازيمير ماليفيتش (1879 – 1935) بعد معرض فني أقامه عام 1915 في سان بطرسبورغ (التي كانت تسمى وقتها بيتروغراد) بعنوان “معرض 0.10” مهّد له بمانيفستو ساعده على تحريره صديقه ميخائيل ماتيوشين جاء فيه “من التكعيبية إلى التفوقية. الواقعية الجديدة في الفن كخلق مطلق.. التفوقية هي علوية اللون بعد تخلصه من المرجعية، سواء أكانت شيئا أم موضوعا”.

احتوى المعرض على أعمال تفوقية ومستقبلية، وساهم فيه ماليفيتش بنحو أربعين عملا من بينها لوحة تكونت من مربع أسود في خلفية بيضاء، فكانت أول تعبير عن إحساس لا مادي، لأنه لا يرسم، كما قال “مربّعا بل إحساسا بغياب الموضوع”.

ولئن كان ذلك المعرض لحظة فارقة في مساره الفني، فقد وجد فيه النقاد فرصة للهجوم على تلك الأعمال التي تؤكّد كما يقولون “على عبادة الفراغ والظلمات واللا شيء والمربع الأسود في إطار أبيض”.

نجم آفل

الفضاء عند كازيمير ماليفيتش يتجاوز التمثل ذا الأبعاد الثلاثة، ويستلهم البعد الرابع من النظريات الهندسية
الفضاء عند كازيمير ماليفيتش يتجاوز التمثل ذا الأبعاد الثلاثة، ويستلهم البعد الرابع من النظريات الهندسية

هذه الحركة الفنية التي توصف بكونها تجريدية راديكالية ابتكرها ماليفيتش إثر تجربة في الانطباعية ثم في التكعيبية الهندسية والتوحّشية وأخيرا التقسيمية. ثم استوحى مقاربته التفوقية من التكعيبية المستقبلية، وتولدت لديه فكرة خوض غمارها بعد إحساسه بأولوية الآلة على الإنسان، وسيطرة التجريدية على الواقعية، وبأن القماشة تستعيد بفضل هذه الحركة طبيعتها متعددة الأبعاد فيغدو الموضوع متوجّها إلى الكونية، لأن اللوحة، في رأيه، قبل أن تمثل جواد معركة، أو امرأة عارية أو أي شيء طريف، هي في جوهرها مساحة مسطّحة مغطاة بألوان يتم الجمع بينها وفق نظام معيّن.

فأهم ما في الخلق التصويري عنده هو اللون والنسيج، لكونهما يمثلان الجوهر التصويري الذي غالبا مع ألغاه الموضوع. وفي رأيه أن الرسامين ينبغي أن يتخلوا عن الموضوع والأشياء إذا أرادوا أن يكونوا فنانين خالصين.

وبعد أعمال تجريدية، بدأ ماليفيتش ينظر إلى الرسم كمشكلة تشكيلية ينبغي حلّها بدقّة. وأراد أن يثبت أنه أنهى التقليد التصويري، فاختار مصطلحا يعني في الوقت نفسه “أسمى شيء ممكن” و”الأخير”، فقد كان يبحث عن النقاء، والجوهر، وشكل التجريدية التامة.

كان يقول “قليلون هم الرسامون الذي ينظرون إلى الرسم كفعل يسعى لغاية في حد ذاتها. هذه اللوحات المعروضة لا ترى البيوت ولا الجبال ولا السماء، فكل الأشياء هي مساحات تصويرية، ورساموها لا يرون إلاّ الرسم الذي ينتأ على السطح”.

تجريدية راديكالية
تجريدية راديكالية

وفكرة التفوقية هذه خطرت بباله حين كان يعمل مع الشاعر ألكساي كروتشونيخ وصديقه الملحن ميخائيل ماتيوشين في أوبرا “انتصار على الشمس”، وكانت تتغنّى بانتصار الإنسان على الطبيعة وتفوّقه الذي حازه بفضل الآلة.

وفي ذلك العمل، قام ماليفيتش بإعداد السينوغرافيا، فاختار في الفصل الأول أن يستخدم مربعا ضخما بلونين كديكور للخلفية، فكانت نقطة الانطلاق لتأمل تصوّر ما سوف تكون عليه الحركة التي عزم أمره عليها.

استطاع ماليفيتش أن يجمع حوله عددا من الفنانين الروس أمثال إل ليسّيتسكي، وألكسندرا إكستر، وليوبوف بوبوفا، وأولغا روزانوفا، وإيفان بوني، وألكسندر روتشنكو، وإيفان فاسيليفيتش كليون، ولكنهم لم يقتنعوا تماما بمقاربته، فانفضوا من حوله، وبذلك انتهت هذه الحركة الفنية عام 1920، فكانت أشبه بنجم آفل، إذ سرعان ما اختفت آثارها بعيدا عن شخصية مؤسّسها.

ذلك أن السواد الأعظم من الفنانين اعتنقوا البنائية، ذلك التيار الذي أعلن هجومه على الفن السائد، ودعا إلى فن يكون صورة عن التعبير الشيوعي للبناء المادي، ويلامس قضايا الجماهير تماشيا مع روح ثورة أكتوبر 1917، واستجابة للمانيفستو الذي نشره ألكساي غان عام 1922، والداعي إلى حرب بلا هوادة على الفن. والمقصود بطبيعة الحال الفن الذي كان سائدا قبل الثورة البلشفية، والذي ينبغي إخضاعه وجعله في خدمة المجتمع الشيوعي الناشئ.

وكان من مؤسّسي تلك الحركة كل من انسلخ عن حركة ماليفيتش وخيّر الانضمام إلى ألكساي غان وفلاديمير تاتلين. ما دفعه إلى التخلي هو أيضا عن الرسم والتفرّغ للتنظير والفلسفة، ولكنه لم يلبث أن عاد ليبيّن لنقاده أن التفوقية ليست مجرد تطبيق لنظرية سابقة، فانخرط في تجربة جديدة تخلى فيها عن الشكل الرباعي، ليُدخل عنصرا آخر هو الصليب، مع ما يحمل من قيمة رمزية، وصار يسمح لنفسه بتجاوز إطار القماشة، ويفكّر مع صديقه إل ليسّيتسكي، الذي تلقى تكوينا في الهندسة المعمارية، في تطوير جمالية خارج الأطر المعهودة، أي في الفضاء العام، وإدراجها في مسار المعيش اليومي إلى جانب الفن المعماري.

وفي لوحات ماليفيتش تنبسط الأشكال الأساسية لتخلق تناسقها الذاتي، وإذا كان غالبا ما يستعمل المربع كشكل قاعدي وكوني، فهو ينطلق منه أيضا لصياغة أشكال أخرى، كالخطوط المستقيمة والصُّلبان والمثلثات.

وفي إطار بحثه عن عالم بلا مادة انتهى عام 1918 إلى رسم “مربع أبيض في خلفية بيضاء” ليكشف عن فضاء لا نهائي بواسطة اللون الأبيض الذي يمثل العدم والفراغ، فاجتاز بذلك آخر مرحلة يمكن أن يكون فيها الفن قابلا للإدراك والتأويل. وقد مثلت تلك التجربة أول لوحة ذات مونوكروم (لون واحد) في الفن المعاصر.

سبل تشكيلية جديدة

المربع شكل مفضل لدى ماليفيتش
المربع شكل مفضل لدى ماليفيتش

شيء آخر تميّز به ماليفيتش هو طريقته في تعليق الألواح. كان يحرص على تعليقها في ركن، أيّا ما يكن اتجاهها يستوي في ذلك الأعلى والأسفل، أو في سقف، مثل أيقونة بكنيسة أرثوذوكسية.

استند ماليفيتش إلى الناحية الهندسية والألوان الأولى والحركة الديناميكية للتكعيبية المستقبلية لوضع نظريته عن التفوقية، وقاده البحث إلى سبل تشكيلية جديدة، فجاءت أعماله مرتكزة على بنية وحدات هندسية ومساحات لونية أضفى عليها توازنات ديناميكية، حيث الفضاء يتجاوز التمثل ذا الأبعاد الثلاثة، ويستلهم البعد الرابع من النظريات الهندسية. هذا النوع من الفضاء يتألف من عدة طبقات من الأبعاد تتطوّر الأشكال داخلها، وفي أعمال ماليفيتش يلتحم الزمن والفضاء بفضل البعد الرابع.

وكان يصوّر في أعماله عالما لا نهائيا في لون أبيض تتموّج فيه أو ترتفع أو تنخفض أشكال هندسية كالمربع، شكله المفضل، أي الشكل الصفر الذي منه يبدأ بوصفه شكلا علميا وليس طبيعيا، إضافة إلى كونه أساسيا وكونيا، ينطلق منه ليصوّر البقية، كالدائرة التي تنتج عن دوران المربع، والصليب الذي ينجم عن تقسيم المربع إلى مستطيلين، يدور أحدهما حول الآخر في الزاوية 90. وعندما اجتاز هذه المرحلة التي لم يعد الفن فيها قابلا للإدراك، راح ينشر نظريته في فيتبسك حيث بدأ التدريس في المعهد الذي يديره مارك شاغال.

وماليفيتش يترك مهمة فهم أعماله وتأويلها للمشاهد، فهو مدعوّ إلى النظر إلى الأشكال في تعدّد أوضاعها التي تتحدّى الأبعاد لفهم مدلولها. كان يقول “في الفن التفوقي، تعيش الأشكال كأي قوى حية في الطبيعة”.

لم تكن التفوقية إذن مجرد حركة شكلانية مطلقة، وتجربة تشكيلية مثل جملة من التجارب الطلائعية، بل جاءت لتبيّن كيف يندرج الفن التجريدي وجانب كبير من التجليات الفنية في القرن العشرين في إطار تأمل أنموذجي، فالتجريد عند ماليفيتش ليس مردّه إلى تفكيك تشكيلي عبثي خال من المعنى، بل يعزى إلى مطلقية ميتافيزيقية.

ورغم ذلك، كان ماليفيتش يحلم بفن خالص يغزو العالم ويغيّر وجه التاريخ، فإذا هو وحيد مثل جزيرة صغيرة معزولة، إذ لم يرافقه حتى عام 1920 سوى إيفان وكزينيا بوني في النحت، وأولغا روزانوفا في الكولاج. وكان يحلم بدولة حرة للفنانين، فإذا ببيروقراطية البلشفيك تخنق روح الثورة، قبل أن يشرع قادتها في إزهاق الأرواح بالملايين.

17