التقارب الإيراني الأميركي

الأربعاء 2013/11/27

من ظواهر تشويه الواقع عدم التوصيف الصحيح لأي حدث، فالتقارب الموصوف بالأميركي- الإيراني تضليلي بامتياز، سواء كان القصد منه الإثارة الإعلامية للتركيز على ضعف الإدارة الأميركية وتقلباتها، أو كان دعائياً لإبراز القوة الوهمية لإيران والتي يستميت البعض لتأكيدها نكاية في الحكومة السعودية لا تقريراً لواقعِ من نوع ما.

والحقيقة أن هذا التقارب الإيراني-الأميركي لم يحدث إلا بعد اختناق إيران اقتصاديا جراء العقوبات المفروضة عليها، والتي كان يمكن أن تجهز على ما تبقى منها فيما لو لم يطلب الرئيس الأميركي من الكونغرس عدم التصويت على فرض عقوبات جديدة لخشيته أن يؤثر ذلك على التوجه الإيراني نحو المفاوضات. قبل حوالي شهرين ذكرت في مقالي المعنون «مناني رابعة» في العدد 9345 من هذه الصحيفة ما يلي:

«وفي الوقت نفسه لا يمكن رفع العقوبات الاقتصادية طالما أن إيران تسير في برنامجها النووي. هذا يعني تلقائيا أن أية تنازلات تقدمها الولايات المتحدة لن تتجاوز تخفيف العقوبات طرديا مع إيقاف البرنامج حتى الوصول للإيقاف النهائي مع الرفع الكامل».

فهل ابتعدت محادثات النووي الإيراني عما ورد في هذا الاقتباس! لم يكن ما أشرنا إليه حينها تخرصات أو نبوءات بل هو استقراء واقع سياسي محدد بعيداً عن تضليل الآلة الإعلامية الإيرانية وملحقاتها العربية أو الغربية (المدفوعة). وفي اقتباس آخر من نفس المقال السابق جاء ما يلي:

«المحادثة الهاتفية بين روحاني وأوباما وما صاحبها من ضجة إعلامية كبيرة كانت نتيجة لتخطيط «الدهاء الفارسي»، حيث قام الوفد بإبلاغ المسؤولين الأميركيين رغبة روحاني في محادثة نظيره الأميركي ليستغلها «المكر الأميركي» الذي انتظر كثيرا قبل أن تحين له هذه الفرصة. فإدارة أوباما التي تعهدت بإنهاء البرنامج النووي الإيراني سلميا وجدت في الطلب الإيراني لإجراء المحادثة إذابة للجليد الذي استمر 34 عاما، بينما شكل الاتصال لإيران فرصة لتحقيق نصر مزيف آخر، حيث يبدو الأمر وكأن عمليات تلميع الصورة الإيرانية في الأمم المتحدة قد أتت ثمارها باتصال الرئيس الأميركي وتحقيق روحاني لما عجز عنه سابقوه» (انتهى الاقتباس الثاني).

وها هي الأحداث تستنسخ ذاتها وها نحن مجددا أمام ذات الدهاء الفارسي والمكر الأميركي. وها هي الإدارة الأميركية تمنح روحاني وطاقم المفاوضين الإيرانيين مكافأة يعودون بها إلى بلادهم والترويج لنصر مزيّف آخر، وإلا فلن يتمكنوا من العودة إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى لعقد اتفاق نهائي. خاصة وأن محمد جواد ظريف (وزير الخارجية الإيراني) أشار إلى بعض المسؤولين الأميركيين أن لديه فرصة 6 أشهر فقط للتوصل إلى اتفاق ما قبل أن يسحب المتطرفون البساط من تحته، وهي نفس المدة التي تضمنها الاتفاق المؤقت. تلك كانت مكالمة تسمح لإيران بتحقيق رغبتها في التفاوض، وهذه مكافأة تسمح لها بالاستلقاء على مذبح المشروع النووي الإيراني الذي بدأته أميركا في إيران عام 1957 ثم انسحبت منه فور سقوط الشاه. الضجة الإعلامية الكبيرة التي صاحبت الاتفاق المؤقت تعود لسببين رئيسيين:

الأول عالمي لأنها المرة الأولى التي تتوجه فيها إيران بجدية نحو المفاوضات وتوافق على الطلب الدولي في إطار اتفاق مرحلي يمهد لاتفاق شامل يجردها من أهم ما تملكه. والثاني ذر رماد في عيون الشعب الإيراني من جهة، والشعوب الإسلامية من جهة أخرى بهدف نزع الثقة الشعبية من حكومات معينة بدعم من الأقلام الرخيصة التي تحاول تصوير هذه الهزيمة السياسية كانتصار يحسب لملالي طهران. أقلام شهدناها تمجد لنصر مزيّف قبل شهرين كما شهدناها عام 2006 وهي ترفع حزب الله اللبناني فوق هامات العرب الشرفاء وتصهين من يكشف حقيقة المخلب الإيراني.

الواقع يقول أن هذه اتفاقية مؤقتة جاءت في أربع صفحات وتضمنت مبدأً أساسياً يفرغها من محتواها يقول: «لا اتفاق على أي شيء ما لم يتم الاتفاق على كل شيء» «Nothing is agreed until everything is agreed». هذا المبدأ يعني إما كل شيء أو لا شيء، فأي نصر حققته إيران بهذه الاتفاقية.

المشاركون في المفاوضات وهم الدول دائمة العضوية وألمانيا قرروا أن تكون هذه الاتفاقية مؤقتة مدتها ستة أشهر، وتهدف إلى الحد من تقدم البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، وتعتبر هذه الاتفاقية مقدمة لاتفاقية نهائية يتم توقيعها في حالة تنفيذ إيران والتزامها ببنود الاتفاقية المؤقتة.

هذا الاتفاق يتضمن تخفيض 50 بالمئة من حجم اليورانيوم المخصب بنسبة 20 بالمئة إلى 5 بالمئة ويستخدم النصف الباقي للأغراض المدنية بعد عملية الأكسدة. وتتضمن كذلك منع أي تخصيب لليورانيوم يتجاوز الـ5 بالمئة وهي النسبة المطلوبة لاستخدام المفاعلات للأغراض السلمية، وأن تعلن إيران أنها لن تتجاوز هذه النسبة. وهذا معناه تلاشي الحلم الإيراني لتصنيع القنبلة النووية التي تحتاج إلى درجة تخصيب نقي تبلغ 90 بالمئة. إضافة إلى ما سبق تلتزم إيران بالسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشئاتها النووية على مدار الساعة. وعدم التزام إيران بهذه الاتفاقية معناه عقوبات إضافية قد تؤدي إلى نهاية دولة الملالي.

هذا الإذلال الذي تعرضت له إيران، كان مقابل تخفيف مشروط للعقوبات. وهو تخفيف محدود زمنياً ولأغراض محددة، بل وأكثر من ذلك هو تخفيف قابل للنقض ويتضمن رفع التجميد عن مبلغ 7 مليارات دولار فقط، بالإضافة إلى رفع الحظر عن الذهب والبتروكيماويات والتي تمنح إيران عوائد تقدر بمليار ونصف، شريطة أن تصرف هذه المبالغ في الدول التي تم تجميد الحسابات فيها وألا يعود منها لإيران سنت واحد.

والأهم أن العوائق أمام التعامل مع البنوك الإيرانية لا زالت قائمة إضافة إلى ما يزيد عن 100 مليار دولار تستمر عملية تجميدها، وهو مبلغ ضخم قياسا بما سُمح لها به. فهل تستحق هذه المليارات المشروطة كل تلك الضجة وذلك التحريض على السعودية الذي يمارسه بعض المحسوبين عليها؟

إذن فعملية التضخيم المفتعلة لهذا الاتفاق ليست أكثر من خديعة للشعب الإيراني لتغطية الإذلال الدولي للملالي، وتضليل لشعوب دول المنطقة للنظر إلى حكوماتها على أنها غير ذات حول ولا قوة متخذةً الرفض السعودي لهذه الاتفاقية ذريعة، وهي تعلم أن الرفض السعودي لسببين لا ثالث لهما: الأول يكمن في عدم الثقة في ملالي طهران، والثاني أن السبيل الوحيد لاستقرار المنطقة بعد الخريف العربي هو في زوال الملالي والذي كاد أن يتم بعقوبات إضافية لولا الضعف «الأوبامي» المستمر، واللهفة «الأوبامية» على إنهاء الملف النووي الإيراني دون إسقاط نظام ملالي قم.


كاتب سعودي

9