التقارب الجزائري الصيني يضعف النفوذ الفرنسي

وباء كورونا يعزز من فرص استحواذ الصينيين على استثمارات مهمة في الجزائر.
الاثنين 2020/04/06
استياء فرنسي من استحواذ الصين على المشاريع

تسعى الجزائر في مرحلة ما بعد تنحي الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الصين في ظل رغبة النخب السياسية الصاعدة في إنهاء النفوذ الفرنسي والخروج من دوائر التبعية للسياسة الفرنسية التي ارتبطت بإرث الاستعمار. ومن ثم تبحث الجزائر عن مسارات بديلة للشراكة لعل مشروع “الحزام والطريق” الصيني أبرزها.

الجزائر- سرّع وباء كورونا من وتيرة إعادة ترتيب أوراق الشراكة الجزائرية مع القوى الكبرى في العالم، فرغم أن الأمر يعتبر من السابق لأوانه في ظل عدم كشف الوباء عن إفرازاته الكبرى، إلا أن التقارب اللافت في الآونة الأخيرة بين الجزائر والصين، يدفع باتجاه تهديد مصالح الشريك التقليدي الفرنسي في مستعمرته القديمة.

واستلمت الجزائر حصة أولى من طلبية المعدات الصحية من الصين، وعلى رأسها كمية من الأقنعة تقدر بثمانية ملايين قطعة، تم استقدامها الأحد على متن طائرتين عسكريتين، وهو ما اعتبره ملاحظون مفاضلة صينية للجزائر في ذروة أزمة الأقنعة في العالم.

وعكست تلبية بكين السريعة لطلبية الجزائر، وتيرة التقارب السياسي والدبلوماسي بين البلدين خاصة في خضم وباء كورونا، وهو ما يشكل تهديدا لمصالح الشريك الفرنسي الذي دخل في أزمة غير معلنة مع الجزائر، على خلفية الاستثمار في الأوضاع السياسية التي تعيشها البلاد.

ودخلت الصين كشريك أساسي للجزائر خلال السنوات الأخيرة، حيث تداولت الصدارة مع الفرنسيين، ويتجه التقارب بين الطرفين إلى لجم النفوذ التقليدي لباريس في الجزائر، خاصة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، لتدخل بذلك بكين كمنافس حقيقي لفرنسا في بوابة القارة الأفريقية.

وتعرف العلاقات الجزائرية الفرنسية فتورا لافتا، بعد السجال الدبلوماسي الذي أثارته تصريحات خبير دبلوماسي على قناة “فرانس 24”، وصفتها بـ”المسيئة والبغيضة”، وقامت باستدعاء السفير الفرنسي لديها لإبلاغه احتجاجها الرسمي، وتكليف سفيرها في باريس، بمقاضاة الخبير والقناة الفضائية معا.

وألمح دخول الصين على خط الأزمة بعد إصدار سفارتها في الجزائر بيانا يتهم الخبير الفرنسي بـ"الإساءة والتدليس على علاقتها بالجزائر"، إلى أن الصين المهادنة تلوح لباريس برسائل زحزحة مصالحها ونفوذها في الجزائر، ووصفها بـ"التصريحات “الكاذبة والتافهة 24” التي تنم عن حقد وجهل بحقيقة المساعدة التي قدمتها شركة صينية للجزائر"، بينما وصف مسؤولون جزائريون علاقتهم بالصينيين بـ"العريقة والتاريخية".

استفادة من الخبرات الصينية في مكافحة الفايروس
استفادة من الخبرات الصينية في مكافحة الفايروس

وكان فريق من الخبراء الصينيين في الصحة، قد حل بالجزائر لتقديم مساعدته بغية مواجهة تفشي وباء كورونا، وفضلا عن المساعدات التي استقدمها الوفد، كشفت السفارة الصينية في الجزائر عن استعدادها لإنشاء مستشفى صيني جزائري بالجزائر للتكفل بضحايا وباء كورونا.

وصرح رئيس الوزراء الجزائري عبدالعزيز جراد، للتلفزيون الحكومي، بأن “الطلبية التي قدرت بقرابة خمسة ملايين دولار، سيتم تحويلها إلى الصيدلية المركزية لتوزيعها على المستشفيات، وهي تتضمن ثمانية ملايين وخمسمئة ألف كمامة ذات ثلاثة مطويات، وأقنعة موجهة للأطباء”.

وأضاف جراد “طلبيات الجزائر من الأدوية والوسائل الطبية، الموجهة لمكافحة فايروس كورونا، ستواصل الوصول تباعا طول شهر أفريل، وخلال الأشهر القامة أيضا، حيث ينتظر أن نستلم منتصف أفريل طلبية ثانية مكونة من 100 مليون كمامة، ومليون لباس كلي مخصص لسلك الأطباء، فضلا عن 20 ألف مجمع للكشف المبكر”.

وجاء التعاون المكثف على هامش الجائحة الصحية، ليكرس التقارب الاقتصادي والسياسي المتنامي بين البلدين، فعلاوة على استحواذ بكين على عدة استثمارات حكومية بالجزائر خلال السنوات الأخيرة، يشكل مشروع ميناء شرشال المنتظر إنجازه بالشراكة بين البلدين بتكلفة مالية تقدر بنحو ستة مليارات دولار، أحد أبرز الاستثمارات الاستراتيجية بالجزائر.

وظل استحواذ الصينيين على إنجاز مشروع المسجد الأعظم بغلاف مالي قدر بنحو مليار ونصف مليار دولار، محل استياء فرنسي حمل سجالا سياسيا وأيديولوجيا تجاه المشروع المذكور، ولم يتوان مسؤولون فرنسيون في انتقاد إسناد المشروع لشركة صينية على حساب العروض التي تقدمت بها، ودفع ذلك ببعضهم إلى اتهام الصين بدعم “نظام العسكر في الجزائر”، والزعم بأن “الوفد الصيني الوافد للجزائر مؤخرا، استقدم من أجل معالجة ضباط سامين مصابين بالوباء، وأنه حل بمستشفى عين النعجة العسكري بدل التنقل إلى المستشفيات المدنية وعلى رأسها فرانتز فانون بمدينة البليدة”.

وتعتبر العلاقات الجزائرية الصينية من أعرق العلاقات الدبلوماسية في المنطقة، حيث تعود إلى خمسينات القرن الماضي، لما دعمت بكين ثورة التحرير الجزائرية (1954 – 1962)، وعرفت خلال السنوات الأخيرة تطورا لافتا وضع حجم المبادلات التجارية بين البلدين في صدارة الشركاء الكبار للجزائر، مما سمح للصينيين بمزاحمة الفرنسيين في مستعمرتهم القديمة، الأمر الذي استاءت له باريس وتجلى بشكل واضح في التصريحات المثيرة للخبير الدبلوماسي فرانسيس غيلاس، لقناة “فرانس 24” الحكومية.

4