التقتيل.. طريق داعش نحو الفاتيكان

تنظيم داعش الإرهابي أعلن نفسه “دولة” منذ بداية قيامه، فجنح في سن قوانين العقوبات ذات الصفة الدموية، وأنشأ جهازا إعلاميا، ووزع المهام على قيادات من بقاع متباعدة لا يجمعها إلا الولاء لعقيدة التكفير والتقتيل.
الاثنين 2016/09/19
التقتيل غاية ووسيلة

الموصل (العراق) - نشرت مجلة “دابق” الإلكترونية التابعة لتنظيم داعش في نوفمبر 2014 مقالا تحت عنوان “البقاء والتوسع”، أوضحت فيه رؤية التنظيم واستراتيجيته وغايته المتمثلة في رفع رايته السوداء فوق مكة والمدينة وروما وعواصم شرقية وغربية أخرى. وكان هذا الحدث يمثل الانتقال الفعلي من تنظيم الإمارة إلى فكرة الدولة ومؤسساتها.

فقد انتقل التنظيم نحو الصيغة المؤسسية التي تحاكي ما جاء في كتب التراث الإسلامي، عبر الإعلان عن تشكيل وزارات وتعيين ولاة على المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، في محاولة للانتقال من صيغة التنظيم إلى بنية الدولة. وهذا ما عمل عليه أبوبكر البغدادي.

ففي 10 يونيو 2014 استطاع تنظيم الدولة أن يحكم قبضته على مدينة الموصل البالغ عدد سكانها حوالي 2 مليون نسمة. وبعد سقوطها بدأ التنظيم في التوسع، فبسط سيطرته خلال فترة وجيزة على محافظة نينوى بالكامل، ووسع رقعة سيطرته في الأنبار وصلاح الدين، وهاجم مناطق شمال العراق. وبعدها بعدة أيام أعلن التنظيم قيام دولة الخلافة الإسلامية وتنصيب أبوبكر البغدادي خليفة للمسلمين، وظهر زعيمه البغدادي في جامع الموصل لأول مرة مطلع يوليو، مؤكدا أن طموحاته تتجاوز سوريا والعراق.

كان حدث إعلان نظام الخلافة وخليفة المسلمين كفيلا بأن يتم التعامل معه من منظور القطيعة المعرفية والسياسية داخل الحركات الجهادية والسلفية بالذات. فهي المرة الأولى منذ إلغاء الخلافة الإسلامية في 1923 واستبدالها باتفاقية سايكس بيكو أن يتم الإعلان عن جغرافيا خاصة بالخلافة الإسلامية، والعودة للمفهوم التقليدي للدولة الإسلامية.

وجاء في البيان الذي أعلنه تنظيم الدولة أنه “صار واجبا على جميع المسلمين مبايعة الخليفة، وتبطل جميع الإمارات والولايات والتنظيمات التي يتمدد إليها سلطانه ويصلها جنده”. وتابع البيان “بطلت شرعية جميع الجماعات والتنظيمات الإسلامية الأخرى، ولا يحلّ لأحد منها أن يبيت ولا يدين بالولاء للخليفة” البغدادي. وختم البيان بتهديد كل من “أراد شق الصف” بأنهم “فالقو رأسه بالرصاص”.

داعش استخدم وسائل التواصل الاجتماعي ومجلته "دابق" لإيصال صوته ورؤيته الخاصة بكل ما يثار ضده فقهيا أو سياسيا

وهذا الانتقال على الرغم من أنه بدأ قبل هذا التاريخ بعدة سنوات، إلا أن التنظيم دخل مع حقبة أبوبكر البغدادي في طور تنظيمي عسكري أمني شديد السرية والارتياب، إذ أسهم، منذ توليه إمارة التنظيم في إعادة هيكلته، معتمدا في الجانب العسكري على ضباط عراقيين سابقين من السلفيين، وفي الوقت نفسه استثمر البغدادي الجهاديين العرب والأجانب في الأجهزة الشرعية، وخصوصا أبناء دول الخليج العربي، أمثال أبوبكر القحطاني (عمر القحطاني)، وأبوهمام الأثري، المعروف بتركي البنعلي (تركي بن مبارك بن عبدالله) من البحرين، والسعودي عثمان آل نازح العسيري، وغيرهم. ولم يحدث التطور على الصعيد المؤسسي والوظيفي فقط، بل تزاوج ذلك خصوصا بعد إعادة هيكلة القيادة، وتصعيد القيادات المحترفة المحلية، على أكثر من صعيد.

ويشير أبوهنية في دراسته عن بنية تنظيم الدولة إلى أن التنظيم “تميز بقدرة لافتة في توزيع المهمات وتقسيم الأدوار بين العنصر المحلي والقادمين من الخارج ‘المهاجرين العرب والمسلمين’، فبالرغم من هذه ‘الازدواجية التنظيمية’، وبالرغم من سيطرة العراقيين في الآونة الأخيرة على المفاصل الرئيسية لقيادة التنظيم، إلا أنه استطاع أن يدمج العنصر الخارجي، ويحدد له أدوارا ومهمات، ويضعه في إطار يجمع الطرفين، ويزاوج بين الطابع المحلي العراقي والإقليمي، وحتى العالمي.

في 13 يونيو 2014، أصدر تنظيم الدولة، ما أطلق عليه “وثيقة المدينة”، وقد أصدرها المكتب الإعلامي في محافظة نينوى، تضمنت 16 فقرة على الأهالي أن يلتزموا بها. وكان تنظيم الدولة قد نسب إلى نفسه في بداية الوثيقة كامل “الفتوحات الربانية” في أرض العراق، وهنأ العالم الإسلامي بتحرير الأسرى من سجون “الطغاة الرافضة”. ويعتبر نفسه صاحب “مشروع الخلافة المنشود”.

كما يُعرّف عن نفسه في وثيقة المدينة، بأنه من يأخذ على عاتقه “إرجاع أمجاد الخلافة الإسلامية، ودفع الظلم والحيف عن أهلنا وإخواننا، بعد التفاف الأفعى الصفوية على رقاب المسلمين”. وبموجبها مُنع نشر وإذاعة أيّ بيان غير صادر عمّا يسمى “دولة الإسلام في العراق والشام”، وكذلك عدم رفع أيّ راية سوى راية “دولة الإسلام”. إضافة إلى تحريم الاتجار بالخمور والمخدرات والدخان وتعاطيها. والإعلان صراحة نيته في هدم المراقد والمشاهد “الشركية”.

كما استخدم وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المؤيدة له ومجلته “دابق” لإيصال صوته ورؤيته الخاصة بكل ما يثار ضده فقهيا أو سياسيا.

* خلاصة من بحث: عباس ميرزا المرشد “الشرطة والحسبة في تنظيم داعش.. الموصل أنموذجا”، ضمن الكتاب 110 (فبراير 2016) “إيران ودول المغرب: المسألة الشيعية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

13