التقريب بين المذاهب الإسلامية.. مسعى فكري يعيد إنتاج مرض الحضارة

ما ساد بين الفرق والمذاهب الإسلامية من خلافات دفع بعض المفكرين ورجال الدين إلى الدعوة إلى إطلاق حوار ديني بين المذاهب المختلفة لتكريس المشتركات الإسلامية والنأي عما يصنع الاختلاف، لكن الخلل الفكري والديني الذي صنع اختلاف المذاهب انتقل بدوره إلى دعوات التقريب بين المذاهب، إذ استحضر رواد التقريب كل ما شاب النصوص التفسيرية والفقهية من تعصب ورفض للآخر، فتحول الخطاب التقريبي إلى خطاب مجامل مناسباتي عاجز عن مبارحة أصول الاختلاف.
الخميس 2017/06/08
مساع فكرية ظلت أسيرة المناخ الفكري الأصولي

كتاب “الحوار التقريبي بين المذاهب الإسلامية.. التجارب والإشكاليات والآفاق” للباحث التونسي علي بن مبارك، يرى أنه على الرغم من أن الحوار الإسلامي التقريبي حاصل بالقوة وبالفعل، باعتباره منشود الملايين من المؤمنين ممن قاسوا الفرقة والصراع المذهبي والخوف الدائم، إلا أن المفارقة أن تعدد وجوه الحوار الإسلامي التقريبي لم يعكس تواصلا حقيقيا بين المسلمين، وكشف عن أزمة عاشها الحوار، كما تجلى في أدبيات التقريب، فأغلب المنتمين إلى دار الإسلام مازالوا يؤمنون بوجود فرقة ناجية تحتكر الحقيقة والخلاص، دون بقية المجموعات الإسلامية، ويعتقدون أن الحق واحد، يستدل عليه بالبرهان والدليل، وعلى الآخر الاقتناع بما تحيل عليه قرائن الأدلّة.

ووجد الخطاب التقريبي نفسه في أزمة نسقية خطرة، فهو من جهة، يدعو إلى الحوار والاعتراف بالآخر والتحرر من كل وصاية على العقيدة وصاحبها، ولكنه من جهة ثانية يحتفظ ببذور الفرقة والخلاف.

يسعى بن مبارك في كتابه الصادر عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” للإجابة عن سؤال إشكالي: كيف تمثل التقريبيون مشغل التقريب ومطلب الحوار وما تعلّق بهما من قضايا ومحاور؟

ويقول “تنطلق هذه الإشكالية من فرضية تقول إن التقريب بين المذاهب الإسلامية كان فضاء مناسبا للتحاور، وتبادل وجهات النظر بين أطراف إسلامية متعددة، لم يكن من اليسير جمعها في سياق حواري واحد، وبُنيت هذه الفرضية على ما أوحى به التقريب من أبعاد تواصلية تقوم أساسا على تقريب البعيد وتقارب ما تباعد من أنساق دينية وذاكرات، ولا يمكن أن نتحدّث عن حوار خارج سياق تواصلي يشتمل على الأفراد والجماعات والمؤسّسات والأنساق، وحتى يتسنى لنا تمثل الإشكالية المطروحة والإجابة عن رهاناتها المعرفية استعنا بمجموعة من الإشكاليات الفرعية؛ فتساءلنا عدّة مرّات ما المقصود بالتّقريب بين المذاهب الإسلامية؟ ما أهدافه وخلفياته؟ وما أهمّ تجارب التقريب المعاصرة؟ وإلى أي مدى يمكن الحديث عن حوار إسلامي – إسلامي من خلال تجارب التّقريب بين المذاهب الإسلامية؟ وإلى أي حدّ كان التّقريب فضاء مناسبا للحوار؟

وأوضح “عَد رواد التقريب تقريبهم فكرة” وكذلك تعاملنا معها، ولكن ليست من اليسير دراسة الأفكار وتاريخها، وما تفرزه من خطابات وتصورات، فأشكال التقريب كثيرة لا يمكن حصرها في نماذج مضبوطة أو أدبيات مخصوصة، والحوار في بعده التقريبي يخترق جل القطاعات، ويمس الأفراد والجماعات والمؤسّسات والحكومات.

ويؤكد بن مبارك أن كل طرف من أطراف الحوار التقريبي وجد له في تراثه القديم خير نصير لآرائه ومواقفه، وعده شمعة تنير دروب التقريب، وتدفع الحوار نحو آفاقه المنشودة، ولكنّ نصوص القدامى احتوت أيضا على ما يثير الفتن والتباغض وما يعرقل كل تقريب، ويحول دون الحوار والتواصل، فهي نصوص حبلى بمقالات الإقصاء والتمييز المذهبي، وتحتل مكانة أساسية في المخيال الديني، وتوجه التقليد، تصريحا وتلميحا، نحو التعصب والصدام؛ إذ لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها.

وحول قضية تنقية التراث يقول “لئن دعت نخبة من التقريبيين إلى تنقية كتب التراث وحذف ما يكدّر صفو النّفوس وإعادة تحقيقها ونشرها وفق منهج تقريبي جديد، فإن دعوتها ظلّت خافتة؛ لأنّها لم تقترح حلولا جذرية نسقية تخرج التقريب، خطابا وممارسة، من أزمته.

الحوار في مجال الأنساق الدينية يتطلب جرأة ووضوحا وشجاعة واعترافا غير مشروط بالآخر، وتمثلاته الفكرية والعقدية

فالحلول الجزئية التلفيقية لا تفيد في هذا السياق الثقافي التواصلي المخصوص، وآية ذلك أنّ الحوار في مجال الأنساق الدينية يتطلب جرأة ووضوحا وشجاعة واعترافا غير مشروط بالآخر، وتمثلاته الفكرية والعقدية، ولن يتحقق هذا المنشود الحواري إلا متى كانت الحلول المقترحة تأصيلية واقعية بعيدة عن المجاملات والمزايدات”.

ويؤكد بن مبارك تردد التقريبيين في الانتصار للمعاصرة، بما هي وعي بالموجود، واستشراف للمنشود؛ ولذلك لم يكن البناء الاستراتيجي التقريبي بناء محكما، وفشلت الاستراتيجيات المقترحة من قبل الإيسيسكو، والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، في تقديم خطة عملية واقعية يستحيل بها التقريب سلوكا، ويتحول بموجبها الحوار إلى ثقافة وممارسة تشتمل على الأسرة والمجتمع والتعليم والإعلام والسياسة والإبداع، وغيرها من مجالات الحياة المتعدّدة، لقد أوهمت استراتيجيات التقريب قراءها بأنّها تعنى بالمستقبل وتحدياته، ولكنها اكتفت باسترجاع الماضي واستحضار سياقاته.

ويشير إلى أنه لاحظ “أن الخطاب التقريبي لم يستطع أن يتجاوز ما حف بالدين من انزياحات كثيرة، فنص التأسيس حفت به نصوص كثيرة تشرحه، وتبين أحكامه أو إعرابه أو إعجازه، واستحالت النصوص الحافة به؛ الفقهية والتفسيرية والكلامية، نصوصا يقينية، جعل منها التقليد حقائق لا يمكن ردها أو نقدها. واعتقد المسلمون طوال عصور الإتباع والتقليد أن ما تركه كبار العلماء من اجتهادات فقهية وتفاسير قرآنية يُطابق الحقيقة، ولا بد من تصديقها والأخذ بها ومحاربة من ينتقدها، ونتج عن هذا التعصب لآراء الرجال رفض للاختلاف والتنوع”.

ويقول “فهم التقريبيون أن التقريب يتطلب حدا أدنى من القيم الإنسانية المشتركة، فتحدثوا عن الحرية والمواطنة، واحترام الاختلاف والتعدّد. وعلى الرغم من وفرة النّصوص التي بشّرت بالحرية وتحدّثت عنها، كان حديثها غامضا في بعض الأحيان، فالحرية تعني في مفهومها الإنساني الحداثي، أن تكون مسؤولا عن اختيارك، وأن تتّخذ لك من الأفكار والشعائر والمعتقدات، ما شئت، بشرط أن لا تضرّ بحقوق الآخرين، وتعني الحرية في سياقها التقريبي، أن يعتقد المسلم بما شاء، وأن يمارس شعائره الدّينية وفق النّسق العقدي الذي اختاره، وأن يتمتّع برحمة الله وخلاصه دون تمييز أو تخصيص.

وعلى هذا الأساس، يجوز الاختلاف في تمثّل النصّ، وفهمه وإفهامه، واستنباط الأحكام الفقهية منه، كما يجوز الاختلاف في بناء الأنساق الدّينية بحسب الخلفيات الحضارية والأعراف والخصائص النفسية والاجتماعية للمؤمنين، فمن الطبيعي أن يختلف النّاس، وأن تتباين مواقفهم ومعتقداتهم، ومن المفيد أن تتعدّد الأنساق، في كنف من الحرية والمسؤولية”.

ويخلص بن مبارك إلى أن “الحرية ليست مجرد شعار يرفعه الرافعون بل هي شكل من أشكال الوعي والانتماء ووعي بمشروعية الاختلاف، وانتماء إلى مشروع ثقافي متعدد الوجوه، متغير المعالم. ولا تقتصر الحرية على الوعي، فهي، أيضا، سلوك وممارسة، يستحضرها الإنسان في مراحل حياته كلّها، ويعتمدها نبراسا في أنشطته الفردية والجماعية والمؤسساتية كلّها، فالحرية ليست حُليا نتزين بها أو واجهة نتوارى خلفها أو نتكسّب بها؛ ولذلك عكس حديث التقريب المتعلّق بالحرية اضطرابا وغموضا، فأهل التقريب، على مختلف مدارسهم وتجاربهم، بشّروا بالحرية المذهبية وامتدحوها، ولكنّهم، في الآن ذاته، تخوّفوا منها وحاولوا تقعيدها وتقنينها، وضبط وجوهها”.

13