التقسيم عقيدة استراتيجية تقود السياسة الأميركية أينما حلت

الاثنين 2015/08/17
الأميركيون ينظرون إلى خارطة العالم وفق ما يحفظ لهم مصالحهم على الدوام

تجانب الكثير من القراءات التحليلية الصواب حين تعتبر أنّ السياسة الأميركية القائمة على "التفكيك" هي حكر على منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تجلى، مؤخرا، في إشارة رئيس أركان الجيش الأميركي المنتهية ولايته الجنرال ريموند أودييرنو إلى أنّ التقسيم قد يكون هو الحلّ الأنجع للعراق بعد احتلال أميركي تمكّن من توطين "التقسيم الناعم" في أرض الرشيد تحت عناوين الفيدرالية واللامركزيّة.

ذلك أنّ التفكيك لدى الولايات المتحدة هو عقيدة ومبدأ وإستراتيجية وثقافة مستبطنة وليس فقط سياسة معتمدة في الشرق الأوسط عامة وفي العراق خاصة، لذلك فإنّ انتظار أي حلّ أميركي خارج عن محددات تفكير الولايات المتحدة القائم تحديدا على التفكيك إنما هو ضرب من الوهم الاستراتيجي والوهن التحليلي.

وفي الولايات المتحدة الأميركية يبني الاقتصاد السياسة وليس العكس، ويحدّد المال المسلكية العسكرية والمعجميّة السياسية والسياقات التفكيرية، فكما شنت الحرب على العراق في 2003 بقرار من شركات النفط الكبرى لتحسين رقم معاملاتها والسيطرة على أكبر آبار النفط في العالم برمته، وكما وقع التدخل الأميركي في ليبيا بعد قبول المجلس الانتقالي الليبي في مارس 2011 بيع النفط بأسعار تفاضلية أحسن من مثيلاتها لدى معمر القذافي، فإنّ الاقتصاد حفر عقيدة استراتيجية عميقا في المعجمية الأميركية وفي معايير التمثّل ومحددات التفكير والتصرّف ليكون النموذج الاقتصادي أساسا للنموذج السياسي.

وقد ابتكرت المصانع الأميركية مستهل القرن المنصرم فكرة "تحويل العمل الجماعي" إلى عمل فردي جمعي، وذلك عبر تقسيم العمل إلى عناصر جزئيّة صغيرة، حيث يؤدي كلّ فرد في المصنع المهمة الموكلة إليه بشكل رتيب وسريع ولكنّه غاية في النجاعة.

وعبر هذه المقاربة الاقتصادية تشكّل النموذج "الفوردي" و"التيلوري" على أساس أنّ تقسيم العمل بهذه الطريقة التفكيكية بدا في مصانع السيارات "فورد" واعتبارا لأنّ مسوّق هذه الأفكار كان المهندس الميكانيكي الأميركي فريديرك تايلور خلال موفى القرن التاسع عشر.

وما لبث "نموذج التفكيك" إلا أنّ تحوّل إلى نموذج صارم في علم الإدارة وفي صنوف تطوير المؤسسات العامة والخاصة في أميركا بصفة دقيقة.

ومن الإدارة تمكنت "الأسلوبية التفكيكية" من الفكر الاستراتيجي الأميركي وباتت ثقافة ومنظومة أداء ومسلكية تفكير وتدبير عبر نخبة من السياسيين الأميركيين الذين إمّا أن يكونوا تخرجوا من الجامعات العليا للإدارة أو لارتباطهم ومساهماتهم الكبيرة في رؤوس أموال شركات النفط والسيارات متعددة الجنسيات.

ولئن نبّه الرئيس الأميركي السابق دوايت إيزنهاور في أحد خطاباته الشهيرة إلى خطورة "تغوّل" الشركات الكبرى على القرار الأميركي وتحوّلها إلى جرّار ضخم يسير بسرعة جنونية ويحمل وراءه الدولة الأميركية وعلاقاتها الخارجية معرضا إياها لألذع الانتقادات، فإنّ التحذير الإيزنهاوري لم يتمكن حينها من تلمس حجم تجذّر "الاقتصاد" في السياسة الأميركية وإرسائه لخارطة إدراكية متكاملة في ذهن أصحاب القرار.

وعلى مدى نصف قرن، لم تعتمد واشنطن إلاّ على المقاربة التفكيكيّة، ليس فقط لأنّها تدمّر "الدول" العربية وتحوّلها إلى دويلات، وتضرب الجيوش وتصيّرها إلى ميليشيات، وتفتت المواطنة وتستبدلها بـ"الطوائف"، ولكن أيضا لأنّ "التفكيك" منظومة تفكير وعقيدة استراتيجية تعجز أميركا عن تصوّر العلاقات الدولية خارج إطارها، فمن الاتحاد السوفييتي حيث عملت واشنطن طيلة فترة الحرب البادرة على تفكيكه إلى دويلات وجمهوريات سوفييتية، إلى يوغسلافيا حيث شاركت واشنطن في حرب تقسيمه على أساس ديني وإثني صرف، ومنها إلى السودان حيث لم تخف واشنطن خرائطها لتقسيمه "جنوبا وشمالا"، وقبلها الهند التي جندت واشنطن كلّ جهدها الاستخباراتي لتفتيتها بين باكستان والهند "النوويتين"، وليس انتهاء عند لبنان المقسّم دستوريا بـ"وحدة التفتيت"، وسوريا المفتتة بـ"سلاح الطوائف" و"طائفية السلاح"، وصولا إلى العراق المجزّأ حاليا بـ"دستور الطوائف" والمتهالك بين حدود "الثأر” التاريخي النفسيّ وبين "أحلام" الواهمين بدولة "قومية" في الشمال وأخرى "ملالية" في الجنوب.

وبذلك يتجلّى "التقسيم" على أنه النموذج السياسي الوحيد المقدّم من طرف واشنطن طيلة نصف قرن من السياسة الأميركية في المنطقة. وعلى المستغربين من تصريحات الجنرال ريموند أودييرنو أن يقدموا نموذجا سياسيا أميركيا واحدا غير مرتبط بالتقسيم والتفتيت وإعادة التركيب وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية في العالم العربي.

6