التقسيم لا يُخيف

الثلاثاء 2015/07/07

إذا كان حلم الوحدة العربية قد صار نوعا من الخرافة، فإن تقسيم أجزائه إلى أجزاء أصغر منها صار هو البديل الواقعي. وهو أمر يدعو إلى الشعور بالحزن، في ظل تعاسة طائفية صارت تثقل على الجميع بتجلياتها المريرة التي أخذت طريقها إلى الواقع لتنعكس على أسلوب الحياة وسبل العيش.

صار المواطن العربي اليوم مكبلا بانتمائه المذهبي الضيق بعدما كان سعيدا بحلمه العروبي الذي كان يبدو شاسعا. لقد حلت الخنادق محل السهول المفتوحة، وصار السياسيون رموزا للقبضة المغلقة على اليأس، بعد ما كانت أياديهم مفتوحة على أمل قد يكون مجرد وهم.

انتهى زمن جمال عبدالناصر وهواري بومدين والحبيب بورقيبة وصدام حسين وحافظ الأسد والملك فيصل ومعمر القذافي، مع احتفاظ كل واحد منهم بصفات زعامته الخاصة.

كان كل واحد منهم يومها أكبر من فكرته، غير أنهم كانوا يجمعون على أن العروبة هي أكبر منهم. كانت العروبة تقع في محل محاط بالاحترام بالرغم من أن الحدود التي رسمتها خرائط سايكس بيكو ظلت هي الأخرى محاطة بالاحترام.

اليوم لا يفكر أحد في العروبة ولا يتعامل أحد مع الحدود الدولية باحترام.

يوما ما كان النظام السوري متهما بتصدير الإرهابيين إلى العراق. اليوم صار النظام العراقي، وهو من روج لتلك التهمة، يصدر الجهاديين إلى سوريا.

ولكن أليس النظام السياسي العربي مسؤولا عن قيام تركيا وإيران بتصدير الإرهابيين إلى العراق وسوريا وليبيا؟ في الوقت الذي تقف بعض الأنظمة العربية مكتوفة الأيدي وهي ترى مواطنيها وهم يغادرون إلى جبهات القتال المشتعلة، ليكونوا مشعلي حرائق، أو حطبا لنار لا أظنها ستقتصر على مكان بعينه.

ليس المطلوب اليوم أن نستعير روح الإرادة من الماضي فهو أمر مستحيل، ولكن المطلوب استيعاب درس أن لا يكون المرء مستقلا في تقرير مصيره. وهو الواقع المزري والرث الذي صار العرب يدفعون ثمنه غاليا.

سيقال إن العالم تغير، ولكنها مقولة تنطوي على الكثير من المعاني الإيجابية. فأوروبا الموحدة اليوم هي غير أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية وفصول الحرب الباردة. صين اليوم، التي تحتكر كل الصناعة تقريبا في العالم، هي غير الصين أيام ماو وشون لاي. الهند المتقدمة في علوم الفضاء والواعدة باقتصاد كوني، هي غير هند المهاتما غاندي. هناك اليوم نمور آسيوية ودول في أميركا اللاتينية صار ثوار الأمس قادتها الليبراليين.

نعم، العالم قد تغير، ولكنه تغير ليكون موحدا ضد الشر والقبح والفقر والجهل والعنصرية. لم يعد عالم اليوم ليسمح بقبول حروب مثل تلك التي يشهدها العالم العربي. ذلك لأنه استطاع، في وقت مبكر، أن يقضي على أسبابها.

لا أزعم أن العالم بات مرفها، لكن روح المواطنة صارت مصانة في الكثير من أجزائه، وهو ما يعني أن العدالة الاجتماعية التي هي أحد مقاييس الرقي الإنساني صارت جاهزة لمنع الاستغلال.

من المؤكد أن الكثيرين ممن صاروا يعتبرون أنفسهم ضحايا للرثاثة العربية سيعتبرون كل مسعى لمقارنة العالم العربي بالعوالم من حوله هو نوع من تزجية الوقت على حساب عذابات الآخرين، ولكن التعامل بعدم اكتراث مع مخططات التقسيم التي تحاك لغير بلد من بلدان النزيف العربي سيكون أسوأ خيانة يمكن أن يرتكبها المرء لا ضد الآخرين فحسب، بل ضد نفسه أولا.

على العرب يقع واجب النظر إلى ما أنجزه الآخرون خلال العقدين الأخيرين من الزمن، وهما العقدان اللذان شهدا أكبر الانهيارات التي عاشها العرب في عصرنا الراهن.

نعم، التقسيم يُخيف، لأنه يبدأ بالإرادة لينتهي بالأرض.

كاتب عراقي

9