التقصير في مواجهة الإرهاب

الخميس 2015/07/09

إزاء العمليات الإرهابية المتواترة والمتصاعدة في شتى بقاع العالم العربي، فإن هناك شعورا سائدا لدى الرأي العام العربي، بأن الأنظمة والسلطات الرسمية المعنية بإدارة الدول والمجتمعات، لا تقوم بواجبها ولا تفعل كل ما في وسعها للتصدي لهذا الإرهاب، بما يعني أن هناك قصورا وتقصيرا في هذه المواجهة.

وإذا كنت قد خصصت مقالا سابقا للحديث عن الإجراءات الأمنية والسياسية ذات الطبيعة العاجلة، الواجب القيام بها على مستوى العمل العربي المشترك، لتفادي هذا التقصير، وأشرت إلى الإستراتيجية الجديدة التي يجب استحداثها في محاربة أكبر خطر يهدد المجتمعات العربية منذ انتهاء المرحلة الكولونيالية، فقد اقتصر كلامي على الجزء العاجل من هذه الإستراتيجية، الذي يختص بالمدى القصير لمواجهة الظاهرة الإجرامية الإرهابية المتمثلة في داعش وجماعات التطرف الإسلامي، ولكن هناك جانبا يتصل بالمدى الأبعد، يقتضي هو أيضا تخطيطا وتفكيرا، واتخاذ تدابير لابد أن تشترك في صياغتها أهم العقول العربية، وأهل الفكر والثقافة والتربية والتعليم، وتقتضي أكبر درجة من التنسيق على المستوى العربي، لضمان الفعالية وقوة التأثير، وهي لا تقل أهمية عن التصدي السياسي والأمني، لأنها، هنا، معركة تستهدف العقول، وأدواتها ثقافة جديدة لا بد أن تحل محل ثقافة الجمود والقوالب القديمة، ثقافة الاجترار والتكرار والنماذج المسكوكة ومحاربة الاجتهاد والتحديث والتجديد والابتكار.

ولقد استمعنا إلى أصوات ترتفع من أهل الحراك السياسي والقيادي تطالب بإحداث “الثورة الدينية” المرجوة، ومن بين هذه الأصوات، وأكثرها إلحاحا على هذا المطلب، الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي استخدم هذا التعبير، وأعاد توجيهه إلى المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف، وهي ثورة ضرورية في مثل هذه المرحلة الخطيرة من مراحل التصدي للإرهاب الذي يستند زورا وبهتانا إلى الدين، تشويها لرسالته السمحاء، وإفراغا لهذه الرسالة من محتواها الإنساني، وإظهارها بمظهر التوحش والبدائية.

ورغم إيمان الناس جميعا، لا فقط أهل الديانة المحمدية بل وأهل الديانات الأخرى، بأن مقولات الدواعش وأطروحاتهم التكفيرية لا تمثل الإسلام ولا تربطها به أية صلة، فإننا لا نستطيع أن نتنصل من حقيقة أن هذا الإسلام شهد تراكمات عبر العصور شوهت حقيقته وغطت على جوانب الجمال والنور فيه، وشابته من الشوائب والتشوهات والقشور، ما صار في نظر أهل التطرف هو الدين الصحيح، بسبب غياب الاجتهاد ومحاربة المجددين والأمثلة كثيرة على ما أصاب دعاة التجديد من أذى وتنكيل، ليس فقط في عصور سالفة وصلت إلى وقتل وسمل عيون العلماء، وإنما في عصرنا الحديث الذي شهد تنكيلا بأناس من أبناء المؤسسة الدينية نفسها مثل محمد عبده وعلي عبدالرازق وطه حسين ونصر حامد أبوزيد، وحرب هؤلاء لم تأت من جماعات تكفيرية كما حدث في الجزائر عندما استهدف أهل التطرف كل صوت مناهض لهم، ولكن من المؤسسات الدينية الرسمية مثل الأزهر نفسه ومن داخل الجامعات التي يفترض أن تكون ساحات للفكر الحر.

نعم لمثل هذه الثورة الدينية، التي لابد من أن نعي شروطها ومؤهلاتها، والقوى القادرة على القيام بها، وأول هذه الشروط ألا تقتصر على التخصص الديني، وإنما الدين في علاقته المتشابكة والمتداخلة مع جميع العلوم الإنسانية من اجتماع وتربية وعلم نفس وتاريخ واقتصاد وقانون وأنسنة وآداب وفنون ولغة وإعلام، وما يتقاطع مع الدين من فتوحات علمية حديثة في الطب والمعلوماتية وغيرها، فالتعامل مع الدين باعتباره جزيرة معزولة عن التفاعلات التي تحصل بسبب التطور الحاصل في المجتمعات ونتاج التدرج الحضاري الذي وصلت إليه البشرية، لن يزيده إلا انغلاقا وعزلة.

وفي هذا الخصوص أتمنى أن نرى جهدا عربيا مشتركا، يسد الشقوق التي يتسرب منها التطرف والغلو والفكر التكفيري، إذا صح أن نسميه فكرا. فلا يمكن أن نقوم بجهد تحديثي في جزء من الوطن العربي، بينما يقوم جزء آخر بتكريس الجمود والتطرف، لأننا في هذه الحالة لن نصل إلى نتيجة وسيصبح جهدا ضائعا ذلك الذي نقوم به في إطار التحديث والتجديد وتحقيق الثورة الدينية، فهي لابد أن تكون لها شموليتها وتحقق الإجماع العربي حولها. أقول العربي مع معرفتي بأن مثل هذه الثورة الدينية، تطال رقعة أوسع من العالم وشعوبا أكثر عددا من شعوب الوطن العربي، هي شعوب العالم الإسلامي، ولكنني أعرف أيضا صعوبة أن يتحقق مثل هذا العمل على مستوى كل هذه الشعوب التي تتعدد ثقافتها ولغاتها وإثنياتها، مما يمكن أن يحيل المهمة إلى مهمة مستحيلة، ولذلك يجدر أن تبقى في إطار الوطن العربي الذي تجمعه مؤسسات للعمل المشترك مثل الجامعة العربية، ومنظمة التربية والثقافة والعلوم ومؤسسات كثيرة أخرى على مستوى الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة، قادرة على أن تكون الأداة التي تنجز مثل هذا العمل، تحصينا للوطن العربي من كارثة التطرف، وتلافيا لما نراه من قصور وتقصير، واضعين في الاعتبار أن أي نجاح في التجديد الديني يصيبه الوطن العربي، لابد أن تكون له آثاره الإيجابية في كل أنحاء العالم الإسلامي.

كاتب ليبي

9