التقليدي والإفرنجي في اللباس العربي.. سؤال آخر حول الهوية

تطورت الملابس مع تطوّر الإنسان الذي يحتمي تحتها وتجاوزت بعدها الأول في الاستعمال وما يوفره المتاح في اللون والشكل والنوع نحو قيم جمالية ودلالية شديدة التعقيد في المناسبات ومنابر الخطاب حتى باتت طريقة في التفكير ولغة مستقلّة بذاتها. ولم تنقسم الأزياء والملابس بين خانتي الإفرنجي والشعبي، إلاّ وفق تصنيف صاحبها ومرجعياته المعرفيّة والحضارية، فما يراه زيد تقليديا وشعبيا يراه عمرو حديثا ويتناغم مع روح العصر، ثمّ إنّ مسألة الذائقة في حدّ ذاتها ثوب فضفاض تنضوي تحته حساسيات مختلفة وبمرجعيات ليست بالضرورة محايدة أو بريئة.
الثلاثاء 2016/05/17
الزي التقليدي يأخذ طابعا احتفاليا يقترب من المقدّس في المجتمعات الشرقية

البلاد العربية ليست بمنأى عن هذا السجال الذي يأخذ منحى تفاضليّا وحاسما في أغلب الأحيان بين التقليدي والحديث من الملابس والأزياء، بل وفيها يحتدّ الحوار أكثر من غيرها في العالم، ذلك أنّ مسألة الأصالة والمعاصرة تطرح نفسها في كلّ شيء، وأوّلها طريقة التمظهر، فهي مازالت سؤالا معلّقا لم يحسم في أمره، وهي سمة عربيّة بامتياز، لما عرف عن النخب لدينا من حب الجدل والإكثار منه، حتى في الأمور التي قد تبدو للثقافات الأخرى مجرّد خصوصيات ولا تحتاج عناء النقاش.

ويبقى اللباس في نظر الباحثين والمتخصّصين إحدى أقوى الأدوات التعبيرية في شخصية الإنسان ومكبوتاته، ويضيفون أن "من يلبس بحريته يكون أقل اضطرابا من غيره وأكثر راحة ومردودية في إنتاجه وعمله"، لكن أين حدود الحرية الفردية في البلاد العربية؟ وما مدى موافقتها للذائقة العامة وما دأبت عليه المجموعة التي تشترك في مثل واحد يسري من المحيط إلى الخليج ويقول معناه "كُلْ كما تشتهي أنت والبس كما يشتهي غيرك".

وتنقسم الآراء أيضا بخصوص الاختيار بين اللباس التقليدي الشعبي واللباس الإفرنجي الحديث من منطقة جغرافية إلى أخرى، وذلك باختلاف العادات والتقاليد وحتى التاريخ الاستعماري الذي ترك آثاره في الملبس، كما لا يمكن التغافل عن التصنيف الطبقي والفئوي والديني والمذهبي، وباقي المزاج الشعبي العام.

اللباس يرافق العربي في حلّه، وليس بالضرورة في ترحاله، ذلك أنّ ضرورة خلع ثياب البلاد التي جاء منها الواحد، تمليها عادة أسباب اجتماعية ووظيفية وبروتوكولية وحتى أمنيّة، مثل الاشتباهات التي تحمل أصحابها على الأزياء والملابس في مطارات غربيّة وحتى في بلداننا هذه الأيام، ممّا أثار غضبا واعتراضا لدى جهات حقوقية كثيرة، واعتبروها شكلا من أشكال التعالي العنصري والانتهاك للحريات الفردية.

وتذكر في هذا الصدد عدّة حوادث جرت حتى داخل العالم العربي في ملتقيات رياضية أو زيارات سياحية، مثل التمنطق بالخناجر لدى بعض الأزياء العربية الرسمية منها والشعبية، لكنّها تبقى في مجملها عارضة وقليلة الحدوث داخل الفضاء المشترك بحكم اتساع التواصل وتقارب الثقافات.

ويعلّل أحد المناصرين لما يعرف باللباس الإفرنجي السائد اختياره بحتميّة العولمة التي تفرض نفسها على الجميع، ويعلّق ساخرا بأنّ النموذج الغربي للباس جاء ليوحّد العرب في الوقت الذي نسعى فيه إلى الاختلاف عبر المناداة بالحفاظ على الزيّ التقليدي، ويردّ عليه أحد المرتدين للزيّ الشعبي في نفس المقهى وهو يدخّن الشيشة بقوله "ما تعتقده لباسا حديثا هو في الأصل زيّ شعبي في بلاد الغرب، فلماذا نقلّد الغرب حتى في فولكلوره، وإذا كنت تقرّ بتفوّق العقل الأوروبي والأميركي والياباني فلا تقلّده في الطاقيّة، بل في ما تحتها من أفكار وابتكارات علميّة".

وما من شيء إلاّ وحشرت السياسة أنفها فيه، فما بالك بألصق الأشياء إلى جلد البشر وأكثرها حميميّة، وهي الملابس التي استثمرها السياسيون في حملاتهم الدعائية ومحاولاتهم للتقرّب من عامة الناس لكسب ودّهم والسعي نحو التميّز في المحافل الدوليّة والاعتزاز المفرط بالخصوصية الوطنية والقومية أو إظهار الأناقة والانخراط في الحداثة من جهة الملابس الإفرنجية، ودائما عبر لغة الملابس التي تعتبر أبسط وأذكى وأسرع من يوصل الرسالة.

وقد يصطفّ الفريقان من ناحية انتصار كل واحد منهما إلى اللباس التقليدي أو الإفرنجي، لكنّ الفريق الواحد يختلف في ما بينه حول موضوع الأناقة وما يعرف بالذوق العام، ومن هنا انطلقت دُور الأزياء في التنافس وتسويق ابتكاراتها ضمن الفئة الواحدة، كما لم تغفل عن الدمج بين الإفرنجي والتقليدي، مستفيدة من ثقافة العولمة وحوار الحضارات مع مراعاة الخصوصيات الدينية في معادلة تبدو شائكة، لكنها ممكنة.

ويبقى اللباس مسألة فردية لكنها متداخلة مع المجموعة، وحرية الفرد هي بالتأكيد جزء من الحرية الشخصية ولا يحق لأي واحد أن يحدد لباس الآخر، بل عليه أن يهتم بلباسه هو كشخص وفقط دون أن يحاول فرض رأيه في اللباس على الآخرين.

اللباس التقليدي ينشط الأسواق المحلية أيضا

الزي التقليدي هوية من قماش

الزي الشعبي التقليدي لا يعتبر مجرّد لباس يقي حرّ الصيف وبرد الشتاء، "إنه جلدي الثاني، وكيف يخرج الواحد من جلده"، كما يقول أحد الشعراء الشعبيين.

ويضيف أنّ "اللباس التقليدي يحمل رائحة الأرض ودفء المحيط الاجتماعي وبصمات الأصابع التي حاكته من أبناء البلد، ثمّ إنه يشبه اللغة التي أنظم بها قصائدي، إذ يتمدّد معي كيفما شئت وأجده حنونا وطيّعا على عكس البدلة الإفرنجية التي أشعر داخلها بالاختناق وأحسّ أنّي فقدت نفسي".

هذا ويكثر مناصرو الزي الشعبي واللباس التقليدي من الإطناب في التذكير بمسألة الأصالة والحفاظ على الهوية، ويضيف إلى كلامهم تجار الأسواق التقليدية وبائعو الأزياء الشعبية في المحلات السياحية الشيء الكثير من مغازلاتهم للزي الشعبي وتعداد فوائده في تشجيع الصناعات المهدّدة بالانقراض من خلال الترويج للإنتاج المحلّي، مذكّرين بأعداد الأسر التي تكسب رزقها من ورائه، وذلك بداية من المزارعين ومربي المواشي وصولا إلى الصناعيين والتجار والمروّجين.

كما تجدر الإشارة إلى أنّ الفنّ قد ساهم في ذلك مثل صناعة الشاشيّة (الطربوش التونسي) التي ازدهرت وأصبحت موضة للشباب والفتيات بفضل أعمال المخرج فاضل الجزيري، وكذلك القفطان المغربي والطربوش اللبناني والثوب السوداني والعباءة الخليجية والجلابية المصرية والدشداشة العراقية والكوفية الفلسطينية التي أصبحت رمزا لقضية الشعب.

وتحتفل الأسر العربية في الأعياد باقتناء ملابس جديدة للأطفال وللكبار كذلك، ولعل من العادات الراسخة في مثل هذه المناسبات، اقتناء ملابس تقليدية للنساء وأخرى للرجال، وفقا لعادات وموروث كل بلد عربي، فيصبح الزي التقليدي ليس مجرد لباس جديد وإنما يرتبط بموروث ثقافي وطقس اجتماعي يأخذ طابعا احتفاليا يقترب من المقدّس في المجتمعات الشرقية، على عكس الأزياء الغربية التي صنعت لاعتبارات نفعيّة بحتة كبدلة السموكن التي جعلت لتميّز المدخنين في الحفلات البريطانية، وحتى الكرافات التي تمنعها النظم الإيرانية بحجة أنها رمز صليبي، هي في الأصل قد دخلت عن طريق الجنود الكرواتيين إلى النمسا وعموم أوروبا.ويقول مثقف عربي يعيش في بلد أوروبي “أنا مع اللباس التقليدي ولو لمرّة واحدة في الأسبوع على الأقل”، ويضيف صديق له أنّ “المرة الواحدة في الأسبوع تعني يوم العطلة الأسبوعية وما تعنيه من الالتفات إلى الذات والأسرة وتذكّر البلد الذي جئنا منه وسط ثقافة وإيقاع مختلفين، ولو كنت في بلدي لالتزمت اللباس التقليدي طيلة أيام الأسبوع لما أحس فيه بالراحة والحرية والبساطة”.

الملابس الغربية أصبحت مثل لغات أصحابها تماما، فلا يمكن لك أن تدرس العلوم الحديثة بلغات قديمة، كما لا يمكنك مواكبة العصر بثياب فولكلورية

ودأبت بعض الدول على تخصيص يوم للزي التقليدي مثل تونس التي جعلته متزامنا مع احتفالات الاستقلال وخصّصت له التظاهرات الخاصة به، فالتزم به أغلب التونسيين في جو من البهجة والتلقائية وقد سانده القسم الأكبر من المجتمع، إلاّ أنّ أحد قياديي حركة النهضة المعروف بحرصه الدائم على ارتداء اللباس التقليدي التونسي له رأي آخر، إذ يقول إنّه يرتدي في هذا اليوم البدلة الإفرنجية كي يتميّز عن الآخرين ويعتبر البدلة هي التقليدية وليس العكس، كما تتميز أقطار عربية كثيرة بتشبثها بالزي التقليدي في الحياة العامة والرسميّة كالمغرب ودول الخليج مثل المملكة العربية السعودية التي يتمسك أهلها بلباس “الثوب” و”الغترة” و”العقال” منذ بدايات توحيد البلاد في منتصف القرن الهجري الماضي، وقد عرفت الملابس الناعمة والليّنة في منتصف السبعينات أي مع ظهور ملامح الرخاء الاقتصادي، ومع بداية الألفية غلب اللون “العنابي” على اللون الأحمر التقليدي في بعض المدارس وملاعب كرة القدم، ناهيك عن عودة الشباب إلى اللون الأصفر في ثيابهم ذات التفصيل الحجازي.

وتقول نعيمة من المغرب إنها تفضّل القفطان على سائر أنواع الموضة الحديثة، لجمالياته التي ما انفكّت تستنبط منها أرقى دور الأزياء في العالم، وأيضا لبساطته وملاءمته لنشاط المرأة في البيت والشارع، إضافة إلى توفّره بأسعار معقولة.

ويرى خالد من السعودية أنّ الزي الوطني السعودي مناسب جدا لطبيعة المعيشة في المملكة، حيث أنّ السعوديين يفضلون الجلوس بسهولة ويسر على السجادة والمساند.

ومن خلال استطلاع لرأي الشباب السعودي بشأن تفضيل الملابس الوطنية عن غيرها، اتضح أنّ 80 بالمئة منهم يفضلون الزي الوطني السعودي، حيث أنه يعكس تراثهم كما أنه يعطي نوعا من الاحترام لمن يرتديه، على حدّ تعبير أحد الذين شملهم الاستطلاع.

اللباس الحديث أنيق وعملي وينتمي للعصر

الزي الحديث بداهة لا تناقش

يقول أحد الكتاب "ليس العرب وحدهم من يمتلكون أزياء تقليدية بل حتى الإسكيمو في القطب المتجمد واليابانيون في أقاصي الأرض والاسكتلنديون والأفارقة في الأدغال ومختلف الشعوب في العالم الفسيح لديهم أزياؤهم الوطنية والتقليدية، لكن هذا لا يبرر لبسها معظم الوقت. هل هذه هي الهوية؟ وهل هذا هو دليل قاطع على حبنا لبلداننا؟".

ولوحظت في الأوساط الثقافية العربية هذه النبرة المتشنّجة في الردّ على مؤيدي اللباس التقليدي ومناصريه، ولعلّ هذا ما يعيد إلى الأذهان تلك السجالات التي دارت في مصر بين الأزهريين والدراعمة (نسبة إلى دار المعلمين) أثناء المنتصف الأول من القرن الماضي، حين كان الخلاف محتدما بين العمامة والطربوش في رمزية لصراع ثقافتين، لكنّ الأمور قد اختلطت وتداخلت في العصر الراهن وأصبحت الفئات العريضة من مرتدي البدلة الإفرنجية هي التي تدافع عن الفئات المسحوقة.

ويقول أحد المدرّسين "البدلة الحديثة هي الأرخص سعرا ومتوفرة في أسواق الملابس المستعملة، فهل لمحتم ثيابا تقليدية تباع في البالة؟".

ويضيف زميله مدرّس تربية بدنية "أنا أرتدي ملابس الرياضة في العمل والبيت والشارع، ولديّ بدلة رسمية، واحدة للمناسبات الرسمية وأخرى تقليدية للمناسبات الدينية والعائلية أيضا، فلست أدري كيف أجيبكم، هل أنا مع الملابس التقليدية أم مع الحديثة؟ وبالمناسبة أريد أن أسألكم كيف كانت الأزياء الرياضية في العصر العربي القديم؟".

وتجدر الإشارة إلى أنّ الأزياء التقليدية باهظة الثمن في كل البلاد العربية، وذلك لغلاء موادها ومكوناتها من جهة وندرة صناعها من جهة أخرى، وهي "تذكّرنا بالعاطلين عن العمل في تونس".

وثمّة جانب آخر يجعل لمنتقدي الزيّ التقليدي العربي حجّة تؤخذ بعين الاعتبار، وهي تلك النمطيّة الزائدة والمربكة للنظر من ناحية الألوان، ويقول في هذا الصدد كاتب عربي مقيم بأوروبا "اكتشفت عندما زرت بلدا خليجيّا أنّ الملابس تعيننا على التعرف إلى من نعرفهم، وعيناي غير مدرّبتين على ذلك، لأن الكل يرتدي عقالا ودشداشة، بينما صديقي الخليجي يقول ها قد جاء فلان، ويفرزه من بين ألف لابس دشداشة وعقال"، ويضيف أن "الألوان مهمة، فاللباس التقليدي الهندي مثلا كله ألوان زاهية، لكن العرب لديهم اللون الأبيض للرجال كلهم والأسود للنساء كلهن، أضف إلى ذلك النقاب الذي يزيد من اكتمال المشهد حيرة وضياعا".

الزي الشعبي التقليدي لا يعتبر مجرد لباس يقي حرّ الصيف وبرد الشتاء، إنه جلدي الثاني، وكيف يخرج الواحد من جلده، كما يقول أحد الشعراء الشعبيين
وتعلّل غالبية المحبّذين للأزياء والهيئات الحـديثة انحيـازها بأنهـا مـلابس عمليّة، أنيقة وغيـر معقـّدة، كمـا يمكن اقتنـاؤها مـن أي بلـد في العالم، ثمّ إنها لا تثير الانتباه الذي عادة ما يصل إلى مرحلة الإحراج أو حتى الكشف عن أصولك دون حاجتك إلى ذلك، فمكان العمل ـ وحتى الشارع ـ ليس كرنفالا أو متحفا، كما أنها صنعت لغير هذا العصر وهي في مرحلتها وبيئتها كانت ثيابا عصرية وحديثة وقد جاءت لتتجاوز التقليدي الذي قبلها، فكيف نواجه زمننا بغير أدواته وابتكاراته؟ ثمّ إنها من إنجازات الذين يقودون قاطرة التقدّم العلمي والتقني، فحتى اليابانيون لا يحضرون إلى أماكن عملهم بالكيمونو، رغم تعلّقهم الشديد بتقاليدهم وأزيائهم.

وتقول صابرة، طالبة جامعية من تونس، "الملابس الغربية أصبحت مثل لغات أصحابها تماما، فلا يمكن لك أن تدرس العلوم الحديثة بلغات قديمة، كما لا يمكنك مواكبة العصر بثياب فولكلورية، وكان الأجدر بك أن تلبسها في حفلات خاصة أو تشاهدها في المتاحف المختصة".

وعن مسألة الحجاب أو النقاب، يقول باحث جزائري إنها لا تصنّف لا مع اللباس الحديث ولا التقليدي، فثمة أزياء تقليدية أمازيغية مثلا لا وجود فيها لغطاء الرأس لدى المرأة بمفهومه المتداول، كما أبدى اعتراضه على ربط قضية الهوية باللباس إلاّ في قراءات دلالية داخل حقول معرفية متخصّصة، وقال "إني أدعو العامة والبسطاء إلى عدم الخوض في أمور يجهلونها".

ويقول كاتب مصري "الهوية والأصالة وأمجاد الماضي أكبر وأعمق من ذلك، إنها تظهر في سلوكنا وفي إنتاجنا وفي فكرنا وفي أناقة تواصلنا مع بعضنا ومع الآخر".

وأخيرا يمكن القول إنّ سجال العرب في هذا الموضوع ارتبط بأمور كثيرة ومتداخلة إلى حد التناقض كالخياط الذي وجدناه متحمّسا للتقليدي وهو يفصّل بدلات إفرنجية والفتاة التي تمشي مع أمها في الشارع وهي ترتدي ثوبا تقليديا على عكس والدتها.

12