التقنيات الجديدة تؤسس لعالم سريع دون حدود وحكومات

يتغير العالم منذ الثورة الصناعية متأثرا بقوة الاكتشافات العلمية والتكنولوجية. فبعد أن كانت الأيديولوجيا تحاول السيطرة على المجال السياسي والسيادي والمواطني من خلال مؤسسات الحزب، أضحت اليوم هي المحدد الرئيسي لكل تلك المجالات والأنساق بطريقة تجعل الدولة في حالة اختفاء قسرية أمام هول وقوة الشركات التي تصنع التكنولوجيات التواصلية بين الأفراد في عالم تختفي فيه الحدود يوما بعد يوم.
الجمعة 2016/09/09
في المستقبل سيكون الحديث إلى الروبوت أمرا يوميا

الإسكندرية (مصر) - أكد الباحث إيهاب خليفة، رئيس وحدة متابعة التطورات التكنولوجية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي، عمل الفضاء الإلكتروني على زيادة التفاعلات بين الأفراد عبر الدول وسهولة تبادل المعلومات والبيانات، كما عزز الفضاء الإلكتروني من التغيير الهيكلي لعملية صنع القرار داخل الدولة، من الاعتماد على الدولة الرسمية إلى تفاعل جهات وجماعات وأفراد رسمية وغير رسمية داخل الدولة عبر الشبكات الاجتماعية، والانتقال من مرحلة تبني النموذج المركزي في صنع السياسات إلى مشاركة الأفراد في صياغة هذه السياسات، ومن الاعتماد على المؤسسات البيروقراطية في تقديم الخدمات إلى الاعتماد على شبكات الويب، كما ظهرت أنواع جديدة من الحكومات مثل الحكومة الإلكترونية والحكومة الذكية.

وقال في محاضرته “أثر التطورات التكنولوجية على مستقبل المجتمعات العربية” ضمن فعاليات مؤتمر مستقبل المجتمعات العربية الذي نظمته مكتبة الإسكندرية أخيرا “أفرزت هذه التطورات التكنولوجية بفعل الإنترنت مفاهيم جديدة، لا يزال بعضها غير واضح، وبعضها الآخر لم يستقر في شكله النهائي كمفهوم مكتمل الأبعاد، إذ لا يزال الخلط على سبيل المثال بين الإلكتروني والسيبري والرقمي، ورغم هذا الخلط إلا أن هناك عددا من المفاهيم الشائعة منها المفاهيم العسكرية، مثل القوة الإلكترونية والصراع الإلكتروني والردع الإلكتروني والحرب، ومنها المفاهيم السياسية مثل الديمقراطية الرقمية، والمواطنة الافتراضية، والحكومة الذكية، ومنها المفاهيم الاجتماعية مثل الجريمة الإلكترونية، والتحرش الإلكتروني، والغش الإلكتروني، والمظاهرات الافتراضية، ومنها المفاهيم الاقتصادية مثل التجارة الإلكترونية، والعملات الرقمية، والأسواق الافتراضية”.

أفرزت التطورات التكنولوجية بفعل الإنترنت مفاهيم جديدة لا يزال بعضها غير واضح وبعضها الآخر لم يستقر في شكله النهائي

العرب الأكثر تأثرا

مسار هذا التغير الذي أحدثته التطورات التكنولوجيا يظل في حالة حركة مستمرة، وهو في طريقه إلى المزيد من التصاعد، وتعمل على ذلك مجموعة من محركات القوى التكنولوجية التي تأتي على رأسها مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الموبايل والطائرات من دون طيار والطابعات ثلاثية الأبعاد وإنترنت الأشياء، بصورة قد تدفع إلى القول بأن هناك حالة من إعادة التشكيل للمجتمعات من جديد. ورأى إيهاب خليفة أن المجتمعات العربية تعتبر من أكثر المجتمعات التي تأثرت بالتطورات التكنولوجية، وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كانت بمثابة الإطار التنظيمي للحركات الثورية التي شهدتها المنطقة العربية، كما أنها إحدى الأدوات الرئيسية للحركات الإرهابية من خلال عمليات التنسيق والتنظيم والتمويل. وتتميز المجتمعات العربية بخصوصية من حيث كونها سوقا جاذبة وبشدة للمنتجات الاستهلاكية التكنولوجية، كما أنها تتفاوت من حيث مكوناتها الداخلية، فنجد دولا ومجتمعات قطعت شوطا كبيرا في التحديث التكنولوجي، مثل دول الخليج، وبخاصة دولة الإمارات، حيث تبنت نماذج للحكومة الذكية بل للمدن الذكية أيضا مثل دبي، وهناك دول مازالت تحاول مسايرة عملية التحديث مثل تونس ومصر والمغرب، في حين تحاول دول أخرى اللحاق بتجارب الحكومة الإلكترونية مثل الجزائر وليبيا، وهناك دول بعيدة إلى حد كبير عن السباق مثل السودان وموريتانيا وجزر القمر والصومال.

هل أنت مستعد لدخول عصر موجة جديدة من هذه التطورات التي يتم فيها التواصل بين الأفراد عبر التخاطر الذهني، حيث يتواصل الأفراد من خلال الدماغ البشري دون الحاجة إلى حاسة السمع أو الكلام؟ وأن تنتقل من نيويورك إلى دبي فقط في خلال 22 دقيقة؟ وأن تقوم بتخزين 455 مليار غيغا بيت (إيغزابايت) في غرام واحد فقط من “دي أن آي”؟ وأن تستخدم سرعة إنترنت قادرة على تحميل 224 غيغا بيت من البيانات في ثانية واحدة فقط عبر تكنولوجيا “لي-في”، وأن تحصل على منتجات قادرة على تجميع نفسها ذاتيا من خلال الطابعات رباعية الأبعاد “دي4”؟ وأن تصعد مركبات الفضاء إلى طبقات الجو العليا من خلال “مصعد فضائي” بدلا من الصواريخ التقليدية الحالية؟

التقنيات الحديثة للاتصال كأداة تغيير سياسي: كل شيء إلا المس بالأمن
الإسكندرية (مصر) - نبّه الباحث مصطفى بخوش، أستاذ العلاقات الدولية، المشارك بكلية الحقوق والعلوم السياسية قسم العلوم السياسية جامعة محمد خيضر بالجزائر، إلى ضرورة تفطّن الدول لمسألة التغيّرات الجذرية التي تطرأ على الوعي العام العربي من خلال التحركات السياسية الأخيرة التي ظهرت انطلاقا من تونس منذ خمس سنوات في ما يعرف بـ”الربيع العربي”. وأضاف بخوش، خلال محاضرة ألقاها في مؤتمر مستقبل المجتمعات العربية الذي تنظمه مكتبة الإسكندرية هذه الأيام، أن التكنولوجيات الحديثة للاتصال تؤسس إلى واقع فكري وأيديولوجي جديد.

وقال مصطفى بخوش “إن انتشار ظاهرة الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي رغم تعدد أنظمته السياسية واختلاف مستوياته الاقتصادية، يكشف عن أن هذه الحركات ليست مرتبطة فقط بتدني مستوى المعيشة أو بمطالبات سياسية فقط، بل تعكس حراكا اجتماعيا تراكميا مرتبطا أساسا بزيادة الوعي بين الأجيال الجديدة.

وقد لعبت وسائل الإعلام والاتصال والتكنولوجيات الحديثة دورا بارزا في بلورة هذا الوعي، بحيث تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحات حرة للتعبير وتبادل الرأي والنقاش المفتوح غير خاضعة لرقابة السلطة، الأمر الذي يفسّر القطيعة المتصاعدة بين الأنظمة السياسية والواقع المجتمعي بكل مكوناته”. وأكد الباحث الجزائري أنه من الضروري وضع وسائل التواصل الاجتماعي في الحسبان كنقطة قوة ودعمها في اتجاه التغيير الإيجابي والتحكم فيها في حال استعمالها لأغراض تمس الأمن العربي العام أو سلم المجتمعات مثل الإرهاب.

وأكد الباحث إيهاب خليفة أن هذه التطورات ليست خيالات أو تكهنات بما سيكون عليه المستقبل، بل هذه التقنيات قد أصبحت حقيقة بالفعل، ولازالت التجارب والاختبارات تجرى عليها في المختبرات لطرحها للاستخدامات التجارية، ففي سبتمبر 2014 نجح علماء من جامعة هارفارد في إجراء أول تجربة للتواصل من خلال التخاطر الذهني، حيث جلس أحد الأفراد في مدينة مومباي بالهند، ووضع على رأسه سماعة لاسلكية متصلة بالإنترنت، وجلس آخر في باريس، وبمجرد أن فكر الأول في إلقاء التحية أدركها الآخر مباشرة دون أن ينطق بكلمة، فقط من خلال توارد الأفكار والخواطر، وهي عملية ليست بالتنجيم أو السحر، ولكن يتم استغلال الموجهات والنبضات الكهرومغناطيسية التي يرسلها المخ نتيجة عملية التفكير، ثم تحويلها إلى إشارات يمكن إرسالها عبر الإنترنت، ويتم استقبالها من الطرف الآخر، وتحويلها إلى موجات يستطيع الدماغ البشري ترجمتها وفهمها.

سرعة خيالية

لا يكاد العالم يستوعب صدمة الطائرة “سكريمر” التي تفوق سرعتها سرعة الصوت بـ10 أضعاف، حتى فاجأنا مصممها بطائرة أخرى هي “إنتيبود”، فحينما تم الإعلان عن الطائرة “سكريمر” في أكتوبر 2015، والتي يمكنها أن تقطع المسافة من نيويورك إلى لندن في 30 دقيقة، لم يتمكن الجميع من استيعاب هذه السرعة، حتى يفاجئنا المصمم بعدها بثلاثة أشهر بتصميم آخر أطلق عليه “إنتيبود” وهي طائرة قادرة على قطع نفس المسافة في 11 دقيقة فقط، وإذا كانت الطائرة سكريمر تعتمد على نظام للحركة المغناطيسية من خلال وضعها بين قطبي مجال مغناطيسي واستخدام الأكسجين السائل أو الكيروسين المستخدم في الصواريخ لكي تقلع الطائرة بسرعتها القصوى، فإن الطائرة إنتيبود تستخدم معززات صاروخية قابلة لإعادة الاستخدام يتم وضعها على أجنحة الطائرة، حيث تمنح هذه المعززات الطائرة إمكانية الوصول إلى 40 ألف قدم، قبل أن تنفصل عنها وتعود إلى القاعدة، ثم يقوم جهاز الكمبيوتر الموجود على متن الطائرة بتشغيل المحرك النفاث، كما تساعد فوهة موجودة بمقدمة الطائرة على إطلاق الهواء للانطلاق بسرعة تجعلها قادرة على قطع مسافة 20 ألف كيلو وعلى متنها 10 أشخاص في أقل من ساعة. وإذا كان الحمض النووي “دي أن آي” قادرا على تخزين البيانات والمعلومات الوراثية ونقلها من جيل إلى آخر، فإن الباحثين جورج تشرتش وسري كوسوري في علم الجينات بجامعة هارفارد، تمكنا في العام 2011 من تخزين النسخة الرقمية لكتاب كامل مؤلف من 300 صفحة تعادل نحو 700 تيرابايت (ألف غيغا بيت) على مواد مصنوعة من غرام واحد من الحمض النووي، كما نجح علماء في جامعة كامبريدج من تخزين المجموعة الكاملة لسوتانات شكسبير الـ154 داخل “دي أن آي”، حيث يتمكن غرام واحد فقط من الـ”دي أن آي” من تخزين 455 مليار غيغا بيت (إيغزابايت) مدى الحياة.

11 دقيقة هي المدة التي تقضيها طائرة {إنتيبود} بين نيويورك ولندن

شكل الحياة البشرية

وأوضح إيهاب خليفة جملة من التداعيات المترتبة على تكنولوجيات المستقبل القادمة، وهي في نظره فرص أكبر للنفوذ للدول المتقدمة صغيرة الحجم. فلما كان المستقبل يتشكل حاليا من خلال الابتكارات التكنولوجية، فإن ذلك يعطي فرصة للدول صغيرة الحجم وقليلة السكان التي تستثمر في تكنولوجيا المستقبل لكي تتمتع بميزة نسبية عن غيرها من الدول، فالاستثمار في هذه التكنولوجيا يزيد من قدرة الدول الصغيرة على التأثير في العلاقات الدولية، التي ظلت لسنوات عديدة حبيسة الدول الكبرى، التي تعتمد بالأساس على مساحتها الجغرافية وعدد سكانها، بالإضافة إلى مواردها الطبيعية المحكومة بموقعها الجغرافي، حيث تمكن هذه التكنولوجيات دولا صغيرة مثل أستونيا من أن تلعب دورا بارزا في مواجهة دولة كبرى مثل روسيا.

من ناحية “السيادة المعلوماتية” لشركات التكنولوجيا العملاقة على الدول، يلوح أن أكبر أربع شركات عالمية من حيث القيمة السوقية في العالم خلال 2016 هي شركات تكنولوجيا المعلومات وأولها شركة ألفابيت المالكة لغوغل، تليها شركة أبل ثم مايكروسوفت ثم فيسبوك، ولا أحد يمكن أن ينكر الدور الكبير الذي تلعبه هذه الشركات في تغيير شكل الحياة البشرية.

ونتيجة لذلك فإن مثل هذه الشركات تقود الشكل الجديد للحياة البشرية في المستقبل، وهو ما يؤدي إلى صدامات بين الكثير من الدول وبين بعض شركات التكنولوجية، وذلك بسبب امتلاكها للمعلومات التي يعصب على بعض الدول الحصول عليها، وهي المعلومات الخاصة بمواطنيها، إضافة إلى معلومات أخرى عن سكان الكرة الأرضية المستخدمين لأشكال التكنولوجية المختلفة، خاصة سكان الدول النامية التابعة والتي تعجز عن توفير بديل لمواطنيها عن هذه الشركات، مثل مواقع فيسبوك وغوغل، فيظهر شق جديد للسيادة، ليس سيادة الدولة على أراضيها، بل سيادتها على مواطنيها، وعلى المعلومات التي تتعلق بهم وتخصهم، فتبدأ مرحلة جديدة من السيادة هي السيادة المعلوماتية، والتي ترجح فيها كفة شركات تكنولوجيا المعلومات على كفة الدول خاصة الدول النامية.

إيهاب خليفة: الفضاء الإلكتروني عزز من التغيير الهيكلي لعملية صنع القرار داخل الدولة

ومن ناحية أخرى، لن تستطيع الدول أن تضبط حدودها أمام الموجة التكنولوجية القادمة. فبشكل كبير لن تستطيع الدول والأنظمة السياسية التي تسعى إلى عزل مواطنيها وتحصين حدودها سواء الجغرافية أو السياسية من مقاومة الموجة القادمة للتطورات التكنولوجية، مثل الصين وإيران وكوريا الشمالية، فإذا استطاعت هذه الدول أن تسجل المحادثات والاتصالات الصوتية والمرئية للأفراد، لاعتبارات أمنية أو غيرها، فكيف تستطيع تسجيل الأفكار التي تتم عبر التخاطر الشخصي مثلا، وأن تثبت أن هذه الفكرة هي لهذا الشخص، فالفكرة ليس لها بصمة صوت أو أصابع أو عين، كما أن التطورات القادمة الخاصة بتخزين وانتقال البيانات، فضلا عن تطوير سرعة تدفقها وتداولها عبر الإنترنت من شأنه إزعاج النظم السياسية الشمولية التي تسعى إلى حجب المعلومة عن المواطن، ومن ثمة فلن تصمد المجتمعات المغلقة في وجه الموجة القادمة من التكنولوجيا وسوف تنهار الجدران النارية أمام الكم الهائل من المعلومات، وتصبح ثقافة العولمة السائدة حاليا أكثر حدة وعنفا في تحقيق أهدافها ونشر مبادئها بما سوف تمتلكه في المستقبل القريب بفضل التكنولوجيا من أدوات أكثر تقدما وتطورا.

وفي ما يتعلق بتغيير شكل الحكومات وإعادة ترتيب الأوليات وتغيير طبيعة التهديدات، فإن التحديات التكنولوجية القادمة تفرض على الحكومات أن تطور من أسلوبها، وتغير من أشكالها، فسرعة الإنترنت العملاقة وحجم التخزين غير المسبوق، يضاف إلى ذلك صغر حجم أدوات التخزين، كلها عوامل ستجعل المعلومات أكثر انتشارا، وأصعب من حيث السيطرة عليها، وستصبح حركة الأفراد في السفر والانتقال أسرع وأسهل في نفس الوقت، وستتوافر الأدوات الذكية القابلة للارتداء والمتصلة بالإنترنت بصورة كبيرة بين الأفراد، فنصبح في عالم افتراضي كامل، يفرض على الحكومة أن تكون أكثر ذكاء في تقديم خدماتها للأفراد من خلال التكنولوجيا، وأن تسبق الأفراد في امتلاك أدوات التكنولوجيا الجديدة، حتى تكون قادرة على تنظيم استخدامها، وتلافي سلبياتها، وتقنين عملية تداولها، وأن تطوّر من أجهزتها الأمنية لكي تتعامل مع أنماط مختلفة من الجرائم، تكون فيها الأسلحة سهلة التصنيع من خلال أجهزة الكمبيوتر، وشديدة في التدمير من خلال وصولها إلى أكبر عدد من الأفراد، وأن تطور من عمليات التتبع العكسي للهجمات الإلكترونية بحيث تستطيع الوصول إلى الجاني قبل فراره، وأن تطور من تقنياتها بحيث تكتشف الجريمة عند وقوعها.

6