التقنيات الحديثة في المجتمعات العربية تنتهك خصوصية الأفراد وحرماتهم

الأحد 2015/04/05
دخلت الكاميرات منزل الأسرة العربية وأكثر الفضاءات خصوصية وحميمية كغرف النوم

القاهرة - المجتمعات العربية تعيش تحت وطأة الانبهار بعجائب التقنيات الحديثة وما تقدمه من خدمات تسهل حياة الإنسان، لكن هذا الانبهار وجهل التوظيف السليم لهذه التقنيات جعلها تؤدي وظيفة عكسية تؤثر سلبا على حياة المواطن العربي حتى داخل منزله.

مواكبة للتطور التقني الهائل حول العالم انتشرت في العالم العربي منتجات التقنيات الحديثة وأصبح العالم اليوم قرية بفضل الإنترنت وما تحمله من وسائل تواصل متعددة ومتنوعة وكذلك الهواتف المحمولة والكاميرات الخفية. ولا تغيب هذه الابتكارات التقنية عن الأسرة العربية ولا عن المؤسسات والفضاءات العامة والخاصة.

وتعد الكاميرات أكثر هذه الابتكارات إثارة للجدل داخل المجتمعات العربية فتتباين حولها المواقف فهناك من يرى أنها وسيلة للحماية والمراقبة إن داخل المنزل أو خارجه أو في المؤسسات العمومية كالمدارس والمستشفيات أو في الفضاءات التجارية. في المقابل يرى آخرون أنها وسيلة للتجسس على الآخر وأنها تنتهك حرمة المواطن وخصوصيته أينما حلّ، وهي بذلك باتت تشكل تعديا على الأعراف الأخلاق.

كاميرات التصوير الخفية ترصد حركات الإنسان العفوية منها والمقصودة وتصوره في كل حالاته حتى أكثرها خصوصية خاصة إن لم يتفطن الشخص لوجودها سواء في بيته أو في الفضاء العام.

وفيما يتعلق ببدايات ظهور الكاميرات في المجتمعات العربية يحدثنا محمد السيد أستاذ هندسة الاتصالات بجامعة عين شمس قائلا: إن الهدف الأوّلي من إدخال الكاميرات في مصر مثلا كان بادئ الأمر بأهداف أمنية عسكرية تتعلق بعمليات التأمين في المرافق الحيوية كالمطارات والموانئ وبيئات العمل والإنتاج المختلفة، وصولاً إلى مراقبة وضبط حركة السير والسلوك البشري في الفنادق وفي الشوارع التي تراقبها الكاميرات بعيونها المفتوحة ليل نهار، ثم تلك المثبتة في مداخل العقارات وعلى أوجه الشقق لتتبع حركة الداخل والخارج وتسجلها.

التصوير بكاميرات خفية في أماكن خاصة تذهب لها النساء مطمئنات للقيام بجلسات تزيين أو إزالة الشعر تعتبر جريمة جنائية لأن التصوير يتم بغير رضا الضحية

بعد ذلك انتقلت إلى المتاجر والمحلات الكبرى وفي طرقاتها وبين طوابقها، لكن سوء توظيفها انطلق مع دسها في غرف خلع الملابس والقياس وصالات وأندية المراكز الصحية الخاصة بالتخسيس وبالريجيم وحمامات السونا وغيرها وهو ما يقف وراء أولى انتهاكاتها لخصوصية الإنسان وتعديها على الأخلاق حيث يمكن أن تصور وتسجل الشخص عاريا وتتيح بذلك فرصة التجسس ومشاهدة الغير خُفية من قبل واضعيها خصوصا في هذه الأماكن التي يمكن أن نصفها بالحميمية إذ تتيح للإنسان التصرف بحرية وعفوية على أساس أنه وحيد وما من رقيب عليه.

ويتزامن هذا مع التطوير الذي حققه مبتكرو هذه الكاميرات فأصبحت صغيرة الحجم ويمكن تثبيتها في أيّ مكان وركن دون أن تظهر للعيان كما ظهرت الكاميرات المثبتة بولاعة السجائر والنظارة الشمسية والساعة والقلم ورابطة العنق، وهي ما يجعلها ذات قدرة فائقة في رصد أنفاس وأحاديث الشخص العفوية أينما كان.

ويرجع محدثنا هذا الانتشار اللامحدود للكاميرات لحالة الفراغ التشريعي الذي نعيشه في مصر، الأمر الذي جعل الإنسان يشعر بأنه محاصر منذ أن يصحو إلى أن يأوي إلى فراشه، بل يمكن القول منذ مولده وحتى وفاته، وفي هذا انتهاك صارخ للحق في الخصوصية واعتداء صريح على حرمات المواطنين، خاصة مع انتشار تداول هذه الأجهزة وتسريبها في الغالب بطرق غير مشروعة لتكون في متناول الجميع.

ويقول محمود علم الدين أستاذ تكنولوجيا الاتصال بكلية الإعلام جامعة القاهرة: المجتمع المصري لديه ولع حد الهوس بكل منجزات العلم وإفراز التكنولوجيا الحديثة لهذا ليس مستغرباً في دنيا الهواتف المحمولة أن يكون الشغل الشاغل لدى البعض التصوير والتسجيل الصوتي والفيديو.

المجتمع تفرغ لمراقبة نفسه والتجسس على الآخر بدلا من التفرغ للعمل والإنتاج، ووضع الكاميرات في الأماكن الخاصة بالنساء، ومراقبة سلوك الزوج أمر مستهجن وغريب

أما بشأن أجهزة التصنت المعروفة والمتداولة عالميا على نطاق كبير، فإن الأمر يتعلق بدوافع الاستخدام، وانتشار هذه الأجهزة في أوساط الجمهور العادي. غير أنه يُعد مؤشراً خطيراً على حالة انعدام الثقة أو الثقة المفقودة خاصة في محيط الأسرة والأبناء وبين الزوجين.

وبصورة عامة يمكن القول إن المجتمع تفرغ لمراقبة نفسه والتجسس على الآخر بدلاً من التفرغ للعمل والإنتاج. أما وضع الكاميرات في الأماكن الخاصة بالنساء، وكذلك مراقبة سلوك زوج أو زوجة فهذا أمر مستهجن وغريب وهو ما يثبت الوجه الآخر السلبي للتقنيات الحديثة المتمثل أساسا في سوء الاستخدام.

أما ماجي الحلواني أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة فأكدت أن هذه الأجهزة تمثل خطراً شديداً ويكفي أنها انتهاك للحياة الشخصية لأيّ مواطن لذلك أصدرت الكثير من دول العالم قوانين تجرم بعض سبل استخدام مثل هذه الأجهزة، إضافة إلى تجريم استخدامها في غير الأغراض التي خصصت لها أصلا.

من جهته يؤكد عبدالله الأشعل أستاذ القانون الدولي أنه على الدولة التي يروج بها المنتج أن تضع قوانين صارمة تمنع انتهاك خصوصيات الأفراد بهذه الأجهزة لأن السوق الإلكترونية تشهد على الدوام أجهزة أكثر دقة وأكثر خطورة، لذلك من الواجب العمل على القوانين الخاصة بمعاقبة القائمين بانتهاك خصوصية المواطن واعتبارها بمثابة الجرائم التي تمثل خطراً داخليا وخارجياً.

فأيّ تصوير بكاميرات خفية في أماكن خاصة تذهب لها النساء مطمئنات للقيام بجلسات تزيين أو إزالة الشعر تعتبر جريمة، لأن التصوير يتم بغير رضا الضحية، وهذه الجريمة جنائية، ولو تمت بمعرفة الشخص ورضاه تُعتبر جنحة تعاقب عليها القوانين. كما يجب تشديد العقوبة في نشر ما تم تصويره بكاميرات خفية، بعد أن استشرت هذه الظاهرة في المجتمع.

21