التكتل وتنمية القدرات الذاتية هدف الخليجيين في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي

تحول الاتفاق النووي الإيراني إلى أمر واقع، لا يعني تغير موقف دول الخليج الأصلي منه والقائم على التوجّس من تبعاته. كما أن تطمينات الولايات المتحدة لا تعني ارتياح الخليجيين لها بشكل كامل وانقطاعهم عن العمل على إيجاد بدائل موثوقة لمواجهة متطلبات مرحلة ما بعد الاتفاق.
السبت 2015/09/12
دول الخليج بدأت من اليمن عملية تطهير محيطها من النفوذ الإيراني

واشنطن - يؤكّد خبراء في الشؤون الخليجية أنّ كلّ الجهود الأميركية لإقناع قادة دول مجلس التعاون بجدوى الاتفاق النووي مع إيران وتطميناتها لهم باتخاذ إجراءات عملية لتأمين منطقتهم ضد التهديدات الإيرانية، لم تنجح في تبديد هواجس الخليجيين بشأن الاتفاق وما يمكن أن تكون له من نتائج عكسية على استقرار المنطقة وأمنها.

ويرى هؤلاء أن ما أعلنته دول خليجية من لين في مواقفها من الاتفاق، لا يعدو كونه خطوة إجرائية لا تلغي الموقف الحقيقي السلبي منه. كما لا تعني تخلي تلك الدول عن التفكير بطرق ووسائل مواجهة الوضع الجديد الناجم عن الاتفاق مع التركيز على تنمية القدرات الذاتية والعمل الجماعي الخليجي.

وكان من أحدث المواقف المعبّرة عن عدم اقتناع الخليجيين بفاعلية الاتفاق بشأن النووي الإيراني قول وزير الخارجية البحريني لصحيفة لوفيغارو الفرنسية “إنّ هذا الاتفاق لن يؤمّن الاستقرار لأنّه لا يتناول سوى النووي”، موضحا “منذ توقيع الاتفاق لم يتغير الدعم الإيراني للإرهاب”.

ورغم تلك الهواجس لم ترفض دول الخليج عروض الولايات المتحدة بانخراطها بشكل أكبر في حماية المنطقة من التهديدات الإيرانية، وخصوصا مقترحاتها المتعلّقة بالدرع الصاروخية، على أساس أنّ ما تمتلكه إيران من صواريخ مختلفة المديات يشكل التهديد الأوضح لجيرانها في الوقت الراهن.

غير أن المؤكّد وفق تحليلات خبراء الشؤون الأمنية، أن دول الخليج لم تعد بوارد الاكتفاء بما تعرضه الولايات المتحدة، وأنّ تلك الدول بصدد تأسيس عقيدة دفاعية تقوم من ناحية على تطوير القدرات الذاتية في الدفاع عن المجال بتطوير جيوشها تدريبا وتسليحا، واستخدام قوّتها المالية في جلب أحدث المعدات والتكنولوجيات من مصادر متعدّدة.

كما تعمل دول الخليج من جهة ثانية على تطوير عملها المشترك في المجال الدفاعي ومواجهة الأخطار ككتلة موحّدة، حيث تبدو الحرب في اليمن درسا عمليا واختبارا واقعيا لما تستطيع دول الخليج فعله بشكل جماعي في مواجهة التهديدات، خصوصا أن المواجهة في اليمن هي بمثابة مواجهة مع إيران وإن كانت تخوضها جماعة الحوثي بالوكالة عنها.

وبالتوازي مع كلّ ذلك لا تبدو دول الخليج مستعدة للتخلي بشكل مفاجئ على تحالفها المتين مع الولايات المتحدة والذي انبنى على مدار عقود من الزمن.

ويقول مسؤولون سابقون وحاليون بالجيش الأميركي إن الولايات المتحدة ستواصل العمل في نظام الدفاع الصاروخي الإقليمي بمنطقة الخليج برغم التقدم بشأن اتفاق إيران النووي.

كينيث تودوروف: أكبر خطأ هو التخلي عن حيطتنا بعد الاتفاق النووي مع إيران

وحذروا من أن طهران تمتلك أكبر مخزون من صواريخ كروز القصيرة ومتوسطة المدى والصواريخ الباليستية في المنطقة.

وجاءت هذه التصريحات في الوقت الذي فشل فيه مسعى يدعمه الجمهوريون إلى تعطيل الاتفاق النووي الإيراني في مجلس الشيوخ الأميركي الأمر الذي عدّ نصرا كبيرا للرئيس باراك أوباما يمهد الطريق أمام تنفيذ الاتفاق.

وقال روبرت شير مساعد وزير الدفاع للاستراتيجية والخطط والقدرات للمشرّعين إن وزارة الدفاع الأميركية، البنتاغون، ستواصل الضغط من أجل برامج دفاع صاروخية جماعية لأن الاتفاق النووي لا يشمل أنشطة إيران المتعلقة بالصواريخ الباليستية.

وقال أمام اللجنة الفرعية للقوات الاستراتيجية التابعة للجنة القوات المسلحة بمجلس النواب “ما من شك لديّ في أن أنشطة الصواريخ الباليستية الإيرانية تمثل خطرا على الولايات المتحدة وعلى حلفائنا وشركائنا”.

وقال البريغادير جنرال كينيث تودوروف الذي استقال منذ أسابيع من منصبه كنائب لمدير وكالة الدفاع الصاروخية الأميركية إنه يرى حركة دفع قوية لنشر درع صاروخية في الخليج. واعتبر في مؤتمر استضافه تحالف الدفاع الصاروخي وهو منظمة غير ربحية تروّج لبرامج الدفاع الصاروخية أن “أكبر خطأ يمكن أن يحدث هو أن نقول في حالة تحقق الاتفاق النووي الإيراني يمكن أن نتخلّى عن حيطتنا”.

وخلال قمة عقدت في مايو الماضي أكد أوباما وقادة دول مجلس التعاون الخليجي الست المتحالفة مع بلاده التزامهم ببناء النظام الدفاعي بينما كانت واشنطن تحاول تهدئة قلق حلفائها الخليجيين من أن تزداد إيران قوة بعد أن ترفع عنها العقوبات الدولية التجارية والمالية.

وصرّح تودوروف بأن بناء نظام متكامل حقا يتطلب مزيدا من التعاون بين دول الخليج العربية وعملا شاقا للتنسيق وتكامل الأنظمة الموجودة بالفعل في المنطقة.

والهدف الممكن تطبيقه، وفق خبراء شؤون الدفاع، هو تحقيق تكامل بين أنظمة الإنذار المبكر الصاروخية التي تستخدمها بالفعل بعض الدول.

وقال مايكل ترونولون المدير السابق للقيادة المركزية المتكاملة لمركز التميز للدفاع الجوي والصاروخي إن من اللازم أن يتبادل المسؤولون الأميركيون وحلفاؤهم في الخليج المعلومات عن المخاطر المحتملة قائلا إن التقدم في الأمن الالكتروني يقلص من المخاطر التي ينطوي عليها ذلك.

وأضاف أن العقبة الكبرى ليست التكنولوجيا بل الحواجز السياسية التي حالت دون بذل مزيد من الجهود الجماعية.

وقال ترونولون الذي يعمل الآن في شركة ريثيون الأميركية لصناعة الأسلحة “الربط بين كل هذه المجسات سيزيد من إمكانياتنا بقوة”. وذكر أن الدرع الصاروخية الخليجية ستحتاج أيضا بناء مستودع في المنطقة تخزن فيه قطع الغيار لأن إصلاح الصواريخ المتضررة يستغرق حاليا ما بين عام وعامين لأنها ترسل كلها إلى الولايات المتحدة.

ودعا إلى المزيد من التدريبات الجماعية بين الدول وقال إن أولوية التركيز ليست على شراء أنظمة سلاح جديدة بل اتخاذ خطوات لإزالة الحواجز وتحقيق تعاون أفضل بين دول مجلس التعاون الخليجي.

وأضاف أن “سقوط 60 جنديا إماراتيا وسعوديا وبحرينيا مؤخرا في حرب اليمن سيساعد على تعزيز العلاقات بين دول الخليج التي لا تتطابق دوما مع وجهات نظرها”، بدليل انخراط قطر بشكل ميداني في الحرب من خلال إرسال حوالي ألف من جنودها إلى داخل الأراضي اليمنية وهي المعروفة عادة باختلاف مواقفها عن باقي مواقف دول الخليج في عدة قضايا.

3