"التكتونيكيون"..عيش في قلب الأجواء الصاخبة

الاثنين 2013/11/04
"التكتونيك" من حركة فنية إلى علامة تجارية مسجلة

ما من إنسان على وجه الأرض إلاّ ويعرف الرقص بشكل من الأشكال. فهو الهبة الغامضة التي تريح النفس، وتروّض العقل، وتبعث في الجسد نوعا من الاسترخاء، ذلك لأن الرقص هو نوع من تفريغ الشحنات السلبية التي تحرِّر الجسد من عُقَده وكوابحه اليومية الناجمة عن إرث متراكم من القيم والتقاليد البالية، التي تقف في معظم الأحوال ضدّ حرية الجسد مُحاولة أسْرَهُ وتقنينه بما يتوافق مع منظومة القيم والأعراف الاجتماعية المُشار إليها سلفا.

إذا كان الأمر كذلك في ما يتعلق بأنماط الرقص المتعارف عليها، فكيف الحال بـ"التكتونيك" "Tecktonik" الذي تجاوز كل أشكال الرقــص التقليـدية وغيـر التقليدية؟ فهذا النوع من الرقص هو خليط من "الهيب هوب" و"التكنو" ومختلف أنماط الرقص السريعة جدا، التي يبدو فيها الراقص أو الراقصة وكأنه "روبوت" كهربائي يتجاوز حدود القدرات البشرية المتعارف عليها.

يعتمد هذا الرقص "الكهربائي" إن صحّ التعبير على استعمال كل أعضاء الجسد التي يبدو وكأنها تتحرك في آن واحد.

ففي السابق كان الإنسان يحرك بضعة أعضاء في الرقصة الواحدة، أما الآن فما من عضو مهمل في جسد الراقص "التكتونيكي"، بل إنه قد لا يكتفي بحركة هذه الأعضاء كلها، وإنما يعتمد على الشقلبة وبعض الحركات البهلوانية التي تثير دهشة المتلقين الذين يجدون أنفسهم على مبعدة أميال من هذه المواهب الجسدية التي تقترب في أدائها من المعجزات التي تقتصر على نفر محدود من البشر.


رقص أفعواني


يرتبط مصطلح "التكتونيك" باسم سيرل بلان، المدير الفني لنادي متروبوليس بباريس، إذ لوحظ هذا النمط الجديد من الرقص أول مرة عام 2002، وأحدث صدمة كبيرة لدى الناس الذين لم يعتادوا هذا الرقص الغريب، والشاذ، واللافت للانتباه في آن واحد، لكنه لا يخلو، في الوقت ذاته، من لمسات فنية تثير الدهشة والإعجاب بين أوان وآخر. ولعل أغرب ما في هذا الرقص "التكتونيكي" هو التزامن في حركات الأرجل والأيدي والرأس وبعض أجزاء الجسد المطواع، الذي تشعر بليونته ومطاطيته اللتين تستجيبان لأية حركة أفعوانية رشيقة تحبس أنفاس الناظرين، الذين يتلّقون هذا النمط الغريب والصادم، الذي ولد في العشر سنوات الأخيرة على وجه التحديد. مُزيحا العديد من الأنماط التي كانت سائدة قبل هذا التاريخ. ولكي يحافظ أصحاب البراءات على اكتشافاتهم الحديثة فلا بد من تعزيزها بعلامات تجارية تُحيل إليهم، مثل صناعة ملابس ومشروبات وأقراص مُدمجة خاصة بهم، آخذين بنظر الاعتبار أن الراقصين "التكتونيكيين" يرتدون سراويل و"تي شيرات" ضيقة، وبعض القفازات الخاطفة للأبصار. إذا كان معدل "التكنو" يتراوح بين 120 إلى 150 ضربة في الدقيقة الواحدة، فما بالك بـ"التكتونيك" الأكثر سرعة ودفقا وإيقاعا. لا شك في أن جُل جمهور "التكتونيك" هو من الشباب الميالين للصرعات والموضات الحديثة الذين لا يفضلون العيش في الماضي حتى وإن كان هذا الماضي جميلا، ومدهشا، وعامرا بالإبداع. ويبدو أن صخب الحياة اليومية المعاصرة هو الذي يدفعهم إلى الاطمئنان لهذه الأجواء الصاخبة التي تقترب في كثير من الأحيان إلى فضاءات التعذيب في السجون سيئة الصيت والسمعة. فبعض الجيوش المحتلة تضع السجناء تحت تأثرات الموسيقى المعدنية المدمرة للأعصاب، حيث ينهار السجين بعد نصف ساعة من السماع القسري لهذا النمط المتسارع الذي يمزق الآذان، ويؤدي في معظم الحالات إلى الانهيارات النفسية.


رفض السائد


تستعمل هذه الموسيقى "التكتونيكية" في "البارات" وصالات الرقص والحفلات الخاصة والعامة، ويزداد تأثيرها كلما كان المكان ضيقا، لكن تنفيذها في الأمكنة المفتوحة والحدائق يقلل من التوتر العصبي، لأن هذه الأصوات الأليكترونية تتبدد في المناطق الواسعة المفتوحة. ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هنا هو: هل يمكن لهذا النمط الموسيقي برقصاته المعهودة أن يعيش ويصمد أمام تقادم السنوات؟ أم إنه سوف ينتكس أسوة بالأنماط السابقة التي وُلدت كأشكال تجريبية عابرة لا غير؟ لا أحد يستطيع التنبؤ بما تخبئه السنوات القادمة، ولكننا نستطيع أن نستدل من الظواهر الموسيقية السابقة، بأن ما يبعث على الغرابة والدهشة والمتعة سيظل راسخا في الأذهان، أما الأشياء العابرة فإنها ستجد طريقها إلى الزوال لأنها لا تمتلك اشتراطات البقاء والصمود بوجه المتغيرات الكثيرة التي تجتاحنا كل يوم. هم أبناء الثورة الإليكترونية التي حوّلت العالم فعلا إلى قرية صناعية لها سماتها الخاصة بها، وربما يكون الرقص والغناء والموسيقى هي العلامات الفارقة لهذا الجيل "التكتونيكي" الذي يجد سعادته في قلب هذا الصخب الذي لا يطيقه كبار السن أو الذين تربوا على أجواء هادئة لا يطيقها الأبناء الذين خرجوا من رحم الثورة الإليكترونية الجارفة.

16