التكفيريون يخترقون المؤسسات التربوية والتعليمية

منظّرو الإسلام السياسي وقادة الحركات التكفيرية يدركون مدى أهمية المؤسسات التربوية والتعليمية في التسويق لمشروعهم المبني على تقويض كل بارقة أمل من شأنها أن تشعل شمعة في الظلام وتؤسس لفكر تنويري ينتصر لقيم الحرية والتقدم.
الأربعاء 2016/05/25
تلويث الحرم الجامعي بالعقيدة التكفيرية

تونس - يترصّد الإسلاميون أجيال الغد في الجامعات والمدارس وحتى رياض الأطفال، وينصبون لها الفخاخ قصد الانقضاض عليها وفق خطط مدروسة وأساليب ماكرة وملتوية، تبدأ من تجنيد كوادر تدريس، وقع استقطابها عبر اختراق المؤسسات المعنيّة ووزارات الإشراف وهيئات التوظيف، وتنتهي ببعث مؤسسات تعليمية وتربوية موازية ومنافسة لتلك التابعة للدولة بواسطة أموال تضخّ من الداخل والخارج، ممّا يسهّل شراء الذمم، عبر استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة لرجال التعليم في بلاد عربية كثيرة مثل مصر وتونس وغيرهما.

وتختلف أساليب اختراق العقل التكفيري للمؤسسات التربوية والتعليمية من دولة عربية إلى أخرى، بحسب المناخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي السائد، وكذلك النظم والقوانين الضابطة لكل بلد في إدارة ورعاية مؤسساته، دون إغفال خياراته السياسية والتربوية، ومدى فاعليّة احتياطاته ودرجة حصانة منظومته التربوية والتعليمية.

الحواضن والجيوب التي أرساها الإخوانيون في أروقة وكواليس الجامعات بدأت تعطي مفعولها وتلقي بسمومها في رسم المناهج والنظم التربوية وأيضا في تعيين الجسم التدريسي وفق خارطة تمدّد نجحت في الخمود والتستّر والتمويه لسنوات طويلة، وبقيت حيّة تسعى وتضع بيوضها خلف المكاتب ودوائر القرار ولجان اختيار المناهج والمقرّرات التدريسيّة.

ويظهر كل ما تقدّم ويتجلّى في مصر وتونس، بعد ربيع يحلو لبعضهم توصيفه بالمتعثّر أو غير المكتمل، ومهما يكن من أمر فإنّ الإخوانيين الذين لم تلمحهم جحافل المحتجين في شوارع المدن المصرية والتونسية في يناير 2011، قد ظهروا في ما بعد ـ وبشكل لافت ـ على مدرّجات الجامعات وفي مكاتب وزاراتي التربية والتعليم وفي المنابر الإعلامية وحلقات النقاش التي تتناول سبل تطوير المناهج التربوية والتعليمية، وهم يزمجرون ويتوعّدون الكفّار والمارقين والطامسين لهويّة المجتمع.

وكان الإكثار من حديثهم عن الهوية الإسلامية وإعادة إحياء أصول الدين وردّ الاعتبار للعقيدة، يوحي وكأنّ الشعبين المصري والتونسي كانا غارقين في الضلال والكفر، وأنّ الاحتجاجات لم تقم إلاّ في سبيل هداية المجتمع وأسلمته.

الحواضن التي أرساها الإخوانيون في أروقة الجامعات، بدأت تعطي مفعولها وتلقي بسمومها في رسم المناهج والنظم التربوية
هذا المجتمع الذي في حقيقته قد انتفض ـ وكما يعرف القاصي والداني ـ لأجل كرامته والمطالبة بعيش يليق بتاريخه ومساهمته في الحضارة البشرية، كما أننا لم نلـمح رايات سوداء وشعارات تكفيرية في ميدان التحرير القاهري أو شارع بورقيبة التونسي، والذي مازالت الذاكرة تحفظ له صور تلك الأفواج الغاضبة من شباب وفتيات مدجّجين بكل مفردات الحداثة والانتماء للعصر في الشعار والملبس والسلوك المنفتح على الحضارة الحديثة.

وسارع الإسلاميون إلى محاولة الانقضاض على الجامعات وبقية المؤسسات التربوية والتعليميّة لترويج خطابهم التكفيري كما يسارع الانقلابيون عادة في بلدان العالم الثالث إلى مبنى الإذاعة الرسمية لقراءة بيانهم الأول.

وكان أحد السلفيين قد أقدم على إزالة وتمزيق العلم الوطني ليثبّت محلّه الراية التكفيريّة على باب مبنى كلية الآداب بمنوبة في تونس في العام 2013 حين كانت حركة النهضة تتزعّم الائتلاف الحاكم، معلنا “بدء الجهاد على الشعب الكافر” في تلك الحادثة المعروفة، والتي تصدّت له فيها إحدى الطالبات بشجاعة لافتة تعرّضت إثرها إلى الاعتداء من طرف جماعته الملثّمين من الدخلاء على الجامعة، وكان لعميد الكليّة حبيب الكزدغلي، المعروف بكتاباته في الحوار بين الأديان وجدوى التسامح، موقف حاسم في حماية الحرم الجامعي من الزحف السلفي والتكفيري وشدّد على رمزيّة العلم التي وضعت على الميزان فكرة المواطنة في مواجهة الأوهام العابرة للحدود، وقد حاولت حركة النهضة تبسيط الموضوع وتمريره على لسان أحد قيادييها الذي يشغل في الوقت نفسه وزارة التربية والتعليم بقوله “يجب عدم تهويل الحادثة وتضخيمها خلال الفترة الحرجة التي تمر بها البلاد”.

ويذكر أنّ هذه الجماعات كانت تعمد في كل مرّة إلى شل وتعطيل السير العادي للمؤسسات التربوية، كلّما ارتفعت أصوات تدعو إلى ضرورة صدّها وردعها بالقانون عن هذه العربدة السياسية والسلوك الإرهابي التكفيري.

وشهدت مصر أعمالا مشابهة، بل وأكثر عنفا وسفورا في محاولات الجماعات الإخوانية التغلغل وسط المنظومة التربوية والتعليميّة، حتى كادت هذه الأماكن أن تصبح مجالهم الحيوي وفضاءهم الشرعي لإعلان دولة الخلافة وبدء الحرب على كل من يخالفهم العقيدة التكفيرية.

أساتذة في الجزائر اقتحموا الأقسام بثقافة زرع الرعب والترهيب وسط التلاميذ وردعهم بالضرب المبرح، خاصة على مستوى المؤسسات الابتدائية

وفي الجزائر تحدثت أخبار بالتوازي عن أساتذة اقتحموا الأقسام بثقافة زرع الرعب والترهيب وسط التلاميذ وردعهم بالضرب المبرح، خاصة على مستوى المؤسسات الابتدائية، كما تحدثت عن أساتذة آخرين يرفضون الالتزام بالنظام الداخلي للمؤسسة التربوية، ومنهم من يدرّسون بشهادات مشكوك في صحتها، وقد أكدت التقارير أنهم يرفضون رفع وإنزال العلم الوطني بحجة أن فكرهم السلفي لا يعترف بالعلم.

وفي الإمارات كثّف الإسلاميون من نشاطاتهم منذ ثمانينات القرن الماضي وحاولوا التأثير والتغلغل في أروقة الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية عبر مجلة “الإصلاح” التي يديرها ويشرف عليها الإخوان المسلمون، وتعود جذور بداية نشاطهم إلى مجيء بعض المعلمين المصريين الإخوانيين من مصر لممارسة التعليم في الدولة وأثّروا على بعض الطلاب، وفي الوقت نفسه تأثر بعض الطلبة الإماراتيين الذين كانوا يدرسون في مصر بتنظيم الإخوان المسلمين، الذي ركز عليهم كثيرا لكونهم من أوائل الشخصيات الإماراتية الأكاديمية، مما يؤهلهم لمسك مناصب قيادية في الدولة.

وفي إطار محاربة الإرهاب، لم تكتف الإمارات بموقفها المباشر الحاد والصريح ضد جماعة الإخوان المسلمين في الداخل والخارج بعد كشف أمرها، لكنها دعت الدول الخليجية إلى تكوين اتحاد خليجي يقف ضد ما يروجونه من عقيدة تكفيرية ومنعهم من التآمر، وتعود بوادر هذا التعاون منذ إعلان الإمارات القبض على خلية إرهابية بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية في 2012، حيث تمكّنت السلطات وقتها من إلقاء القبض على أحد أفراد الخلية الإماراتيين على أراضيها وسُلم لاحقا إلى الجهات الإماراتية، مؤكدة أن هذا العضو ينتمي إلى تنظيم ما يسمّى بدعوة الإصلاح.

وكان ضاحي خلفان، القائد العام لشرطة دبي، وخلال مؤتمر "الأمن الوطني والأمن الإقليمي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.. رؤية من الداخل”، الذي نظمه مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة في 2012 قد قال "اسمحوا لي أن أنأى بعيدا عن الدبلوماسية. أنا رجل أمن، والإخوان المسلمون يشكّلون خطرا على أمن الخليج بنفس الدرجة التي تشكّلها إيران".

13