التكفيريون يستهدفون التجربة الديمقراطية الناشئة في تونس

الأربعاء 2015/01/07
عوامل عديدة أدت إلى انتشار ظاهرة التطرف لدى الشباب التونسي ليتم تجنيدهم لصالح الجماعات الإرهابية

تونس - استهداف رجال الأمن والجيش التونسي، بشكل متواتر خاصة في الفترة الأخيرة، مثّل مصدر بحث مستمر لدوائر القرار العسكري والأمني والسياسي في تونس. فبعد جريمة الذبح الأخيرة التي استهدفت أمنيا على يد أحد العناصر التكفيرية، أصبحت تهديدات عناصر “داعش” التي تم بثها من سوريا في أكثر من مرة أمرا واقعيا تثبته الأحداث.

ولكن الأمر بالنسبة إلى المراقبين يتجاوز مجرد جرائم القتل والاغتيال والتهديدات نحو طرح أسئلة أكثر إلحاحا حول سر انتشار التيار التكفيري المتطرف في تونس التي عُرفت تاريخيا بنبذها لكل أنواع التطرف خاصة الإسلامي منه.

بدأت بوادر الاستهداف الأمني لتونس في وقت مبكر بالنسبة لما حدث في سنة 2011 والمتمثل في الانتفاضة العارمة التي جابت البلاد ودفعت الرئيس السابق بن علي إلى الهروب، فقد مثلت أحداث سليمان (شرق العاصمة تونس) سنة 2006 الصدمة الحقيقية الأولى للتونسيين في وجود عناصر تنتمي إلى تنظيم القاعدة وتقوم فعلا بجرائم إرهابية تستهدف الدولة، خاصة وحدات الجيش والشرطة والحرس ومختلف القطاعات الأمنية تحت شعار ما يسمونه “محاربة الطاغوت”.

ويعني مفهوم الطاغوت لدى التيارات التكفيرية (وحتى الإخوان المسلمين أحيانا يستعملونه) “الحاكم الذي غلا في الكفر”، ويعتبر هذا المفهوم من أهم ركائز الخطاب التكفيري للجماعات الإسلامية عموما وخاصة المتطرفة المسلحة منها، لذلك سميت بالتكفيرية.

وبقطع النظر عن كيفية معالجة النظام السابق لمعضلة الإرهاب التي كانت تؤرق الأجهزة الأمنية، خاصة أن الاقتصاد التونسي يعتبر اقتصادا حساسا في ظل وجود مشاكل إرهابية نظرا لقيامه على قطاع الخدمات (خاصة السياحة)، فإن أسباب انتشار التكفيريين في تونس وتواتر العمليات الإرهابية في أكثر من مكان على الخارطة التونسية يعود إلى هشاشة المؤسسة الأمنية بعد حلّ أجهزتها الحساسة التي كانت معنية بمكافحة الإسلاميين بشكل عام وخاصة الجماعات المتطرفة، وهو الأمر الذي استغلته الخلايا النائمة في تونس لتخرج إلى النور وتبدأ نشاط التعبئة واستغلال المساجد ونشر الخطاب التكفيري المتطرف ضد الدولة والمدنيين، وتكفير السياسيين، بل واغتيال عناصر منهم (اعترفت مجموعة تونسية تنشط في ما يمسى بالدولة الإسلامية في تسجيل تم بثه من سوريا أنها المسؤولة عن اغتيال المعارض اليساري شكري بالعيد وعضو المجلس التأسيسي العروبي محمد البراهمي).

تنظيم القاعدة يدرك أن نجاح الانتقال الديمقراطي في تونس سوف ينسف "مشروعية" وجوده لذلك كثف نشاطه الإرهابي

وفي سياق أوسع من الأسباب الأمنية التي أدت إلى انتشار ظاهرة التطرف الإسلامي والجماعات التكفيرية (وهي أعنف جماعات الإسلام السياسي)، فإن الحسابات السياسية الضيّقة التي يحملها تنظيم القاعدة، الذي لا يريد للتجربة الديمقراطية في تونس أن تكون ناجحة، حيث أراد أن يجهض تلك التجربة ويحتويها في سياق ما يسميه “الخلافة الإسلامية”. حيث لم تكن الأنظمة السياسية الإقليمية (خاصة الإسلامية منها كتركيا وإيران) هي التي تريد أن تهيمن على النموذج التونسي، بل إن تنظيم القاعدة هو الآخر يريد أن تكون تونس “نموذجا” لما يعتبره خلافة باستغلال هشاشة الدولة بُعيد هروب رأس النظام.

كما تشمل أسباب تنامي ظاهرة الإرهاب في تونس، حسب مراقبين للأوضاع، عدم وجود رقابة قضائية كافية على مواقع التواصل الاجتماعي والتي عرفت الخلايا التابعة لتنظيم القاعدة في تونس كيفية استغلالها بشكل فعال للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور لبث سموم الخطاب المتطرف الداعي إلى القتل في صفوفه (خاصة الشباب منه)، فضلا عن إدراك تنظيم القاعدة إمكانية نسف مشروعه بعد اعتلاء النهضة سدة الحكم في تونس.

والسؤال الذي يطرح في هذا السياق، لماذا أراد تنظيم القاعدة (أو المجموعات الرديفة له مثل أنصار الشريعة) استهداف تجربة الترويكا التي كانت النهضة أبرز عناوينها السياسية رغم أنها إسلامية؟. وحسب مراقبين فإن وجود أي طرف إسلامي في السلطة سوف ينزع المشروعية على الحركات التكفيرية في الانتشار وإيجاد مبررات للتواجد والقيام بأعمال إرهابية تستهدف الدولة بهدف إسقاطها، ناهيك عن تحليلات متواترة من العديد من الخبراء والمطلعين تفيد أن أجنحة حركة النهضة الإسلامية المتشددة كانت على علاقة بشكل أو بآخر بأطراف إرهابية تنتمي إلى تنظيم أنصار الشريعة التابع لتنظيم القاعدة (تنظيم محظور في تونس) وكانت تتستر على بعض تحركاته بين تونس وليبيا.

تجربة التغيير السلمي الناتج عن رغبة شعبية إذا أثبتت نجاحها في تحقيق ذلك بواسطة الطرق السلمية دون استعمال للقوة أو الأسلحة، فسوف يكون من شأنه أن ينسف المشروع المسلح للقاعدة، رغم أن جميع حركات الإسلام السياسي تضمر التوجه نحو الخلافة الإسلامية ولكن بطرق مختلفة بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين التي تمثل حركة النهضة الإسلامية التونسية جزءا من تنظيمها الدولي بشكل أو بآخر.

المجموعات الإسلامية المتطرفة تستغل هشاشة الأجهزة الأمنية لتنتشر في صفوف الشباب عبر وسائل الاتصال الافتراضي

وعن فرضيات تمويل وتبني تلك الجماعات الإرهابية، خاصة من ناحية التسليح وتوفير الدعم اللوجستي والمؤن (وذلك في إشارة إلى المسلحين المتطرفين في جبل الشعانبي غرب البلاد)، فإن عديد الآراء تتجه نحو فرضيات ثلاث تدور حول الوظيفة المراد تحقيقها من خلال تلك الجماعات المتطرفة.

فالفرضية الأولى تقر بأن تلك الجماعات تقوم بتمويل ودعم ذاتي من داخل أفرادها وعناصرها، من أجل الوصول إلى مستوى معين من التسلح والانتشار يمكّنها من إعلان الحرب على الدولة والمدنيين على حد السواء، كما يحدث ذلك في مناطق الشرق العربي. أما الفرضية الثانية فتقول إن الذين أمسكوا بالحكم أثناء تجربة “الترويكا” يستخدمونها (الجماعات) كسلاح للقضاء على خصومهم في المعارضة، خاصة أن العديد من التحقيقات في الصحف المحلية بتونس كانت قد كشفت ارتباطات بين قيادات من حركة النهضة وعناصر إسلامية تكفيرية لا زالت قيد التحقيق القضائي.

الفرضية الثالثة مردها أن التجربة الإقليمية أثبتت أن المجموعات التكفيرية في بعض الأقطار حظيت بدعم مباشر أو غير مباشر من قوى إقليمية تريد الإبقاء على حالة الصراع المسلح كما هي، وذلك بتقديم المال وتوفير السلاح وقواعد التدريب للحصول على قوة لها خصائص الميليشيا تتحرك بمرونة وتحظى بغطاء ديني يروّج لخطاب عنيف للوصول إلى السلطة أو للحفاظ على حالة الرعب التي سكنت فئات واسعة من المواطنين العرب من مختلف الأديان.

13