التكفير عمود بناء الإسلام الحركي ومبرر لجرائمه

بساطة وسهولة استنباط آليات جرائم القتل الدينية تعدان أهم مدخل لانتشار الإرهاب والنزعة المتوحشة للجماعات الإسلامية المسلحة، فالبساطة تعتبر أداة فعالة لاستقطاب عناصر جديدة لتغذية هذه التنظيمات. إذ لا يوجد أسهل من تكفير شخصية أو مجموعة ما ليتم القضاء عليها باسم الدين، وهذا ما أوضحه الباحث في الجماعات الإسلامية ناجح إبراهيم في ندوة له بمكتبة الإسكندرية.
الأربعاء 2016/01/06
هكذا يفكرون

تساؤلات وتصحيحات محورية تلك التي حاول المفكر الإسلامي ناجح إبراهيم طرحها وسعى إلى توضيحها في دراسته “التكفير والتفجير: رؤية نظرية ودراسة عملية على دواعش سيناء” التي تشارك بها خلال مؤتمر “صناعة التطرف قراءة في تدابير المواجهة الفكرية” الذي نظمته مكتبة الإسكندرية مؤخرا. حيث واجه الكثير من القياسات والتفسيرات المضللة التي يستند عليها تنظيم داعش، منطلقا من مقولة “إذا كان الفكر صحيحا سليما أنتج مردودا إيجابيا صالحا ومصلحا، والعكس صحيح، وليس هناك فكر على وجه الأرض لا مردود له في الواقع العملي”. مؤكدا أن التكفير لا بد له من مردود عملي يتبعه وهو “التفجير” سواء تم ذلك مباشرة أو بعد حين، ولم يحدث في وقت من الأوقات في تاريخ المسلمين كله أن اعتنقت مجموعة أو جماعة أو فصيل فكر التكفير دون أن تقتل من تكفرّهم.

وتساءل إبراهيم في محاضرته، لماذا ارتبط التكفير بالعنف والقتل؟ فما سر العلاقة بينهما؟ مجيبا أن “السر في ذلك أن التكفير قتل معنوي للمسلم بإخراجه عن دينه، والتفجير هو القتل المادي الذي يخرجه عن الحياة، والخوارج عندما كفّروا عليا قتلوه، وجماعة شكري مصطفى كانت تكفر العلماء خاصة والمسلمين عامة، وأنصار بيت المقدس تكفر الشرطة والجيش المصري وهي تفجرهما في الكمائن والمديريات وتقيم لهما المذابح مثل مذبحتي رفح الأولى والثانية والفرافرة الأولى والثانية وتفجيرات مديرية أمن القاهرة والقليوبية وغيرهما”.

التنظيمات الجهادية تعتمد منهج جنكيز خان في قتل كل من يخالف معتقده الذي لفه بطابع ديني مقدس

وأوضح إبراهيم أن مشكلة التكفيريين تكمن في عقولهم وفي سوء فهمهم للنص الشرعي، فبعضهم غني لا ينقصه المال، وبعضهم لديه وظيفة مرموقة، وبعضهم قد يصلي أو يصوم أكثر من غيره، ولم يكن الخوارج قديما تنقصهم العبادة فقد كانوا صواما قواما قراء للقرآن، ولكن صيامهم وقيامهم لم ينفعهم لأن مشكلتهم ليست في إنكار النص مثل القرآن والسنة، ولكن مشكلتهم في سوء فهمه وتأويله تأويلا فاسدا.

وشرح إبراهيم العقل التكفيري في عدد من النقاط أولها أن هذا العقل يعد سطحيا بامتياز، فكل خلاف بينه وبين الآخرين في أمر الدين هو خلاف في العقيدة، أي هو كفر أو إيمان، وهو مفاصلة عقائدية، ينتج عنها أن يكون أحد الفريقين مؤمنا والآخر كافرا. وهل يمكن أن تتحول الخلافات السياسية أو الفقهية أو الأدبية أو الإدارية أو الاجتماعية إلى خلافات عقائدية؟ والأدهى أن يصبح أحد الفريقين كافرا بعد أن كان مسلما. وثانيا أن العقل التكفيري يستكثر رحمة الله بخلقه. ومن زاوية ثالثة، فإن العقل التكفيري ينتمي إلى من قال الرسول محمد عنهم “من قال هلك الناس فهو أهلكهم”. فهم لا يعجبهم أحد، يكفّرون الحاكم وأعوانه، والشرطة والجيش، ويكفرون البرلمان أيضا، ويكفرون الصوفية، فالناس جميعا عندهم هلكى.

وحدد الباحث ناجح إبراهيم ثلاث مراحل مر بها تنظيم داعش في ولاية سيناء، موضحا تداخلاتها وتأثيراتها. والمرحلة الأولى هي التي سمّى فيها نفسه باسم “التوحيد والجهاد”، والثانية هي مرحلة “الولاء المطلق للقاعدة” وهي التي تجمعت فيها كل الفصائل السيناوية وسمت نفسها “أنصار بيت المقدس”. أما الثالثة فهي التي تركت القاعدة وخلعت بيعتها لأيمن الظواهري وأعلنت ولاءها لداعش وبايعت البغدادي، وفي كل هذه المراحل المتباينة كان فكرها الأساسي هو “فكر التكفير والتفجير”.

ناجح إبراهيم: لم يحدث في تاريخ التكفيريين أن كفروا مجموعة دون قتل

وقال إبراهيم “في كل مراحل التنظيم كان فكر التكفير هو القاسم المشترك والعمود الأساس للتنظيم، وكان التنظيم في كل مراحله الثلاث يكفر كل الحكام المصريين، وهم يعتبرون أن هؤلاء جميعا فضلا عن كل الحكام العرب كفارا لأنهم لا يطبقون الشريعة ولا يحكمون بما أنزل الله في نظرهم.

وأوضح ناجح إبراهيم أن التنظيم في كل مرحلة يكفر البرلمان لأنه يشرع من دون الله من وجهة نظره دون أن يدرك أن الله قد أباح للبشر التشريع في ستة أمور، الأول التشريع في ما لا نص فيه وهي أوسع المساحات لأن آيات القرآن في الأحكام لا تزيد عن 80 آية فقط، والثاني التشريع في كل المباح والثالث التشريع في القياس، والرابع التشريع في المصلحة المرسلة، وهي المصالح التي تفيد البلاد والعباد وليس عليها نص يوجبها أو يمنعها، والخامس تقنين الشريعة في صورة قوانين ملزمة أمام القاضي حتى لا يشق عليه الأمر في الاجتهاد في كل مسألة كما كان يحدث من قبل، والسادس التشريع في الاختيارات الفقيهة، فمن حق المشرّع البشري أن يختار من بين الآراء الفقهية المتعددة ما يناسب البلاد والناس والأعراف. وأكد إبراهيم أن التنظيم وغيره من التنظيمات التكفيرية تظن أن البشر لا حق لهم في التشريع مطلقا، والحقيقة أن الله هو الذي أعطى للبشر حق التشريع بضابط واحد هو أن لا يحل هذا التشريع حراما ولا يحرم حلالا.

واستحضر الباحث الإسلامي إبراهيم ناجح مثال كتاب ألفه جنكيز خان يسمّى “الياسق”، وهو كتاب وضع فيه خان العديد من الأحكام الممنوعة، وقال عن هذه الأحكام التي منعها إنها وحي من الآلهة، وكانت عقوبة كل مرتكب لهذه الممنوعات على بساطتها الموت، فهكذا تفعل اليوم الحركات المتطرفة التكفيرية في الوطن العربي.

13