التكنولوجيا الحديثة تجسد أحلام المهندسين المعماريين

أول جسر صلب في العالم بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد قيد الاختبار بهولندا، وخبراء يختبرون طلاء يمكنه رصد التصدعات في هيكل البناء.
الأحد 2018/04/08
البناء بالضغط على الأزرار

أمستردام - أعلنت شركة هولندية عن تصنيع أول جسر صلب في العالم بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، بطول 12 مترا، وسيتم تثبيته في أوائل العام القادم عبر قناة بمنطقة دي فالي، أكبر وأشهر منطقة في أمستردام، وسيكون مخصصا للمشاة وراكبي الدراجات.

واستفاد المهندسون المعماريون من التقدم التكنولوجي في تصميم مشاريعهم وتجسيدها لكن الثورة التي حصلت في الطباعة ثلاثية الأبعاد تحقق اليوم مجسماتهم التي كانت إلى وقت قريب صعبة التحقيق.

وتم تصنيع الجسر من نوع خاص من الفولاذ المقاوم للصدأ، ويعتبر أكبر هيكل معدني مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد في العالم.

وقد طورت شركة “أم اكس 3 دي” الهولندية روبوتا مكونا من ستة محاور يمكن أن يقوم بطباعة ثلاثية الأبعاد حرة على نطاق واسع، في حين أن الطباعة ثلاثية الأبعاد التقليدية تتم داخل جهاز الطباعة، إلا أن هذا النوع الجديد من التكنولوجيا يمكن أن يطبع في الجو دون قيود تقليدية.

والروبوت الذي طورته الشركة الهولندية يحتوي على ذراع إلكترونية تستطيع إحماء المعادن إلى 1500 درجة مئوية وصبها قطرة قطرة لتشكيل الجزء الأول من الجسر المراد بناؤه.

يتم التحكم في الروبوت عن بعد عبر الكمبيوتر من خلال برنامج خاص، ويستطيع هذا الروبوت طباعة وإنتاج قوالب ونماذج معقدة.

التوأم الرقمي  لجسر شركة 'أم اكس 3 دي' هو نموذج كمبيوتر حي تم تطويره بواسطة فريق الهياكل الحديدية في الكلية الإمبراطورية بلندن

وقد تمت بالفعل طباعة الجسر في أحد المختبرات في هولندا، وسيقوم فريق من المصممين والمهندسين الذين عملوا على المشروع لسنوات باختبار سلامة الجسر، وإضافة بعض اللمسات النهائية عليه، حيث يتم اختبار عينات من البنية المطبوعة  من قبل فريق الهياكل الحديدية لاختبار أداء الجسر تحت ضغط من حركة مرور المشاة وراكبي الدراجات، وإبلاغ المصممين بالنتائج.

وسيتم تصميم شبكة أجهزة استشعار مبتكرة وتثبيتها على الجسر بواسطة فريق من المهندسين الإنشائيين وعلماء الرياضيات وعلماء الكمبيوتر والإحصائيين في المرحلة النهائية لمراقبة حالة الجسر، وستقوم هذه الشبكة بعدد كبير من القياسات، كما ستقوم أجهزة الاستشعار أيضًا بجمع بيانات عن القياسات الهيكلية متضمنة الإجهاد والإزاحة والاهتزاز وقياس العوامل البيئية مثل جودة الهواء ودرجة الحرارة.

وسيكون الجسر قادرا على تحديد عدد الأشخاص الذين يسيرون عليه، وسرعة حركتهم، كما سيتم إرسال بيانات المستشعرات إلى نموذج جسر رقمي يطلق عليه اسم “التوأم الرقمي” ليساعد المهندسين على فهم كيفية أداء الجسر  مع مرور الوقت وإجراء تعديلات على التصاميم المستقبلية وفقًا لذلك.

التوأم الرقمي  للجسر هو عبارة عن نموذج كمبيوتر حي تم تطويره بواسطة فريق الهياكل الحديدية في قسم الهندسة المدنية والبيئية في الكلية الإمبراطورية بلندن، وسيحاكي التوأم الرقمي الجسر الحقيقي بدقة للمساعدة على تطويره مستقبلا بما يضمن أمان وسلامة المشاة.

تكنولوجيا النانو

الثري دي طباعة تحقق ما كان في الخيال
الثري دي طباعة تحقق ما كان في الخيال

يستفيد قطاع البناء من تكنولوجيا النانو في التصميم والإنشاء، حيث يمكن صناعة مواد بناء لإنشاء مركبات ذات خصائص فريدة مثل تشييد بناءات أخف وأكثر قوة وعزل الحرائق وامتصاص الصوت وتخفيض صيانة الطلاء وعمل بوليمرات مشبعة بجزيئات النانو الطينية وإضافة خاصية التنظيف الذاتي والحماية من الأشعة البنفسجية وإنجاز منقّيات الهواء.

ويتم إجراء العديد من التحليلات على المستوى النانوي للخرسانة من خلال استخدام تقنيات مثل مجهر القوة الذرية ومجهر الفحص الإلكتروني والشعاع الأيوني المركز.

وأثبتت الدراسات التي أجريت على المقياس النانوي للخرسانة أن حزمة الجزيئات في الخرسانة يمكن تحسينها عن طريق استخدام النانوسيليكيا، فبإضافة النانوسيليكيا إلى المواد الأسمنتية يمكن السيطرة على انحلال التفاعل الأساسي (هيدرات سيليكات الكالسيوم) الخاص بالخرسانة والناتج عن تصفية الكالسيوم للمياه، بالإضافة إلى ذلك هو يمنع اختراق المياه للخرسانة.

هناك نوع ثان من الجسيمات النانوية المضافة إلى الخرسانة من أجل تحسين خواصها هو ثاني أوكسيد التيتانيوم، وهو صبغة بيضاء يمكن استخدامها كمادة طلائية عاكسة حيث أنها تتفاعل بقوة مع الملوثات العضوية والأغشية البكتيرية مما يمكنها من الحد من الملوثات المحمولة جوا، بالإضافة إلى ذلك هي مادة تتشرّب المياه، وبذلك تضيف خاصية التنظيف الذاتي للأسطح التي تطبق عليها هذه التقنية.

وفي هذه العملية يتم جذب مياه الأمطار إلى السطح حيث توجد طبقات تجمع بها كل الملوثات وتنظف السطح من المواد القذرة.

أحد التطبيقات الأخرى التي ظهرت مع ظهور تكنولوجيا النانو هو الخرسانة ذاتية الدمك، وهي خرسانة لا تحتاج إلى التعرض للاهتزازات بعد صبها.

ويمكن أن توفر الخرسانة ذاتية الدمك تخفيضا يصل إلى 50 بالمئة في تكاليف العمالة بفضل سرعة صب هذه الخرسانة، فهذه المادة تتخذ شكل السوائل ويمكن أن تُصنع باستخدام متعدد الكربوكسيلات (وهي مادة شبيهة بالبلاستيك تم تطويرها باستخدام تكنولوجيا النانو).

مواجهة تحديات البناء

يبدو أن ردم الهوة بين العلوم المادية وواقع البناء الفعلي بات ممكن التحقيق، حيث صار من الممكن نقل الاكتشافات الحديثة في مجال الهندسة من المختبرات إلى مواقع البناء، كما أن المهندسين المعماريين والمهندسين المدنيين أصبح بإمكانهم مواجهة التحديات أثناء أشغال البناء، وهناك بحوث وتجارب أخرى تتعلق بميدان المعمار تم بشأنها تقديم العديد من الدراسات الرائعة، وعلى الرغم من أن بعضها لا يزال في مراحل التجارب الأولية في المختبرات إلا أنها تقدم لمحة عن المنحى الذي يتجه إليه علم البناء، وكيف يمكن أن تبدو المباني في المستقبل القريب.

ومن هذه التجارب التي يجري اختبارها، طلاء يمكنه رصد التصدعات في هيكل البناء، ويوضح فريق الباحثين من جامعة ولاية نورث كارولينا وجامعة شرق فنلندا طريقة عمل هذا الطلاء من خلال دراسة قاموا بنشرها؛ حيث يتم وضع أقطاب كهربائية في جميع أنحاء الطبقة الخارجية للمبنى، ثم يتم وضع طبقات الطلاء الموصل عليها، بعد ذلك يُمرَّر تيار عبر الأقطاب الكهربائية، ومن خلال استخدام خوارزمية معقدة يمكن رصد أي تغيّر يتم على الجهد الكهربائي، وفي حال رصد التغير سيعمل النظام على تحديد المكان المعطوب.

الباحثون يعملون على مواد بلاستيكية تضيء بقوة الرياح، هي مادة تحتوي على مواد معينة تضيء عند وضعها تحت الضغط الفيزيائي

إن استخدام هذا الطلاء على المباني سيحدث ثورة هندسية، كما تتوضح فائدة هذا الاختراع في حال استخدامه في المباني القديمة، أو المباني التي تقع في مناطق الزلازل، كما يمكن استخدام هذه التقنية لرصد الشقوق التي قد تحدث في هياكل محطات الطاقة النووية.

يعمل الباحثون أيضا على مواد بلاستيكية تضيء بقوة الرياح، هي مادة تحتوي على مواد معينة تضيء عند وضعها تحت الضغط الفيزيائي، وللاستفادة من طاقة الرياح، قام الباحثون بتشكيل البلاستيك على شكل أنابيب، حيث تقوم هذه الأنابيب بالانثناء وإنتاج الضوء عند تعرضها للضغط الناجم عن قوة الرياح. إن هذا الاختراع قد يغير من واقع البناء على المستوى العالمي، حيث ستضيء واجهات الأبنية عند هبوب الرياح، والمنارات ستتوهج لتبث المعلومات حول الظروف الجوية.

تجارب أخرى يجريها العلماء على خلايا شمسية شفافة تماماً، فالألواح الضوئية التي يتم تركيبها حالياً على النوافذ من السهل ملاحظتها، وذلك بسبب لمعان خلاياها بألوان قوس قزح، إلّا أن الباحثين في ولاية ميشيغان استطاعوا تطوير نوع مختلف تماماً من مكثفات الطاقة الشمسية التي يمكن تثبيتها على أي نافذة، حيث تقوم هذه المكثفات باستغلال الموجات غير المرئية من الضوء -الأشعة فوق البنفسجية والأشعة القريبة من تحت الحمراء- وتعمل على توجيهها نحو الخلايا الشمسية المدمجة عند حواف الألواح، وبهذا يمكن الحصول على مواد تستطيع إنتاج الطاقة من أشعة الشمس يمكن تثبيتها على النوافذ والأبواب.

17