التكنولوجيا الحديثة تزلزل قواعد الشركات التقليدية العملاقة

اتسعت ظاهرة الأفكار المبتكرة البسيطة، التي تتفوق على أكبر شركات القرن الماضي، وبدأت تظهر شركات ناشئة صغيرة قد تتمكن بعد وقت قصير من إزاحة شركات تقليدية عملاقة من الأسواق، وسحب رؤوس الأموال منها وجذب أغلب زبائنها بتقديم بدائل جذابة بتكلفة أقل وإبداع أكبر.
الجمعة 2016/08/19
نافذة على شركات المستقبل

لندن - تغيرت “أسرار المهنة” وقوانين الشركات الناجحة وانتقلت من عهد إلى آخر. ولم تعد مفاتيح السيطرة على اقتصاد القرن العشرين من خلال امتلاك وسائل الإنتاج تجدي نفعا، بعد أن غيرت الابتكارات ووسائل الاتصال قواعد اللعبة.

ويرى الباحثون أن نماذج الأعمال الناجحة والمسيطرة على الأسواق أصبحت ترتكز على شركات “منصات الاتصال” مثل أبل وغوغل وفيسبوك وعلي بابا، والتي تتيح للمستهلكين والمنتجين التواصل في ما بينهم، وتسهيل تبادل السلع والخدمات والمعلومات، وإنشاء أسواق خاصة بهم، وهم جالسون خلف مكاتبهم أو في منازلهم أو أثناء إجازاتهم.

وتبدو الفكرة بسيطة للوهلة الأولى، ولكن الآثار المترتبة على الشركات التقليدية هائلة جدا إلى درجة قد تخرجها من الأسواق. واختفت بالفعل أغلب شركات الوكالات السياحية وخدمات تذاكر السفر وحجوزات الفنادق، بعد أن هيمنت الفكرة البسيطة المتمثلة في تقديم تلك الخدمات على الإنترنت، مثل شركة بوكينغ وشركة أكسبيديا.

ويقول أليكس موزارد، رئيس شركة أبليكو الأميركية المتخصصة في قطاع إبداع الأعمال، إن السؤال الأهم المطروح أمام عمالقة الأعمال؛ هل بإمكان شركات القرن الماضي، أن تنجو أثناء منافسة شركات إبداعية أغلبها بدأت برأسمال صغير وتحولت إلى شركات عملاقة؟

أليكس موزارد: هل تستطيع شركات القرن الماضي منافسة شركات إبداعية في عصرنا الحالي؟

وأشار إلى أن شركات البلاتفورم (منصات التواصل) تقدم بدائل تنافسية هائلة بالمقارنة مع شركات الزمان الماضي، “إنهم يقدمون نموا أكبر، ومردودا ماليا أكبر على رأس المال، وهوامش ربحية أكبر، فكيف يمكن البقاء على قيد الحياة والمنافسة أمام هذه الظاهرة؟”.

وكانت الشركات قبل الألفية الثانية تعتبر أن مزايا التنافسية ووظائفها الرئيسية تقوم على التخفيف من تكاليف الإنتاج وتأمين أفضل المعلومات عن أسواق المستهلكين.

ويرى الباحث في إدارة الأعمال بشركات التواصل نيكولاس جوهنسون، أن نقطة قوة شركات التواصل الحديثة أنها بمجرّد تأسيسها وانطلاق أعمالها بشكل منتظم تصبح قادرة على تأمين المعلومات التي تحتاجها الشركة لتطوير نفسها بتكلفة لا تذكر.

ويعتقد جوهنسون أن هذه الشركة هي بحد ذاتها شركة معلومات بينما الشركات الأخرى تنفق المليارات للحصول على تلك المعلومات التي تساعدها على قراءة الوضع الاستثماري وإيجاد الزبائن الجدد.

وقال إنها “ثورة في المعلومات وتنعكس بشكل ثروة على هذه الشركات التي يصبح المردود على الاستثمار فيها مضاعفا بالمقارنة مع شركات القرن الماضي”.

ويعتبر الباحثون أن التنافس بين الشركات التقنية أدى إلى إخراج بعضها من الأسواق نظرا لقصر نظر مدراء تلك الشركات أو عدم قدرة مجلس الإدارة على فهم المرحلة الجديدة التي ترددوا في دخولها.

وفعلا، فقد تدمرت الشركة الفنلندية للهاتف المحمول نوكيا، وشركة ريستيرش إن موشن، الشركة الكندية المصنعة لأجهزة بلاك بيري، اللتان كانتا أهم شركات الهواتف قبل عقد من الزمن.

وكانت الشركتان من أكثر الشركات تقدما بالمعرفة والمال، وقدمتا أفضل أنواع التكنولوجيا المتطورة التي باعت منتجات في ذلك الوقت من أكثر السلع شعبية. ولكن دمرت كلاهما إلى حد كبير من قبل نظام التشغيل الصادر عن أبل أو غوغل.

واعترف ستيفن يلبو، الرئيس التنفيذي لنوكيا في مذكرته للموظفين في فبراير 2011، أن شركته كانت تعتمد منصة خارج سياق التقدم التكنولوجي الحاصل. وقال “نحن غير قادرين على المنافسة لأننا ببساطة نستخدم أسلحة خاطئة في معركة خاطئة”.

نيكولس جوهنسون: قوة شركات التكنولوجيا تكمن في قدرتها على تطوير نشاطاتها بتكلفة لا تكاد تذكر

وأضاف “أصبحت المعركة بدلا من التنافس على الأجهزة بحد ذاتها إلى التنافس على نظم التشغيل وملحقاته”. ويقول خبراء ليس هناك شك في أن نوكيا وبلاك بيري تنتجان أفضل الأجهزة ولا تقل جودتها عن أجهزة أيفون أبل. ولكن متجر أبل الذي يتضمن أكثر من 1.5 مليون تطبيق يمكن بيعها لمستخدمي جهاز أبل.

وتمكن المستخدمون من تنزيل هذه التطبيقات بما يعادل 100 مليار مرة حتى نهاية العام الماضي. وهذه الميزة لوحدها قلبت سوق الهواتف المحمولة التقليدية وطردت بلاك بيري ونوكيا وغيرهما من عمالقة الهواتف.

ويعتبر الباحثون أن الشركات الثورية في قطاع التكنولوجيا الحديثة تنظر إلى مفهوم القيمة بطريقة مختلفة جذريا بالمقارنة مع شركات القرن الماضي.

ولا تزال الشركات التقليدية تعتبر أنفسها المصدر الوحيد من حيث القيمة لأنها تمتلك رؤوس أموال كبيرة وفرق عمل متميزة بينما شركات المنصات ترى أن المستهلكين هم مصدر القيمة ولذلك فهي مستعدة أن تتقاسم معهم مردود القيمة أيضا.

وترى شركة تويتر أن قيمتها نابعة من عدد مستخدميها أكثر من حجم رأسمال الشركة نفسها، فقد اقترح المستخدمون رمز @ لاستخدامه قبل اسم أي مستخدم وهاشتاغ # لربط المواضيع ذات الصلة، وهذه الرموز التي اقترحها مستخدمو تويتر هي ثروة هذه الشركة.

ويعتبر الباحثون أن شركات المنصات أوجدت ثورة في تكنولوجيا الأعمال وفي الأطر القانونية الناظمة لأعمالها، فمثلا غوغل وفيسبوك وأوبر جعلت الحكومات تعدل من قوانينها ،وأصبحت الشركات ومستخدموها أكثر استباقا لقدرة الحكومات على رؤية التطورات. ويقول خبراء في شؤون الاحتكار أن شركات المنصات والتكنولوجيا الحديثة صنعت نمطا جديدا من الاحتكارات في برامجها وتطبيقاتها وأنظمة تشغيلها. فكلما كبرت الاحتكارات زادت خدماتها، وكلما زادت خدماتها قلت رسومها أو أصبحت مجانا كما هو حال غوغل. ويرى الخبراء أن هذه الاحتكارات لا تشكل خطرا في ظل وجود عدد كبير من هذه الشركات التي تتنافس على الأسواق، وكلما تقدمت شركة ظهرت شركة أخرى تنافسها وتقدم خدمات مبتكرة.

ويقول متابعون إن احتكارات عصرنا لا تمتلك القدرة على البقاء لفترات طويلة وبالتالي وصف بعض الشركات بأنها احتكارات أمر غير دقيق، فاحتكارات عصرنا مضطرة لأن تقدم خدماتها بأسعار منخفضة جدا وإلا ولدت شركة جديدة تطردهم من السوق.

10