التكنولوجيا الحيوية: مجال التنافس الأشرس بين واشنطن وبكين

قلق أميركي يتصاعد من الاستثمارات الصينية الضخمة في شركات الأبحاث العلمية في الولايات المتحدة.
السبت 2018/04/14
بذور المستقبل

واشنطن - العجز التجاري والحروب التجارية المحتملة والسباق نحو التفوق في الذكاء الاصطناعي، كل هذه المواضيع حظيت بأبرز عناوين الأخبار المتابعة لكل تصعيد بين الصين والولايات المتحدة إلى حد الآن، لكن هناك منافسة أخرى تدور بوحشية مماثلة، ألا وهي التكنولوجيا الحيوية.

لا يقدم الخلاف التجاري المحتدم بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، إلى صورة من قائمة طويلة من التنافس بين الولايات المتحدة الرائدة والصين الصاعدة. وبينما تتجه أغلب الأضواء نحو المجال التجاري، يلفت الباحثون إلى أن التوترات التجارية تغطي على تنافس في مجالات أخطر وهي في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا الحيوية.

ويؤكد خبراء في مركز ستراتفور للدراسات والأبحاث الأمنية والاستراتيجية، وكذلك دراسات مختلفة نشرتها مجلات علمية مثل مجلة نايشتر، على أن الحرب التكنولوجية ستكون السمة الأبرز في العلاقة المستقبلية بين الصين والولايات المتحدة. وستتركز أساسا على التنافس في مجال تقنيات التعديل الوراثي، التي تشهد تطورا سريعا. والقطاع الداخلي الصيني يتدارك الأمر ليلحق بالغرب بسرعة أكبر في مجال الرعاية الصحية.

شراء الملكية الفكرية لشركة أو بلد آخر شيء ثمين بالنسبة إلى الشركات أو البلدان التي تسعى إلى تطوير تكنولوجيتها الحيوية الفلاحية الخاصة بها

ويبرز التنافس الأميركي الصيني في سياق المعركة الناشئة في قطاع التكنولوجيا الحيوية أساس في مجال استخدام تقنية التحوير الجيني، المعروفة علميا باسم كريسبر. وعن طريق تقفّي استعمال هذه التكنولوجيا في الفلاحة والرعاية الصحية يمكننا أن نرى إشارات واضحة للاتجاه الذي تسير فيه هذه النزعة.

 لطالما ساعدت التكنولوجيا على تحسين المحاصيل الزراعية، من المكننة إلى الأسمدة. ثم جاءت الزراعات المعدلة وراثيا، منذ تسعينات القرن الماضي، لتفتح عهدا جديدا في مجال الفلاحة، وبالإضافة إلى المساهمة في التحسين من المنتوج والرفع من المردود ربطت بحوث التعديل الجيني الزراعة بحقوق الملكية الفكرية وكل ما يرتبط بذلك من قوانين وإجراءات حماية ومنافسات.

وسيكون شراء الملكية الفكرية لشركة أو بلد آخر شيئا ثمينا بالنسبة إلى الشركات أو البلدان التي تسعى إلى تطوير تكنولوجيتها الحيوية الفلاحية الخاصة بها.

وبالنسبة إلى الصين، وهو بلد طالما قيدته محدودية الموارد، من شأن التطوير المستمر لقطاع التكنولوجيا الحيوية المحلية خاص في الفلاحة والرعاية الصحية أن يساعدها على معالجة انهيار سكاني يلوح في الأفق ينقص فيه عدد الفلاحين المتوفرين بينما تزيد تكاليف الرعاية الصحية لمجموعة سكانية هرمة تزداد توسعا. وكان مؤتمر الشعب الوطني أقرّ بأن التحسينات في التكنولوجيا الحيوية مجال أساسي في الكثير من توجيهاته الخاصة برسم السياسات في الفترة الأخيرة.

واشنطن الغائبة تسعى إلى التفوق على الصين في قمة الأميركيتين

ليما – اجتمع زعماء أميركا اللاتينية في ليما، عاصمة بيرو، الجمعة في قمة خططت الولايات المتحدة إلى استغلالها لمواجهة النفوذ المتزايد للصين. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرر في اللحظة الأخيرة عدم الحضور، للتركيز على الأزمة السورية في أعقاب هجوم كيميائي مشتبه به. والفساد هو الموضوع الرئيسي في قمة الأميركتين هذا العام التي تستمر حتى (اليوم) السبت. لكن النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين يخيم بدرجة كبيرة على المحادثات. ووصلت التوترات إلى أميركا اللاتينية عشية انعقاد القمة، حيث قلل وزير التجارة الأميركي ويلبور روس من شأن التجارة الصينية في كلمة ألقاها في ليما وتعهد بأن واشنطن لن تتنازل عن الزعامة في المنطقة “لدول استبدادية”. وقال جوستافو جوربوكوباتل، الرئيس التنفيذي لمجموعة زراعية أرجنتينية، خلال قمة مشتركة لرجال الأعمال “تبدو خطة ترامب كما لو أنها تؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد زعيمة العالم”. وذهب في نفس السياق، روبرت مانينج، الخبير في الشؤون التجارية، بقوله “لا أحد يريد إبرام صفقات تجارية ثنائية مع الولايات المتحدة وترامب ليس لديه خطة بديلة”.

اشترت الشركات الصينية كيانات عديدة (وملكيتها الفكرية) في مجالات التكنولوجيا الحيوية الفلاحية للمساعدة على دعم قطاع التكنولوجيا الحيوية الصينية والمثال الأبرز هو شركة سينجنتا، وهي شركة تكنولوجيا حيوية فلاحية تفوق ميزانية البحث والتطوير لديها واحد مليار دولار.

تركز هذه الشركة أبحاثها على تطوير البذور والمواد الكيمائية التي تحمي المحاصيل. وتكتسب التطورات المحرزة في هذه المجالات أهمية كبيرة لدى الصين في ما يتعلق بمساعدتها على مجابهة مشكل الأراضي المهمشة أو الملوثة إضافة إلى الموارد المائية المحدودة.

بالرغم من امتلاكها لقاعدة بحوث ضخمة في النباتات المعدلة وراثيا نادرا ما حققت الصين قفزة من البحث إلى المنتوج التجاري. ومن ثم فإن الحصول على التكنولوجيا المتطورة يمكن أن يساعد الصين على التقدم في هذه المجالات محليا. ولكن في المستقبل يمكن أن ننتظر من الصين التركيز أكثر على تكنولوجيات التعديل الجيني الجديدة حيث تكتسب قدرة تنافسية أكبر على الصعيد العالمي.

حماية الملكية الفكرية

 مع استمرار تكنولوجيا التعديل الوراثي في التطور، تتغير بالتبعية تلك اللوائح التي تحكمها لمواكبة سير التطوير. ولذلك ستعمل واشنطن جاهدة على ضمان حماية حقوق الملكية الفكرية في اتفاقياتها التجارية المستقبلية. وتتولى لجنة الاستثمار الخارجي في الولايات المتحدة تقييم إلى أي مدى تمثل الاستثمارات الخارجية في الشركات الأميركية تهديدا للأمن قومي.

كانت هذه اللجنة محلّ اهتمام الأخبار مؤخّرا لأنها قرّرت بأن مزايدة شركة برودكوم الموجودة في سنغافورة لاقتناء شركة كوالكوم يحتمل أن تهدد الأمن القومي مما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تعطيل العرض الذي تقدمت به برودكوم.

لكن في مجال التكنولوجيا الحيوية قد تكون آلية المراجعة هذه محدودة في قدرتها على معالجة التهديدات المحتملة للأمن القومي والملكية الفكرية للشركات الأميركية. ولكونها أرخص وأسرع من الطرق السابقة، اقتحمت تقنيات التعديل الوراثي مثل كريسبر مجال التكنولوجيا الحيوية على مدى السنوات الخمس الماضية، ناهيك أنه توجد عدة شركات مبتدئة في الولايات المتحدة تدفع تطوير هذه التكنولوجيا.

ولأن لجنة الاستثمار الخارجي في الولايات المتحدة لا تقتفي استثمارات الأقلية أو الاستثمارات في الشركات المبتدئة (بالرغم من أن الكونغرس يفكر في تقوية نطاق اللجنة ليسمح لها بفعل ذلك في المستقبل) قد لا تكون مجهزة لمراقبة الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا البيولوجية، على الأقل ليس في الخمس إلى العشر سنوات القادمة مع زيادة نمو هذه الصناعة ونضجها.

ويمكن لهذا الفراغ في التغطية أن يسمح للصين وغيرها من البلدان بمواصلة الاستثمار في الشركات الأميركية التي تطور تقنية كريسبر وغيرها من التكنولوجيات الخاصة بالتعديل الوراثي. ولا يسبب هذا القصور ضررا في الوقت الحالي ويمكن حتى أن يفيد شركات معيّنة، لكن عند بروز طبيعة الاستخدام المزدوج المحتمل لهذه التكنولوجيا ستصبح مسألة متعلقة أكثر بالأمن القومي. وفي الاتجاه المعاكس تسببت مراقبة الصين للاستثمارات في قطاعها الوطني في إثارة معارضة الولايات المتحدة بحجة أنها مقيدة بشكل غير عادل.

بناء الأساس

 فضلا عن مسألة سرقة الملكية الفكرية واستمرار في الاستثمار في القطاع الأميركي، يحرز الباحثون الصينيون أيضا تقدّما كبيرا على الصعيد الوطني. اثنان وأربعون بالمئة من كل النباتات الجديدة المستمدة من تقنية كريسبر التي تم تطويرها بين سنتي 2014 و2017 ظهرت في الصين (وذلك ما حددته دراسة ضافية نشرت في مجلة “المواضيع الناشئة في علوم الحياة” في سنة 2017). وكان الأرز، الغذاء الأساسي الثقافي للصين، النبتة الأكثر دراسة في الفترة المذكورة آنفا، حسب المقال نفسه.

الأرز ليس بالهدف المفاجئ نظرا إلى أهميته بالنسبة إلى استراتيجية الأمن الغذائي لدى بكين.

يتم استخدام التعديل الوراثي لتطوير سلالات لجينات الأرز أكثر مقاومة للملح، وهو ما يمثل تطورا مهما في صورة تدهور جودة المياه في الصين. كما أن الأرز المقاوم لمادة الكادميوم يمثل تطورا فبعد ظهور الحركة البيئية في الصين في السنوات القليلة الماضية إضافة إلى وجود مسألة رأي عام تتعلق بالأرز الملوث، سيحظى تطوير نوع من الأرز مقاوم لمادة الكادميوم بشعبية كبيرة وسيكون ضروريا.

كريسبر.. تعديل الجينات بأسهل ما يمكن

تقنية للتعديل الجيني تتيح تعديل الحمض النووي في المحاصيل الصغيرة المتخصصة، وكذلك في الحيوانات. واستخدم الباحثون هذه التقنية في هندسة الخنازير الصغيرة وفي صنع فصائل من القمح والأرز مقاوِمة للأمراض. ووفق مجلة نيتشر، أحرز الباحثون تقدما في هندسة ماشية بلا قرون وسلالات ماعز مقاومة للأمراض، وبرتقال حلو غني بالفيتامينات. رغم إمكانيات تقنية كريسبر الواعدة، يشعر العلماء بالقلق من إيقاع التطور السريع في هذا المجال، الذي لا يتمهل لبعض الوقت لمناقشة المخاوف الأخلاقية، خاصة وأن التجارب تشمل البشر أيضا، وعوامل السلامة التي قد تطرأ خلال هذه التجارب. تملك الولايات المتحدة 19 بالمئة من أكثر من 2000 براءة اختراع مرتبطة بتقنية كريسبر بينما تملك الصين 17 بالمئة. 42 بالمئة من كل النباتات الجديدة المستمدة من تقنية كريسبر التي تم تطويرها بين سنتي 2014 و2017 ظهرت في الصين.

وحتى بتدعيم الصناعة ووجود مراقبة أكثر صرامة من قبل الحكومة المركزية سيكون إبطال تأثيرات عقود من التلوث أمرا بطيئا. وربما الأمر الأهم بالنسبة إلى استراتيجية بكين الخاصة بالتكنولوجيا الحيوية يتمثل في إمكانية مساهمة الأرز المقاوم لمادة الكادميوم في قبول قطاع أوسع من السكان الصينيين لاستخدام المحاصيل المعدلة وراثيا. كما استخدم الباحثون الصينيون كريسبر لاستهداف لحم الخنزير، وهو مادة غذائية أساسية أخرى، للحصول على خنازير أقل دهونا.

على الرغم من هذه القفزات في المخبر مازال قطاع التكنولوجيا الحيوية الفلاحية في الصين غير قادر على إنتاج محاصيل على نطاق تجاري. وشهدت الموافقات لنوعيات معدّلة وراثيا مستوردة انخفاضا على مدى السنوات الماضية.

دون شك ستبقى الصين لاعبا أساسيا في ما يتعلق بالتكنولوجيا الحيوية الفلاحية، إذ أن حجمها الضخم يملك القوة للتأثير في السوق العالمية. لكن المجال الذي ستقف فيه الصين ندا للند مع الولايات المتحدة من وجهة نظر تقنية هو العناية الصحية.

التحول إلى منافس حقيقي

توفر التكنولوجيا الحيوية أدوات فعّالة لتحقيق التنمية المستدامة لقطاعات الزراعة ومصايد الأسماك والغابات، إضافة إلى صناعة الأغذية. ومن شأن التكنولوجيا الحيوية، عند إدماجها على نحو ملائم مع التكنولوجيات الأخرى لإنتاج الأغذية، والخدمات والمنتجات الزراعية، أن تساهم في تلبية احتياجات الأعداد المتنامية من السكان الذين سيتزايد وجودهم في المدن خلال الألفية القادمة.

وعندما ننظر إلى تطبيقات كريسبر بشكل موسع تأتي الصين خلف الولايات المتحدة فقط من حيث عدد براءات الاختراع التي تملكها والمرتبطة بهذه التقنية. وتملك الولايات المتحدة 19 بالمئة (447) من أكثر من 2000 براءة اختراع مرتبطة بتقنية كريسبر بينما تملك الصين 17 بالمئة (410).

ربما من الأهم النظر إلى المكان الذي تقدم فيه ملفات براءات الاختراع مقارنة بالمكان الذي يجرى فيه البحث، فالباحثون المقيمون في الولايات المتحدة وأوروبا (سواء كانوا أكاديميين أو تجاريين) من المرجّح أكثر بكثير بأن يقدّموا ملفات براءة الاختراع في الصين مقارنة بالوجهة الأخرى.  وهذا يصور أهمية الصين بالنسبة إلى السوق العالمية الخاصة بالتعديل الوراثي في المستقبل. والقيود الكامنة التي تجبر الصين على تطوير قطاعها الوطني تقدم سوق استيراد محتملة بالنسبة إلى مصدري هذه التكنولوجيا الجديدة.

7