التكنولوجيا الحيوية مفتاح لحياة أبدية

الموت مرض يمكن تلافيه.. هناك من يعتقد ذلك.
الاثنين 2021/09/06
الخوف من الموت دفع البشر إلى البحث عن سر الخلود

إذا كانت هناك قلة متصالحة مع تقدمها في العمر ومواجهة الموت، فإن هناك في المقابل غالبية ترعبها مظاهر الشيخوخة وتعتبر الموت مرضا تجب هزيمته وهي مستعدة لبذل كل ما في وسعها بحثا عن حياة أبدية.. ولكن حتى لو تحقق لها ذلك هل ستكون حياة ملأى بالورود والزهور؟

لندن - الغريب أن الباحثين عن سر الخلود، أو الحياة لأطول فترة ممكنة ليسوا من كبار السن الذين قاربوا على توديع الحياة، بل هم من الشباب، وفصيل خاص منهم، تراهم في بحث مضني عن اتباع قواعد صحية صارمة. يعتبرون تعاطي السجائر والإسراف في تناول الكحول خطيئة. وأول ما يحذرونك منه هو تناول السكر والملح، ويطلقون عليهما لقب السّم الأبيض. عليك أيضا أن تتناول 2000 ميليغرام من زيت السمك و4000 وحدة دولية من فيتامين د يوميا، للوقاية من أمراض القلب والأمراض المزمنة الأخرى.

بسبب أعدادهم المتزايدة، راجت الصالات الرياضية، التي تحولت إلى دور عبادة يواظبون على ارتيادها.

وحذار حذار من تناول الطعام المشوي، خاصة على الفحم، الذي ينتج عنه مواد كيميائية تزيد من خطر الإصابة بالسرطان. لذلك يفضل الاقتصار على طبخ الطعام بالبخار. وفي الشتاء يجب الحفاظ على رطوبة المنزل عند 35 في المئة، لأن الهواء الجاف مضر بالجلد ويتسبب بالسعال، وكلاهما يقصر من الأعمار.

إبطاء الشيخوخة

دافين سنكلير: مشكلة الشيخوخة ستحل لكن العيش للأبد مشروع طموح

اتباع القواعد الصحية تصرف عاقل تتبعه أعداد كبيرة من البشر. ولكن ما يميز الفصيل الذي نتحدث عنه من الشباب، أن عليهم أن يضمنوا صحة جيدة تتيح لهم العيش 50 عاما أخرى. على أمل أن تتطور الصناعة التكنولوجية الحيوية وتكتشف حلولا للتغلب على الشيخوخة وقهر الموت.

قد يكون كلام مثل هذا، بالنسبة إلى المؤمنين، تجديفا. ولكن جيل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلوم الجينية له رأي آخر. إذا اتخذت الخطوات الوقائية الصحيحة الآن، قد تعيش إلى الأبد.

تتمثل الخطة في الحفاظ على الجسم في حالة جيدة لإبطاء شيخوخة الجسم بما يكفي للاستفادة من كل تقدم طبي جديد عند وصوله. لتحقيق ذلك ما عليك سوى اتباع نظام صحي صارم لتؤخر وفاتك 10 سنوات، لعل العلماء يبتكرون دواءً أو برنامج كمبيوتر أو روبوتًا يمنحك فرصة العيش لفترة أطول. استمر في لعبة الهروب هذه، حتى تخدع الموت.

وفقًا لنير برزيلاي، مدير معهد أبحاث الشيخوخة في كلية ألبرت أينشتاين للطب في مدينة نيويورك، يفهم العلماء حاليًا الشيخوخة على أنها دالة من سبع إلى تسع سمات بيولوجية، بما في ذلك جودة إزالة الخلايا للفضلات، والتي تسمى البروتيوستاسيس؛ مدى جودة الخلايا في توليد الطاقة، أو وظيفة الميتوكوندريا؛ مدى جودة تنفيذ الخلايا لتعليماتها الجينية، أو علم التخلق؛ ومدى نجاح الخلايا في الحفاظ على سلامة حمضها النووي، وهو ما يسمى بإصلاح الحمض النووي أو تآكل التيلومير.

حرب ضد الموت

باحثون عن الخلود في مهرجان رادا السنوي
باحثون عن الخلود في مهرجان رادا السنوي

والشباب ليسوا وحدهم في رحلة البحث عن الخلود. جيمس سترول، يعتبر نفسه محاربًا ضد “الموت”. في الثانية والسبعين من عمره، ليس لديه متسع من الوقت لانتظار العلم لحل مشكلة الشيخوخة. بدلاً من ذلك، يحاول إيجاد الحل بنفسه. بعد مهنة في الاستثمار العقاري، شارك سترول في تأسيس “بيبول أنليميتد”، وهي شركة تهدف لحث البشر للعيش إلى الأبد، في عام 1995، ثم أضاف التحالف غير الربحي من أجل تمديد الحياة في عام 2016. الهدف الرئيسي لكلا المنظمتين هو تعريف الجمهور بالتطورات المضادة للشيخوخة. وتستضيف المنظمة الآن مؤتمرًا علميًا سنويًا ومهرجانًا سنويا باسم “راد فيستيفال” ، يمثل ثورة ضد الشيخوخة والموت.المزيد والمزيد من الأشخاص، باحثين وعلماء، يشاركون في النقاش الدائر حول عمر الإنسان كرقم يمكن أن يتغير بشكل كبير في القرن المقبل. قبل ثلاث سنوات فقط، وبعد الكثير من الضغط من قبل مجموعات البحث والصناعة، أضافت منظمة الصحة العالمية تعريفا يقول إن الشيخوخة على اعتبار أنها مرض – مرض يمكن للبشرية علاجه في نهاية المطاف. لذلك فإن التحدي الذي نواجهه جميعًا هو عدم التسامح مع الموت.

قبل احتفالات عام 2020، التي تم إطلاقها على الإنترنت بسبب كوفيد، أقيم الحدث السنوي في لاس فيغاس. خاطب أحد المتحدثين الجمهور قائلا لهم أنتم تنتمون إلى “آخر جيل بشري فان وأول جيل بشري خالد”. المهرجان فرصة ذهبية لمسوقي الأوهام، من بائعي وموردي المكملات الغذائية، والقراصنة البيولوجيين، وكريمات تجديد البشرة، والزيوت، ونظم تنقية الهواء. وهناك من يعلن عن حصيرة ترسل إشعاعا كهرومغناطيسيا في الجسم لإطالة العمر.

يقول سترول إنه من أجل القيام بخطوات جدية لإطالة العمر، يتعين على الناس الاستثمار في أبحاث مكافحة الشيخوخة بنفس الاندفاع الذي أبدوه في مكافحة السرطان. لذلك لم يتردد سترول في إجراء تجارب على جسده.

إنه واحد من أكبر المتحمسين لأدوية وقف للشيخوخة، والأدوية التي تطهر الجسم من الخلايا التالفة، والعلاجات الخارجية، والخلايا الجذعية. وهي في الغالب علاجات لم تتم الموافقة عليها من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية. لكن سترول يقول إنه يشعر وكأنه مراهق يعيش في جنة التقاعد في ولاية أريزونا. لكن إلى متى يمكن أن يستمر ذلك؟

البيانات الطبية تؤكد أن خطر الوفاة يتضاعف كل ثماني سنوات بعد سن الثلاثين، وأقصى عمر وصل إليه المعمرون هو 120 عامًا فقط. حتى إذا بدأت هذه الأرقام في التغير، من غير المرجح أن يقفز متوسط عمر الإنسان إلى مستوى سلاحف غالاباغوس (أكثر من 100 عام) أو الحيتان مقوسة الرأس (حوالي 200 عام) بين عشية وضحاها، فما بالك بالوصول إلى الحياة الأبدية.

وشكلت وفاة تشارلز بول براون، الشريك المؤسس لشركة “بيبول أنليميتد” في عام 2014 عن 79 عامًا بسبب مضاعفات مرض باركنسون وأمراض القلب، صدمة لسترول. وعندما سئل ماذا يحدث إن لم ينجح في مسعاه، وقال له طبيبه إن لديه ستة أسابيع فقط ليعيشها؟ رد قائلا “سأبذل كل ما في وسعي لتغيير هذا المصير، وسأبحث بعد ذلك عن طريقة تبقيني على قيد الحياة. ربما ألقي نظرة على التجميد الجيني. وإن لم يكن هذا خياري الأول، لكنني أعتقد أن هذا عمل نبيل للغاية”.

مشروع طموح

ناتاشا فيتامور: في الحياة الأبدية لن يكون كل شيء نبيذا وورودا

للأسترالي دافين سنكلير، الذي يدير مختبرات جينية في هارفارد وجامعة نيوساوث ويلز في سيدني، وصاحب العشرات من المقالات وتم اختياره عام 2018 من قبل مجلة تايم واحدا من بين أفضل 50 شخصية عاملة في الرعاية الصحية ، رأي آخر قد يحبط من عزيمة الباحثين عن الخلود.

يقول سنكلير “لا أعتقد أن أي شخص على سطح الأرض سيعيش إلى الأبد في السنوات الخمسمئة القادمة”.

ويؤكد سنكلير، البالغ من العمر 52 عامًا، أن البشرية ستحل مشكلة الشيخوخة، لكن العيش إلى الأبد مشروع طموح. وبينما لا يعتقد أن هناك حدًا أعلى لعمر الإنسان، إلا أن الكيفية التي يتحقق بها ذلك غير واضحة. الشيخوخة حسب سنكلير خلل في طريقة قراءة الحمض النووي وتطبيقه في الخلايا.

ويراهن سنكلير بكل أمواله على الإبيجينوم، وهو مترجم مرن للحمض النووي يعمل على تشغيل الجينات وإيقافها بناءً على الظروف البيئية. ويقارن الشيخوخة بخدش على قرص مضغوط. ويقول شارحا “الجينوم هو الموسيقى، والقارئ هو الإبيجينوم، وقد منع الخدش القارئ من قراءة الموسيقى بالطريقة نفسها. أعتقد أن الشيخوخة تمنع الخلايا من قراءة الجينات الصحيحة لتتذكر كيف تكون خلية دماغية أو خلية كبد”.

بعبارة أخرى، الخلايا التي أتقنت أدوارها مثل الدم أو العظام أو الدماغ تصبح أقل قدرة على أداء تلك الوظائف، على الرغم من أن التعليمات لا تزال موجودة. ورغم خلفيته العلمية، إلّا أن سنكلير ليس محصنا ضد التفاؤل المجنون الذي يبدو أنه يصيب كل من يعمل على إطالة العمر. فهو يتناول فيتامين د، وفيتامين ك، والأسبرين، وميتفورمين، ومستخلص العنب ريسفيراترول، يوميًا، وقد أوصى بخطة مماثلة لوالده البالغ من العمر 81 عامًا.

وفي تجربة حديثة، اعتمدت نظرية سنكلير، نجح الخبراء في إعادة خلايا الرؤية في الفئران الهرمة إلى الحالة اللاجينية الأصغر سنًا. ولاحظ الباحثون أن خلايا العصب البصري التالفة في الفئران تعيد نمو روابطها، ويفترض أن ذلك مستحيل في الجهاز العصبي المسن. ونشرت الدراسة على غلاف مجلة “نيتشر” لشهر ديسمبر 2020.

لا يوصي سنكلير بالعلاجات الجينية للبشر في الوقت الحالي. وتشمل أساليب مكافحة الشيخوخة المفضلة لديه ممارسة الرياضة، وتناول الكثير من النباتات، والامتناع عن التدخين. بالطبع لا يوجد طبيب على وجه الأرض لا يتفق مع هذه الأفكار. ومع ذلك، فهو يفضل أكل النباتات المجهدة – تلك التي عانت من نقص التغذية عن قصد أثناء نموها - معتبرًا أن الإجهاد الخفيف يحول في النباتات إلى دفاعات مقاومة الشيخوخة تفيد البشر الذين يأكلونها. لذلك تقتصر نصائح سنكلير العملية على التدخل السلوكي مثل ممارسة الرياضة، التعرق في الساونا، والسباحة في ماء بارد.

وقد تكون الطريقة الأكثر فاعلية لإطالة العمر هي تغيير النظام الصحي. ويقول سنكلير “إذا كان بإمكاني تقديم وصية واحدة فقط، ستكون قلل من تناول الطعام”.

الشيخوخة مرض يمكن للبشرية علاجه في نهاية المطاف لذلك فإن التحدي الذي نواجهه جميعًا هو إطالة حياة عدم التسامح مع الموت
الشيخوخة مرض يمكن للبشرية علاجه في نهاية المطاف لذلك فإن التحدي الذي نواجهه جميعًا هو إطالة حياة عدم التسامح مع الموت

هذه النصيحة قديمة، تثبتها دراسات تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي وجدت أن تقليل السعرات الحرارية بنسبة 30 في المئة قد أدى إلى تحسين عمر الفئران والقرود، وتحسين المؤشرات الحيوية للعمر لدى البشر. ويمارس سنكلير الصيام المتقطع. لكن الكثير من الناس يصومون لأسباب صحية، ومع ذلك لم يتجاوز أحد الحد الأدنى لسن الإنسان وهو ما يقرب من 122 عامًا.

ما الذي يجب أن يحدث لاختراق هذا الحاجز ليصبح العيش لفترة أطول، وحياة أكثر صحة هو القاعدة؟

يقول سنكلير إن التحدي الأول هو التعليم. لا يزال معظم الناس لا يفكرون في الشيخوخة على أنها مرض. وطالما بقي الحال هكذا، فإن وصف الأدوية لعلاج الشيخوخة سيكون أمرا صعبة. ويطرح سنكلير الميتفورمين، وهو دواء تمت الموافقة عليه لعلاج مرض السكري، ولكن ثبت أيضًا أنه يبطئ الشيخوخة في الحيوانات ويقلل من أمراض التنكس العصبي والسرطان لدى البشر. (تم تأجيل تجربة كبيرة على الصعيد الأميركي، لاستهداف الشيخوخة بالميتفورمين، بسبب كوفيد ولكنها ستبدأ قريبًا).

وكانت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون”، قد أعلنت في وقت سابق من هذا العام تطوير عقار من شأنه منع أو تأخير علامات وآثار التقدم في السن.

وحسبما ذكر موقع “بريكينغ ديفينس” المتخصص بالأخبار العسكرية، فإن قيادة العمليات الخاصة في “البنتاغون”، تطوّر حبة، ترمي لتحسين أداء البشر، وذلك من خلال تقليل الالتهابات، وإبطاء التنكس العصبي، وتجديد الخلايا.

ونقلت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية حينها، إن قيادة العمليات الخاصة، تتوقع البدء في التجارب السريرية للحبة، العام المقبل.

ووفق مديرة قسم العلوم والتكنولوجيا في قيادة العمليات الخاصة، ليزا ساندرز، فإن نجاح التجارب على العقار سيؤخّر الشيخوخة ويمنع الإصابات ويسرّع من تعافي الجسم حال وقوعها.

أسئلة لا بد منها

جيمس سترول: سأبذل كل ما في وسعي لوقف الشيخوخة وقهر الموت

إذن، سنكلير ليس وحده من يعتبر الشيخوخة والموت مرضا. وممن يشاركونه الرأي أليكس زافورونكوف، مؤسس شركة “ديب لونغيفتي” التي مارس من خلالها الضغط على منظمة الصحة العالمية لإعلان الشيخوخة مرضًا.

المشكلة لن تنتهي بإعلان الانتصار على الشيخوخة والموت، بل ستبدأ. هناك أسئلة كثيرة ستحتاج إلى إجابات. من سيسمح له بالعيش إلى الأبد؟ ماذا سيحدث للأرض عندما يتوقف البشر عن الموت؟ هل سيشمل أي من هذا الروبوتات؟ هذه هي الأسئلة التي قد يطرحها فلاسفة وعلماء أخلاق وفنانون، وطرحتها مؤخرا ناتاشا فيتامور، المديرة التنفيذية لمنظمة “ما بعد الإنسانية” غير الربحية.

تقول ناتاشا إن إطالة عمر الإنسان بشكل كبير تتطلب تقنيات متقدمة، وروبوتات نانوية يمكنها أن تجوب جسم الإنسان لإصلاح الضرر الخلوي باستمرار. وهي لا ترى موجبا لأي قلق نتيجة لتزايد السكان، لأن معدلات المواليد تنخفض (في البلدان الغنية على الأقل) لسنوات.. “لكن لن يكون كل شيء نبيذا وورودا. سيتعين على المجتمع الذي يعيش إلى أجل غير مسمى أن يجد أشياء جديدة ليقوم بها الناس بعد سن التقاعد الحالي، وكذلك إعادة تصور صناعة الرعاية الصحية. ستكون هناك حاجة إلى ضمان عدم قيام الشركات ببيع علاجات زائفة لمكافحة الشيخوخة، أو الانخراط في أي من الممارسات غير الأخلاقية الأخرى، وتأمين بنية تحتية مادية واقتصادية عادلة، والاتفاق سياسيًا على فعل الأشياء الصحيحة”.

فكرة الموت ستتخذ عوامل ومعايير تعريفية جديدة والناس قد يصبحون نوعًا جديدًا من البشر غير مقيّد بالعمر الزمني والجنس والعرق والحجم وجميع المعايير الأخرى المستخدمة لتطبيع المجتمع.

12