التكنولوجيا الصينية تعلق في متاهة قسوة الحظر الأميركي

الحرب على شركات التكنولوجيا الصينية تختزل المناوشات التجارية الأميركية مع بكين إضافة إلى قلق عالمي من هيمنة الصين وتقدّمها المتسارع على جبهة الذكاء الاصطناعي.
الثلاثاء 2020/08/11
في شراك القيود الأميركية

تتشكل قناعة لدى معظم المراقبين بأن الحكومة الصينية تقف عائقا أمام صعود البلاد لكي تصبح ذات قوة تكنولوجية جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة التي ضيقت الخناق بشكل كبير على الشركات الصينية وسط تزايد الاحتمالات من أن تقدم إدارة الرئيس دونالد ترامب على فرض المزيد من الحظر على تلك “الكيانات غير المرغوب فيها”.

بكين- تصب تحليلات المراقبين حول النزاع التجاري المرير القائم منذ أكثر من عامين بين الولايات المتحدة، التي أضرمت الحرب التكنولوجية مع الصين في مصلحة واشنطن، رغم وجود سيل من التساؤلات تدور جميعها حول نقطة مفصلية تتمحور حول مدى ما سيؤديه فرض المزيد من الضغط الغربي على بكين إلى تسريع وتيرة تقدمها التكنولوجي.

وطالما أن دول العالم لا تثق في النظام الشيوعي في الصين، فإنها سوف تقلق بشأن استخدام بكين لشركات البر الرئيسي في جمع البيانات بشأن المستخدمين، وتشكيل المحتوى الإعلامي والتدخل في البنية التحتية الأساسية خاصة في ظل أزمة اقتصادية عالمية زاد من وطأتها فايروس كورونا.

ويقول جريج سي برونو مؤلف كتاب “البركات من الصين” الذي يتناول استخدام القوة الناعمة الصينية في الصراع داخل التبت، إنه لا يمكن لأحد إنكار مسألة أن مستقبلا تقوده “القوى الوسطى” يعُد استباقا للأحداث ودون دعم الولايات المتحدة والصين ستكون لدى القوى الوسطى إمكانيات محدودة لمواجهة أي ظروف اقتصادية عالمية قد يتسبب فيها الوباء.

ويؤكد برونو محرر للرأي في صحيفة ذا ناشيونال ومقرها أبوظبي أنه إذا لم تقم دول مثل فرنسا وألمانيا والهند واليابان بتكوين شراكات قوية متعددة الأطراف فإن تراجع القوى العظمى من الممكن أن ينتج عنه سيناريو يصعب معه تحديد المسؤوليات على المستوى الدولي.

وتجمع التقارير العالمية على أن الحرب التكنولوجية على شركات تيك توك ووي تشات وهواوي تختزل المناوشات التجارية الأميركية مع بكين والانتقادات الأوروبية للحكومة الشيوعية، إضافة إلى موجة قلق عالمي من هيمنة الصين على صناعة معدّات وأجهزة الاتصالات وتقدّمها المتسارع على جبهة الذكاء الاصطناعي.

نزاع تجاري مرير قائم منذ أكثر من عامين بين الولايات المتحدة والصين
نزاع تجاري مرير قائم منذ أكثر من عامين بين الولايات المتحدة والصين

ويرى محللون في وكالة بلومبرغ أنه إذا لم يُسمح لهذه الشركات في المقابل بالتوسع عالميا، فمن الممكن أن تجد الصين نفسها عالقة في فقاعة غير قادرة على المنافسة بصورة متزايدة.

ويعتبر ذلك أمرا خطيرا للغاية بشأن متاعب التطبيقات الإلكترونية الصينية تيك توك ووي تشات، بالإضافة إلى شركات مثل شركة هواوي العملاقة في مجال الاتصالات.

وكان ترامب قد أصدر الخميس الماضي أوامر تنفيذية تمنح أي شخص يخضع للسلطة القضائية الأميركية، مهلة مدتها 45 يوما، للتوقف عن التعامل مع شركة بايت دانس المحدودة، وهي الشركة الأم لشركة تيك توك ومقرها بكين، بالإضافة إلى عملاقة الإنترنت تينسنت هولدينغز المحدودة في المعاملات المتعلقة بتطبيق وي تشات.

واعتبر الأمر تطبيق تيك توك “تهديدا” للأمن القومي الأميركي، واستشهد بجمع البيانات تلقائيا بواسطة تطبيق التواصل الاجتماعي الشهير الذي يركز على الفيديو.

وجاء في الأمر أن “جمع البيانات هذا يهدد بالسماح للحزب الشيوعي الصيني بالوصول إلى المعلومات الشخصية وممتلكات الأميركيين. ويجب على الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات حازمة ضد مالكي تيك توك لحماية أمننا القومي”.

وتهدف شركة مايكروسوفت إلى شراء عمليات تيك توك في الولايات المتحدة قبل الموعد النهائي. ودعم ترامب الخطوة التي اتخذتها شركة البرمجيات العملاقة التي يقع مقرها في سياتل. ويأتي ذلك بعد فرض حظر تام على تطبيقي تيك توك ووي تشات في الهند.

وتظهر قسوة الحظر الغربي على الصين حينما صارت المملكة المتحدة في الشهر الماضي أحدث دولة تمنع هواوي من استخدام شبكات اتصالات من الجيل الخامس. ويبدو أن إدارة ترامب عازمة على المضي قدما إلى ما هو أبعد من ذلك.

وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قد أعلن في الأسبوع الماضي عن مبادرة تشير إلى أن الهدف النهائي للإدارة الأميركية هو محو التكنولوجيا الصينية من شبكات الاتصالات الأميركية بالكامل.

وذكرت بلومبرغ أنه في الداخل، ضخت الصين المليارات من أجل دعم القطاعات المفضلة، بداية من الرقائق وصولا إلى السيارات الكهربائية، في محاولة للتشجيع على الاكتفاء الذاتي وبناء قوة تكنولوجية رائدة.

متاعب التطبيقات الإلكترونية الصينية
متاعب التطبيقات الإلكترونية الصينية

ويرى تيار فكري أن فرض المزيد من الضغط الغربي لن يؤدي إلا إلى تسريع وتيرة التقدم التكنولوجي للصين، حيث تعمل بكين على مضاعفة هذه البرامج التي تقودها الدولة، وتشعل الحماس القومي بين رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا.

ولكن ذلك يتجاهل حجم ما سوف تخسره الصين إذا لم يعد بإمكان شركاتها الوصول إلى الأسواق العالمية. وقد استفادت الاقتصادات الناشئة الأخرى التي صارت من بين دول العالم الغنية، بشكل كبير، من تنافس شركاتها في الخارج.

ومن الواضح أن الحاجة إلى التواجد العالمي لا تقل أهمية في العصر الرقمي عن الصناعة، كما أن الوصول إلى الجمهور الدولي يوفر فرصا للتطبيقات من أجل جمع عدد أكبر من المستخدمين، وبالتالي عرض الإعلانات، والأهم من ذلك أنه يوفر البيانات التي تعتبر شريان الحياة للجديد بالنسبة للتكنولوجيا الجديدة، ويبدو أن المستثمرين يفكرون بذلك
الطريقة.

ومع أن السوق المحلي الصيني ضخم للغاية حتى أنه يمكنه الحفاظ على شركات التقنية واسعة النطاق التي لا تستطيع الاقتصادات الصغيرة الحفاظ عليها، لكن قد تواجه الشركات عقبات مستقبلية تجعلها في حيرة من أمرها للدخول إلى الأسواق العالمية في المستقبل.

ويرجح المتابعون للحرب التكنولوجية القائمة بين الولايات المتحدة والصين أن تعمل شركة بايت دانس بصورة مستقرة بفضل مشتركيها البالغ عددهم أكثر من 400 مليون مستخدم الذين يستخدمون تطبيق دوين لمشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة، وهو النسخة الصينية من تطبيق تيك توك الشهير.

إذا لم يُسمح للشركات الصينية بالتوسع عالميا فمن الممكن أن تجد بكين نفسها عالقة في فقاعة غير قادرة على المنافسة

ويعتبر أحد أسباب حفاظ الولايات المتحدة على هيمنتها حتى في ظل تراجع حصتها من النشاط الاقتصادي العالمي، هو أن العالم ما زال يستخدم تطبيقات أميركية على أجهزة تعمل بأنظمة تشغيل ورقائق أميركية.

وفي حال تم استبعاد الشركات الصينية من الأسواق الكبرى في الخارج، فإنه من الممكن أن تتعثر الصين بوصفها قوة تكنولوجية من الدرجة الثانية، غير قادرة على وضع معايير لبقية العالم.

ولدى المراقبين قناعة بأن هدف الحكومة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال التكنولوجيا لن يؤدي إلا لمزيد من الضغط على الشركات من أجل شراء المنتجات المحلية، حتى في ظل وجود المنتجات الأجنبية الأكثر تطورا.

كما ستواجه الشركات الصينية في ظل عدم وجود أسواق خارجية، المزيد من تكاليف البحث والتطوير المرهقة، ما يجعلها تدخل في متاهة من العراقيل التي قد لا تساعدها على تحقيق أهدافها.

6