التكنولوجيا تزحف على عادات وتقاليد رمضان في السعودية

رمضان يختلف عن بقية أشهر السنة إذ يعود فيه الاجتماع حول مائدة إفطار غنية بالطعام التقليدي كما تعود أجواء السهر واللعب، لكن ورغم حرص الصائمين على التمسك ببعض العادات الجميلة تسعى التكنولوجيا لمنافسة هذه العادات وإبعادها من الأجواء الرمضانية؛ منها السحور والمدفع والألعاب الشعبية وحتى التهنئة التي كانت فرصة للقاء الأقارب الذين لم يلتقوا منذ مدة.
الاثنين 2017/06/19
رمضان كريم.. رسالة واحدة إلى الجميع

الرياض - في ظل متغيرات العصر وظروفه المتسارعة، أخذت الكثير من العادات الرمضانية المتوارثة في المجتمع السعودي على غرار المجتمعات الأخرى، طريقها إلى الاندثار والخفوت، منها المعايدة بشهر الصيام التي أصبحت مقتصرة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتراجع التدريجي لالتفاف العائلات السعودية الممتدة واجتماعها في مجالس عائلية تتقاسم عبق رمضان وأجواءه الروحانية، والسهرات في الحي والألعاب الشعبية.

ويرى البعض أن للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي الأثر البالغ في الاستغناء عن عادات خلدت في الزمن وأبت النسيان أمام زحف أنماط عيش جديدة قلّ فيها التواصل وتقديم التهاني بمناسبة شهر الصيام بين الأهل والجيران، واستبدلت الزيارات في الأيام الأولى من شهر الصيام بالرسائل النصية عبر تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة أو عبر الهواتف الذكية.

وأصبح السعوديون يعتمدون بشكل كبير على التهنئة بحلول شهر رمضان عبر الفيسبوك وتويتر وواتساب وغيرها، ذلك أن كتابة تهنئة واحدة تصل للجميع وتريح من عناء التهنئة الفردية.

ويرى عشاق مواقع التواصل الاجتماعي أن الرسائل الرمضانية لها طابع مميز ومحبب إلى النفس، خاصة إذا كانت مرفوقة بدعاء وأغان وصور تتعلق بالشهر الكريم فتدخل المزيد من البهجة والسعادة إلى جميع القلوب.

ويقول الشاب مهند من الرياض إنه يحرص على تهنئة العائلة والأصدقاء والأقارب برمضان والأعياد، وساعدته مواقع التواصل الاجتماعي والهاتف على اختصار المسافات بل اختصار الميساجات أيضا، قائلا “أصبحت لا أتكبد عناء الذهاب إلى الأصدقاء أو الأقارب من أجل تهنئتهم شخصيا، بل أكتفي بإرسال ‘أس أم أس” عبر الهاتف أو الواتساب، أو عن طريق بث تغريدة على تويتر أو فيسبوك، كما أقوم بتهنئة المقربين من الأصدقاء عن طريق الصوت والصورة عبر تطبيق السناب شات الذي أصبح يفي بالغرض”.

ويؤكد رياض وجوب توظيف التقنية الحديثة وتسخيرها في خدمة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية بين الناس، خصوصا وأن بعض هذه الوسائل تتيح تقديم التهنئة بشكل أسرع وأجمل وألطف بعيدا عن التقليدية.

على الرغم من اندثار بعض العادات يحرص السعوديون على إحياء رمضان بالكثير من الطقوس الخاصة به

وعلى الرغم من اندثار بعض العادات المحمودة لدى غالبية السعوديين، يعتقد خالد أبوعبدالرحمان (41 سنة) من جهته أن دخول عادات جديدة إلى الأجواء الرمضانية في المجتمع السعودي، أسهم بدوره في تعزيز العلاقات الاجتماعية، ومن تجليات ذلك تبادل التهاني والأماني من خلال برامج التواصل الاجتماعي.

واعتبر أبوعبدالرحمن أن هذه البرامج “تحافظ على تواصل أفراد الأسرة والجماعة الممتدة، فضلا عن أنها تسهم في توسيع وانتقاء شبكة المعارف والأصدقاء”، مؤكدا أن شبكات التواصل الاجتماعي مفيدة اجتماعيا وغير مكلفة ماديا.

ويقول المختص الاجتماعي أنس عاشور إن الزمن تغير وتغيرت معه العلاقات وطرق التواصل بين أفراد المجتمع الواحد، فقد ألغى الشباب الطرق التقليدية في التهنئة بالمناسبات وأصبحوا يتداولونها باقتراب رمضان عبر السناب شات والواتساب ومواقع التواصل الاجتماعي، معلنين أن التقنية الحديثة تفرض نفسها ولا مجال للتراجع عن لغة العصر، فقد استبدلت الصور التي كانت تزين مغلفات الرسائل إلى صور حديثة تحكي الواقع لحظة بلحظة، الأمر الذي اعتبره الشباب طريقة أفضل للتواصل مع الأهل والأصدقاء.

مائدة إفطار الحي

الوسائل الحديثة أصابت العلاقات بين الأهالي والجيران بالبرودة والفتور، فمائدة إفطار الحي التي كان يشترك فيها الجيران بإعداد وجبات متنوعة ليفطروا معا على مائدة واحدة، استبدلت هذه الأيام بوضع إعجاب على ما ينشر من صور للطعام في مواقع التواصل الاجتماعي! ويستحضر محمد أبوالفاضل (39 سنة) من سكان الرياض حميمية الأجواء الرمضانية ودفئها وسط العائلة والجيران في ذكريات يقول إنها تعود إلى 20 سنة أو أزيد، عندما كان الجيران في حارته الشعبية يجتمعون حول مأدبة إفطار أو سحور في بيت واحد، فيما يختلف الأمر اليوم جملة وتفصيلا، حيث “قل اجتماع الجيران بسبب التكاليف والرسميات”.

وكان السعوديون يجتمعون كل يوم من أيام رمضان في بيت واحد من العائلة أو الجيران بشكل دوري، بادئين بكبير العائلة لتناول الإفطار.

واعتاد السعوديون على تناول التمر والرطب والماء في الإفطار، ويسمّونه “فكوك الريق”، وبعد صلاة المغرب ينطلق الجميع لتناول وجبة الإفطار الأساسية، التي يتصدّرها طبق الفول المدعوم بالسمن البلدي أو زيت الزيتون، حيث لا ينازعه في هذه الصدارة طعام غيره، ولا يقدَّم عليه شيء.

ويقول محمد العمري مسترجعا ذكريات الماضي، “إن ما كان يميز رمضان، تلك العادات التي كنا نستمتع بها ونحن صغارا عندما نذهب مع آبائنا إلى الجيران في ما كان يسمى ‘الشبه’، وهي عادة درج عليها سكان الحي حيث تكون وجبة رمضان في كل يوم في بيت من بيوت الجيران وقد كان الجميع يستمتع بهذه الأجواء الأسرية بين سكان الحي الواحد”.

ويقول العمري إن رمضان الزمن الماضي كانت له نكهة خاصة لما فيه من التواصل بين أهل الحي الذين تربطهم أواصر اجتماعية قوية وكانوا يحتفلون بقدوم رمضان ويلتفون حول بعضهم يتبادلون التهاني، “أذكر أن عادة تبادل الطعام في رمضان كانت بين الأسر حيث تقوم كل أسرة بتبادل الطعام والأكلات الرمضانية مثل السمبوسك والقطايف والأكلالت التقليدية المعروفة مع الجيران، لكن عجلة الحياة غيرت طبائع الناس واندثرت الكثير من العادات والتقاليد”.

طقوس لا تندثر

ومن الأكلات الشائعة التي تضمّها مائدة الإفطار إلى جانب طبق الفول، “السمبوسك” وهي عبارة عن عجين محشوّ باللحم المفروم، و”الشوربة” وخبز “التيمس” وغير ذلك من الأكلات التي اشتهر أهل المملكة بصنعها في هذا الشهر الكريم.

وقبيل صلاة العشاء والتراويح يشرب الناس الشاي الأحمر، ويطوف أحد أفراد العائلة وخصوصا عندما يكون في البيت ضيوف بمبخرة على الحاضرين.

وبعد ذلك يجتمع الناس عادة كل ليلة في أحد البيوت، يتسامرون لبعض الوقت ثم ينصرفون للنوم، وينهضون عند موعد السحور لتناول الطعام الذي يتميّز بوجود “الخبز البلدي”، “السمن العربي”، “اللبن”، “الأرز” و”الدجاج” وغيرها من الأكلات الشعبية.

المدفع والمسحراتي

من العادات التي أصبحت أثرا بعد عين، ولا تزال عالقة في ذهن محمد أبوالفاضل، “تبخير المستكة والأكواب قبل الأذان كي تحتفظ بالرائحة إلى حين وقت الإفطار، وهي أجواء جميلة اختفى معها أيضا سماع مدفع الإفطار، الذي كان يخلف تأثيرا كبيرا في نفوسنا”.

أبوالفاضل يتذكر كيف كان المدفع في رمضان صحبة مؤنسة للكبار، ينتظره الصغار بكل فرح ويتابعون كيف يخرج من مخزنه ليتم تجهيزه ويظلوا يتابعونه طيلة ثلاثين يوما ليرجعوا مسرعين للحاق بالإفطار.

ويتابع الصائمون صوت المدفع لبدء إفطارهم لأن الأذان في المساجد لا يسمعه إلا القليل من الناس القريبين من المسجد حيث لا توجد مكبرات للصوت في تلك الأيام، بل إن المؤذنين لا يرفعون الأذان في المساجد إلا بعد سماعهم صوت المدفع.

ويطلق المدفع طلقته الثانية نحو منتصف الليل وهي الطلقة التي تنبه النساء في بيوتهن لإعداد السحور، أما الطلقة الثالثة فهي للتحذير باقتراب خروج وقت السحور، والطلقة الرابعة للإمساك وتكون قبل دخول الفجر بدقائق معدودة، وهاتان الطلقتان الأخيرتان يسمونهما “مدافع الشـّكلة”.

وغاب عن المدن السعودية المسحراتي الذي كان مكلفا بإيقاظ الصائمين لتناول السحور بالتهليلات والأناشيد الدينية، والضرب على الطبل، ولم يبق منه إلا الذكريات للأجيال التي عايشت تلك العادات. وبدأ اندثار المسحراتي بشكل تدريجي مع ظهور الهواتف الذكية التي أصبحت تشتمل على برامج الأذان والسحور، بما فيها صوت المسحراتي.

ورغم ظهور الأجهزة الذكية والمنبهات القادرة على إيقاظ الناس، يفضل السعوديون وخاصة المتقدمون في العمر سماع طبلة وصوت المسحراتي في ليالي رمضان ليوقظ فيهم ذكريات الزمن الجميل حين كانوا أطفالا يطلّون من النوافذ لرؤية المسحراتي، وهو يمسك طبلته، ويبادلونه التحية والسلام والتهنئة بالشهر.

واعتاد المسحراتي في الأحياء والمدن الصغيرة، أن ينادي الأهالي بأسمائهم، وهو يطرق عليهم أبوابهم أو نوافذهم، ولا يتركهم إلا بعد أن يتأكد من استيقاظهم بالفعل، وكان لكل حيّ مُسحِّر خاص به، ومع النمو السكاني وكثرة عدد السكان، ومع قلة عدد المُسحِّرين، اكتفى أغلبية المُسحِّرين بأن ينادوا بذكر بعض العبارات التي تُذكّرهم بتقوى الله، وتدعوهم إلى التخلي عن النوم والاستيقاظ لتناول السحور.

ألعاب تقليدية اندثرت

يزداد الإقبال على الألعاب الشعبية في رمضان على اعتبار أن أطول فترة هي المساء، حيث يسهر الناس، مما يتيح فسحة من الوقت للعبها، لكن هذه الألعاب باتت مهددة بسبب الألعاب الإلكترونية التي استحوذت على عقول الشباب والأطفال.

السعوديون يعتمدون بشكل كبير على التهنئة بحلول شهر رمضان عبر الفيسبوك وتويتر وواتساب ذلك أن كتابة تهنئة واحدة تصل للجميع وتريح من عناء التهنئة الفردية

وقد أسهمت الألعاب الشعبية القديمة بشكل رئيسي وفاعل في تقوية الروابط الاجتماعية وبث روح الألفة بين أبناء الجيران من الأطفال والشباب، وساعدتهم على تمضية أوقات فراغ مليئة بالأنس والمحبة، لأنها كانت تمثل التسلية الوحيدة لهم لانعدام أماكن الترفيه في الماضي، كما أسهمت هذه الألعاب في المحافظة على التراث الشعبي من الاندثار بوصفه من الموروثات الشعبية، التي تتوجب المحافظة عليها في الوقت الحالي.

وقال أحد المهتمين بالألعاب الشعبية القديمة محمد بن إبراهيم الحواس إن عدد الألعاب القديمة يتجاوز الثلاثين لعبة، بعضها مخصص للأولاد وبعضها الآخر للبنات، ومعظمها يحتاج إلى الحركة والخفة والقدرة البدنية والذكاء ومنها لعبة “طاق طاق طاقيه.. رن رن يا جرس” ولعبة “شد الحبل” ولعبة الكيرم.

وأمام اجتياح عالم الألعاب الإلكترونية البيوت والمحلات، بدأت الألعاب الشعبية التي اعتاد أن يمارسها الأطفال تتراجع، ولم يبق إلا القليل من الأطفال والبنات الذين يستمتعون بنكهتها الخاصة من جيل اليوم.

ويبيّن أحد المهتمين بالتراث الشعبي في السعودية أن التكنولوجيا ثورة من حيث الشكل وليس المضمون، فهي من الممكن أن تنقل أسلوبا حديثا للتراث الشعبي، ولكنها لا تغيّر منه، مؤكدا أن مهما يحدث من تطور هائل في التكنولوجيا وتقديم ألعاب جديدة تتمحور حول المؤثرات السمعية والبصرية، فإن هذه الألعاب لن تضاهي في متعتها حميمية صراخ الأطفال ولعبهم في ساحات الحي والحارات.

ويجمع الخبراء في علم الاجتماع على أن “أول مظهر سلبي للألعاب الإلكترونية يتجلى في الفردية والعزلة، وهي مسألة خطيرة، على عكس الألعاب الشعبية التي تعلم الطفل أن هناك دائما أحدا آخر، لديه حقوق وعليه واجبات، كما تعلّمه النظر إلى الأمور من عدة زوايا.. فما قد يعتبره هو تعدّيا عليه مثلا، قد يراه الآخر مجرّد مزاح، فيبدأ الطفل في تعديد زوايا نظره للحياة”.

متعة اللعبة الشعبية

يؤكد الاختصاصيون “أن الألعاب الشعبية فيها الكثير من الحوار والكلام والصراخ، والصراخ مهم جدا للأطفال، حيث يخرج الطفل الكثير من الأشياء التــي تعتـمل داخله، والطفـل المدمن على الألعـاب الإلكترونية يفاجئ والديه من حين إلى آخر بصرخة غير مبررة، والحقيقة أنه يحاول أن يخرج ما يشعر به من خلال ذلك التصرف”.

البنات أيضا بدأن يعزفن عن الألعاب الشعبية مثل لعبة “حدرجا بدرجا” و”طار الطير”، حيث كانت البنات الصغيرات يجتمعن بشكل دائري متقاربات من بعضهن البعض ويتم اختيار واحدة منهن، فتقول “طار الطير” فيقلن “طار”، ثم تحاول لخبطتهن بالجمادات التي لا تطير، والبنت التي تخطئ تخرج من اللعبة.

وعلى الرغم من اندثار هذه العادات المحمودة لدى غالبية السعوديين، يحرص المجتمع السعودي، كجميع المجتمعات الإسلامية، حرصا شديدا على إحياء شهر الصيام بالكثير من الطقوس والتفاصيل الخاصة به، كالتراحم والتواصل الاجتماعي وسط أجواء روحانية تلقي بظلالها على مظاهر الحياة في المملكة التي تزدان بأبهى حللها وأنصعها ضياء وإشراقا.

وتوهجت أحياء المدن العتيقة كالدرعية في الرياض بالفوانيس والأشرطة المضيئة، كما تزينت الشوارع بالأهلة والنجمات المتلألئة على أبراج المدن الكبرى.

20