التكنولوجيا تسهم في الحفاظ على البيئة.. وتدمرها

بيل غيتس يدعو إلى السماح للعلم والابتكار بقيادة الطريق.
الاثنين 2020/08/10
مدن المستقبل تستعين بالتكنولوجيا لمواجهة مشكلة التلوث

لا يمكن أن نتعامل مع التكنولوجيا بوصفها عدوا للإنسان، لأن الإنسان الذي يدفع حياته أحيانا ثمنا لها، يوظفها أيضا للحفاظ على حياته وتحسين ظروفه. وإن كنا اليوم نتحدث عن خسائر مادية يجب أن لا ننسى الحديث عن أرباح هائلة لم يسبق للبشرية أن خبرتها تقف التكنولوجيا وراءها.

التكنولوجيا وفق الكثير من البشر متهمة بتفشي فايروس كورونا وتحويله إلى جائحة، ويرى هؤلاء أنه لولا وسائط النقل السريعة لما انتشر الفايروس بهذه السرعة، ولتمت السيطرة عليه في مهده.

هذا الكلام مردود عليه، فقد سبق للبشرية أن تعرضت لأوبئة سبقت عصر التكنولوجيا والثورة الصناعية، وانتقلت من بلد إلى آخر، مسببة خسائر في الأرواح خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا.

قول هذا لا يلغي أن للتطور التكنولوجي وجها سلبيا، دفع عملاق التكنولوجيا الرقمية، بيل غيتس، إلى التحذير من عواقب تترتب على إساءة استخدام منتجات العصر الحديث.

هل القادم أسوأ؟

آخر هذه التحذيرات التي أطلقها عملاق مايكروسوفت، قال فيها إن العالم سيواجه أزمة بيئية تكون تداعياتها أسوأ من أزمة فايروس كورونا المستجد.

دعونا نذكر بتحذير آخر أطلقه غيتس، قبل ظهور فايروس كورونا في مدينة ووهان الصينية بعام كامل، محذرا من وباء يتسبب فيه فايروس، والغريب أن غيتس توقع أن يظهر الوباء وينتشر من الصين، تحديدا، وليس من أي مكان آخر.

التوقع وصل حد النبوءة، ولكن غيتس ليس منجما بالتأكيد ولا عرافا. استندت نبوءة عملاق مايكروسوفت على معطيات علمية، قال بناء عليها إن العالم سيخسر 33 مليون شخص، ورغم أن الأرقام التي تحدث عنها قد يكون مبالغ فيها، إلا أن المخاوف من الجائحة لم تختف بعد، ومازال العالم يخشى تزايدا في الإصابات والوفيات.

بيل غيتس: مستقبل البيئة والبشرية رهن انبعاثات الكربون
بيل غيتس: مستقبل البيئة والبشرية رهن انبعاثات الكربون

نفى غيتس، الذي كان يتحدث وقتها في مؤتمر استضافته الجمعية الطبية في ولاية ماساتشوستس، أن يكون متشائما، بل أكد على العكس أنه متفائل، لكنه يخشى وجود مجال واحد لم يحقق فيه العالم الكثير من التقدم، هو “الاستعداد للوباء.. في حالة التهديدات البيولوجية، هذا الإحساس بالإلحاح غير موجود.. وعلى العالم أن يستعد للأوبئة بنفس الطريقة الخطيرة التي يستعد بها للحرب”، وذلك وفقا لتقرير نشرته صحيفة (ذا صن) البريطانية حينها.

وخلال المؤتمر، كشف غيتس عن دراسة شاملة قام بها معهد نمذجة الأمراض، أوضحت مدى سرعة انتشار مرض جديد، وكيف يمكن أن يحدث انتشار محتمل لفايروس في الصين بسرعة في جميع أنحاء الأرض.

لم يكن هذا هو التحذير الأول حول تلك الأزمات المنتظرة، فقد حذر في وقت سابق، رئيس مركز الحساسية والأمراض المعدية في الولايات المتحدة، أنتوني فاوتشي، من أوبئة آتية لا محالة، من خلال مقابلة مع صحيفة “بوليتيكو”، وعبّر فيها عن قلقه من مجيء فايروسات وأوبئة، غير كورونا الذي لا يزال يُمثل تهديدا عالميا.

عرض تلك الحقائق يستوجب أن نتعامل مع التحذير الجديد الذي أطلقه، غيتس في مدونته قبل بضعة أيام، بجدية مطلقة، سواء كنا أفرادا أو حكومات. كتب غيتس قائلا إنه “مهما كان الوباء مروعا، قد تكون تغيرات المناخ أسوأ من ذلك، وإذا لم يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة، فقد يكون التأثير أكثر تدميرا”.

وحث غيتس الحكومات على معالجة تغير المناخ بنفس قدر اهتمامها بمعالجة واستيعاب أزمة فايروس كورونا. مؤكدا أن التغيرات المناخية ستتسبب خلال عقود قريبة بأزمة كبرى.

وأشار إلى أن نسبة الوفيات جراء فايروس كورونا بلغت 14 وفاة لكل 100 ألف من السكان. وبحلول نهاية القرن، إذا استمر معدل نمو الانبعاث في مساره الحالي، فإننا قد نواجه 73 حالة وفاة إضافية لكل 100 ألف شخص، بسبب ارتفاع درجات الحرارة عالميا.

نسبة الوفيات جراء ارتفاع درجات الحرارة على الأرض، وفق غيتس، ستكون مشابهة للسنوات الـ40 القريبة، ولكنها ستزيد عنها بخمسة أضعاف بحلول عام 2100.

على الرغم من أن هذا الوباء قاتل، إلا أن تغير المناخ يمكن أن يكون أسوأ.. إذا كنت تريد أن تفهم نوع الضرر الذي سيحدثه تغير المناخ، فابحث عن تداعيات فايروس كورونا المستجد.. حيث أن الخسائر في الأرواح والبؤس الاقتصادي الناجم عن الوباء يتساويان مع ما سيحدث بانتظام إذا لم نتخلص من انبعاث الكربون في العالم.

دروس كورونا

أنتوني فاوتشي: هناك أوبئة أكثر خطرا من كورونا آتية لا محالة
أنتوني فاوتشي: هناك أوبئة أكثر خطرا من كورونا آتية لا محالة

ما يجب التركيز عليه وفق ما كتبه غيتس، هو حقيقة يدركها الجميع، وهي أن مستقبل البيئة، وبالتالي مستقبل البشرية، رهن انبعاثات الكربون، بعبارة أخرى البشرية تدفع ثمن التطور التكنولوجي الذي رافقها منذ الثورة الصناعية واختراع المحرك الانفجاري.

إن كنا قد دفعنا ثمنا باهظا في حالة كورونا، لأننا لم نستمع إلى نصائح قدمت لنا، إلا أننا عدنا واستخدمنا نفس التطور التكنولوجي للسيطرة على الوباء وتقليص الخسائر البشرية في الأرواح.

الخسائر لا تقتصر على الأرواح، هناك انعكاسات مريرة أيضا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لشريحة واسعة من سكان العالم. ولكن مصائب هؤلاء، هي مكاسب لآخرين، حققوا أرباحا هائلة. إن كان العالم يعاني اليوم، فهو يعاني من زيادة حجم الأموال وليس من نقص فيها.

والنقطة الأساسية، حسب غيتس، “ليست في أن تغُير المناخ سيكون كارثيًا، بل النقطة الأساسية هي إن نحن تعلمنا دروس كورونا، يمكننا التعامل مع تغير المناخ بمزيد من المعلومات حول عواقب عدم اتخاذ أي إجراء، وأكثر استعدادًا لإنقاذ الأرواح ومنع أسوأ نتيجة ممكنة، ويمكن للأزمة العالمية الحالية أن توجه استجابتنا للأزمة التالية”.

من هذا المنطلق دعا غيتس، إلى ضرورة تخفيض انبعاث الغازات المتسببة بالاحتباس الحراري، والاعتماد على الابتكارات العلمية للرقابة، لمواجهة تغيرات المناخ، محذرا من أنه ليس هناك متسع من الوقت أمام البشرية ويجب اتخاذ خطوات عاجلة.

وفق غيتس، نحن بحاجة إلى السماح للعلم والابتكار بقيادة الطريق، وإيجاد الحلول الضرورية، مثل مصادر أنظف للطاقة وأدوات أخرى خالية من الكربون، والتي تعمل ليس فقط مع القوى العالمية، ولكن أيضًا للدول النامية.

القرار بيد البشر

البشرية تدفع ثمن التطور التكنولوجي
البشرية تدفع ثمن التطور التكنولوجي

مقولة “التكنولوجيا سلاح ذو حدين”، تعبر بصدق عن الأوجه المختلفة لتأثير التكنولوجيا في حياة الإنسان، سلبا أو إيجابا، وهي مقولة تنسحب أيضا على تأثير التطور العلمي الذي وصل له العالم على البيئة، سواء في الحفاظ عليها أو تدميرها.

على البشر تقديم الشكر للتكنولوجيا لدورها في الحفاظ على البيئة، وفي الوقت ذاته صب لعناتهم عليها لأثرها الملوث والمدمر لها أحيانا.

ولعل أبرز الأدوار الإيجابية التي تلعبها التكنولوجيا في الحفاظ على البيئة، إعادة تدوير المخلفات واستغلالها إما في تصنيع مواد أخرى مفيدة، أو في إنتاج الطاقة.

وترتبط قدرة الدول على إعادة التدوير أساسا بتقدمها وتطورها، فعلى سبيل المثال يوجد بدول الاتحاد الأوروبي أكثر من 50 في المئة من الصناعات التي تعيد تدوير المخلفات في العالم، ويعمل في هذا المجال أكثر من 60 ألف مصنع ونحو نصف مليون موظف.

وفي عام 2013، بلغ حجم ما تعيد تدويره تلك الصناعة في دول الاتحاد بحوض المتوسط 39 في المئة من المخلفات، علما بأن هذه النسبة تصل إلى 65 في المئة في دول شمال أوروبا.

ولكن، فاتورة التكنولوجيا تجاه البيئة في جانبها السلبي تبدو باهظة، فعلى سبيل المثال يموت نصف مليون شخص سنويا في الصين، بسبب التلوث الناجم عن الدخان المتصاعد من المصانع والسيارات، رغم سعي بكين الحثيث لاحتواء المشكلة.

والصين إحدى القوى الصناعية العظمى في العالم، لكنها على الجانب الآخر واحدة من أكثر الدول معاناة من التلوث أيضا.

من المؤكد أن تأثيرات تغير المناخ ستكون أقسى من مأساة فايروس كورونا المستجد، ولكنها كما يقول غيتس ستكون أكثر سوءا بالنسبة للأشخاص الذين قصروا في استيعاب تلك الأزمة ولم يتعاملوا معها بشكل واضح وجاد، والدول التي تساهم أكثر من غيرها في هذه المشكلة تتحمل مسؤولية محاولة حلها.

وكانت دراسة علمية، نُشرت في مايو الماضي، خلصت إلى أن ما يقرب من ثلاثة مليارات شخص سيعيشون في مناطق، وصفت درجات الحرارة فيها بأنها “غير قابلة للحياة” بحلول عام 2070.

وأوضحت الدراسة أنه سوف يعاني كثيرون من متوسط درجات حرارة التي ستفوق 29 درجة مئوية، إذا لم تتراجع نسبة انبعاث الاحتباس الحراري.

استخدام التكنولوجيا، سواء بالسلب أو الإيجاب، هو قرار يرجع في النهاية إلى البشر، سواء كانوا أفرادا أو حكومات.

12