التكنولوجيا تصنع أدبا جديدا

الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم والتي غيرت من ملامحه بشكل جذري، أثرت في كل القطاعات، حتى باتت التكنولوجيا السائد الأول للتاريخ والمستقبل البشريين. والأدب بدوره كسائر الفنون تأثر بشكل بالغ بهذه الثورة التي حولت من وجهه ووجهته.
الأربعاء 2017/03/01
"شات" رواية تفاعلية رقمية

الدار البيضاء - يشهد الزمن الراهن شكلا جديدا في التجلي، بسبب الثقافة التكنولوجية، التي غيرت إيقاع التعاملات الفردية والجماعية، كما تقول الناقدة المغربية زهور كرام، وهذا، في رأيها، ساهم في تحرير الإبداعية الفردية التي وجدت فضاء خصبا لاستثمار رغبة الذات في التعبير. لذا يشهد الأدب ومختلف أشكال التعبير شكلا جديدا من التجلي الرمزي، باعتماد تقنيات التكنولوجيا الحديثة، والوسائط الإلكترونية.

ضمن هذا المبحث، يناقش الناقد والباحث المغربي محمد العنوز في كتابه “تفاعل الأدب والتكنولوجيا” تجربة الروائي الأردني محمد سناجلة في النصوص الرقمية، متوقفا عند أهم خصائص هذا النمط الأدبي الآخذ في الانتشار، ومبينا أبرز سماته من خلال أمثلة تطبيقية.

ويتتبّع الباحث في كتابه الذي صدر عن دار كنوز للمعرفة في عمّان، تأثيرات التكنولوجيا على أشكال الإبداع والتلقي بوصفهما العتبة الأساس التي تمكّن من دراسة وتحليل أدب الواقعية الرقمية، حيث أفرزت العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا ولادة نصوص تقوم على أساس التفاعل والترابط، وتنفتح على وسائط تفاعلية متعددة من مصادر متنوعة كالصوت والصورة والحركة والمشهد السينمائي والتشكيل والرسم والبرامج المعلوماتية، وذلك ضمن رؤية تسعى إلى تجديد الوعي بالنص والإبداع والنقد العربي.

يوضح الباحث دوافع اختياره روايتَي “شات” و”صقيع” لمحمد سناجلة، بأن “شات” هي “الرواية التفاعلية الرقمية التي توظف معطيات عدة من مصادر متنوعة، بدءا بالنصوص (الكلمات) والأصوات والصور والألوان مرورا بالاتصال بشبكة الإنترنت، وانتهاء ببرامج (الفلاش ماكروميديا)، وعليه تصبح الكلمة جزءا من الكل، حيث أصبح من الممكن الكتابة بأشكال أخرى، بالصور والحركة والصوت والمشهد السينمائي”.

وتم اختيار “صقيع” أيضا لأنها تدخل في إطار أدب الواقعية الرقمية، والتي تتفاعل من خلالها الكتابة السردية القصصية مع معطيات من مصادر أخرى.

ويستخدم الباحث المنهج السيميائي لمقاربة موضوعه، دون إهمال المناهج الأخرى الواردة في التحليل.

قسم العنوز كتابه إلى أربعة فصول، تناول في أولها “الأدب التفاعلي الرقمي وآليات اشتغاله” وقدم فيه المفاهيم الأساسية للأدب الرقمي، مبرزا أهم سماته وأنواع نصوصه المترابطة، ووضح فيه التطور الذي عرفته نظرية النص من خلال مجموعة من المفاهيم التي تصف العلاقات الداخلية والخارجية للنص من جهة، ومن خلال علاقتها بتكنولوجيا المعلومات من جهة أخرى.

وحمل الفصل الثاني عنوان “الرواية التفاعلية الرقمية”، وأوضح الباحث من خلاله أن العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا أفرزت نوعا جديدا من النصوص التي تقوم على أساس الترابط والتفاعل وتحديدا الرواية التفاعلية الرقمية التي حدد مفهومها ورصد ظهورها في الأدبين الغربي والعربي، كما قدم أهم سماتها على مستوى البناء واللغة والأسلوب وطبيعة القراءة، وأيضاً الوسائط المتفاعلة التي تستثمرها كأداة للتواصل بين المبدع والمتلقي عبر شاشة الكمبيوتر.

أما الفصل الثالث فقد جاء تحت عنوان “أدب الواقعية الرقمية.. تحليل نماذج” وقسمه الباحث إلى مبحثين: الأول، تناول فيه رواية “شات” لمحمد سناجلة بالدراسة والتحليل، مبينا أن التقنيات البصرية والصوتية المميزة لها، يتطلب تحقيقها التوفر على جهاز كمبيوتر مزود بنظام ‘المالتي ميديا‘ وبرنامج ‘الفلاش ماكروميديا‘ ومتصل بشبكة الإنترنت.

وتناول المبحث الثاني نص “صقيع” بالدراسة والتحليل، وأوضح فيه الباحث أن فعل الكتابة يتحول إلى فعل مشهدي.

ويقدم الباحث في الفصل الرابع والأخير من الكتاب مقارنة بين الأدب الورقي والأدب الرقمي، مبينا نوعية العلاقة التي تربط بين مكونات العملية الإبداعية في طابعيها الورقي والرقمي، وأبرز المواقف المؤيدة والمعارضة للأدب الرقمي.

15