التكنولوجيا تطور اندماج الإنسان مع الآلة

مبتوري الأطراف يعانون من بطء حركة الأطراف الاصطناعية والعلماء يعملون على اكتشاف تقنيات جديدة تريح من هذا العيب الكبير في الأطراف الصناعية.
الأحد 2018/06/10
أطراف اصطناعية تتعامل مع إشارات المخ مباشرة

بوسطن (الولايات المتحدة) - أنتج فريق من الفيزيائيين والمهندسين أطرافا اصطناعية متطورة تشبه الأطراف الطبيعية بإتباع فكرة بارعة، وهي إعادة بناء العلاقة بين العضلات المتضادة التي تعمل معا، مثل عمل العضلة ثنائية الرؤوس والعضلة ثلاثية الرؤوس عندما تحركان الذراع في اتجاهات متضادة، ودمجوا هذه العلاقة العضلية في الأطراف الاصطناعية. وعندما فعلوا ذلك شعر المرضى بالحس العميق، وهو إدراك مكان الأطراف وحركتها دون النظر إليها.

وقالت شريا سرينيفاسان، الباحثة المشاركة في الدراسة في معهد ماساتشوستس للتقنية، أنها سعت إلى إيجاد طريقة أفضل لأداء هذه العملية كي تطور اندماج الإنسان مع الآلة.

وقال أحد المرضى الذي يستخدم قدما اصطناعية يتحكم فيها من خلال دماغه، “إنها تشبه قدمي الطبيعية”، ولا يوجد أي تأخير بين إرسال الدماغ للإشارة العصبية واستجابة القدم الاصطناعية.

وأجرى تايلر كليتيز، قائد الدراسة، وفريقه اختبارات على سبعة أشخاص استفادوا من هذه الأطراف الاصطناعية المتطورة. واستطاعوا أرجحة أقدامهم الاصطناعية وصعود السلالم وأدوا مهام أخرى دون أي تأخير بسبب استجابة أطرافهم الاصطناعية لأوامر أدمغتهم.

ومنذ الستينات حاول العلماء ابتكار أطراف اصطناعية يتم التحكم بها من خلال نبضات العضلات، ولكن وظائفها كانت محدودة، فقد كانت تعمل من خلال تثبيت حساسات على الجلد الخارجي للطرف المبتور عند مكان البتر لتقوم بدورها بالتقاط النبضات الكهربائية التي تتحكم بالطرف الاصطناعي، ولكن هذا يسبب ضعفا في أداء الطرف الاصطناعي ويجعله بطيئا وغير دقيق، ويتطلب الكثير من الجهد والتدريب ليعمل بشكل ملائم.

القوى الذهنية لتحريك الأطراف

خفة الحركة تشبه حركات اليد الطبيعية
خفة الحركة تشبه حركات اليد الطبيعية

في تجربة أخرى حديثة، قام جراحون بكلية طب كيك بجامعة جنوب كاليفورنيا بتركيب قطبين كهربائيين صغيرين في منطقة القشرة الجدارية الخلفية بمخ مريض من لوس أنجلس يدعى إيريك سورتو (34 عاما) كان قد أصيب بشلل رباعي إثر إصابته بطلق ناري عام 2002، ثم تم توصيل الأجهزة التعويضية العصبية بالكمبيوتر لمعالجة البيانات التي يصدرها مخ سورتو لتحديد ماذا يريد على وجه الدقة، ما مكّنه من التحكم في ذراع آلية كانت موجودة على طاولة قريبة، وفي مؤشر فأرة الكمبيوتر.

وقال ريتشارد أندرسون، المشرف على التجربة، والذي يعمل بمعهد كاليفورنيا لتكنولوجيا العلوم العصبية، “تمكن سورتو من تعلّم كيف يمسك بأشياء مختلفة وممارسة ألعاب الفيديو أو يرشف مشروبا”.

وأوضح أندرسون أن منطقة القشرة الجدارية الخلفية بالمخ مصدر خصب للإشارات يمكن استخدامه لتحديد أغراض شخص مشلول، مضيفا، أنه يمكن الاستعانة بهذه الإشارات للتحكم في روبوت ذكي وأجهزة كمبيوتر لتحديد تفاصيل الحركة أو أجهزة خارجية مثل الذراع الصناعية.

وتمثل التجربة الجديدة خطوة جيدة في أبحاث الأطراف الاصطناعية، لأنها تقترب من الهدف النهائي وهو منح هؤلاء المرضى الاستقلال التام.

وقال، أندرسون، “في السابق كان يجري زرع الأجهزة التعويضية العصبية في منطقة القشرة الحركية، وهي منطقة بالمخ تتحكم مباشرة في حركة الجسم، للمرضى المصابين بالشلل، لكن مع قدرة هؤلاء المرضى على التحكم في الذراع الآلية كانت الحركة تأتي متأخرة ومرتعشة، إلا أن زرع الأجهزة التعويضية العصبية في جزء من المخ يتحكم في الإرادة والحركة جاء بنتائج طبيعية بدرجة أكبر”.

ونجح سابقا علماء أميركيون في التحكم بحركة الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية باستخدام تقنية جديدة تسمح بالتحكم في إرادة الشخص لأداء حركة معينة كأن يحرك مثلا ذراعا صناعية بسلاسة للشرب مثلا أو لتناول الطعام من دون مساعدة من آخرين.

وأوضح العلماء أن التقنية الجديدة، التي تسمح بتوظيف القوى الذهنية لتحريك الأطراف الصناعية، تتضمن زرع أقطاب كهربائية دقيقة في منطقة بالمخ تتحكم بحركة هذه الأطراف والأجهزة التعويضية.

التكنولوجيا تذلل مصاعب حركات الأطراف الاصطناعية
التكنولوجيا تذلل مصاعب حركات الأطراف الاصطناعية

وفي نهاية 2014، أصبح الأميركي ليه بوف، مبتور الذراعين على مستوى الكتف، أول شخص في العالم يستخدم أطرافا اصطناعية، يتم التحكم فيها بواسطة الدماغ.

وكان بوف فقد ذراعيه في حادث قبل 40 عاما، ولكن خبراء في جامعة جونز هوبكنز بولاية ميريلاند الأميركية، تمكنوا من تطوير ذراعين اصطناعيين، يتحكم بهما بمجرد التفكير في الحركة، التي يريدها.

وقد يؤدي التركيز على الجانب البيولوجي في العلاقة بين البيولوجيا والهندسة إلى مستقبل تقل فيه الإعاقة الناتجة عن بتر الأطراف ويستخدم فيه المرضى الأطراف الاصطناعية كي تؤدي الوظائف ذاتها التي تؤديها الأطراف الطبيعية.

وكانت شركة إيسلندية تحمل اسم “أوسور” قد طورت تقنية مماثلة شديدة التطور تمكن مبتوري الأطراف من التحكم في أطرافهم الصناعية بواسطة أفكارهم وعقلهم.

وكشفت الشركة خلال الإعلان عن هذه التقنية النقاب عن ساقين وقدمين صناعيتين يمكن أن يسيطر عليهما المريض بواسطة عقله، باستخدام أجهزة استشعار مزروعة داخل الأنسجة العضلية. وقالت إنه خلال التجارب نجح المرضى في السيطرة على أطرافهم المفقودة بنجاح.

واعتبرت هذه التقنية بأنها المرة الأولى التي يمكن لمبتوري الأطراف السيطرة على أرجلهم لا شعوريا ما يسهل الطريق على العلماء لابتكار أجهزة أكثر تطورا في المستقبل.

وقال أحد المرضى الذين تم اختبار التقنية الإيسلندية معهم ويدعى جودموندور أولافسون، والذي فقد قدمه اليمنى وأسفل الساقين منذ سنوات إثر حادث مروري في مرحلة الطفولة، أن هذه التقنية مكنته من السيطرة على أطرافه الصناعية التي تحمل اسم “بروبريو فوت”، وذلك بعد أن تم استخدام أجهزة استشعار صغيرة تم زرعها جراحيا في الأنسجة العضلية المتبقية فوق الساق في 15 دقيقة، ليتمكن من تحريك قدمه مرة أخرى. وأوضح أن الأمر لم يستغرق سوى 10 دقائق للسيطرة على قدميه.

التقاط ونقل إشارات من المخ

الهدف القادم الأبرز للعلماء تصميم أطراف تستطيع نقل الإحساس بالحرارة والوزن إلى الدماغ واستجابة هذه الأطراف الفورية
الهدف القادم الأبرز للعلماء تصميم أطراف تستطيع نقل الإحساس بالحرارة والوزن إلى الدماغ واستجابة هذه الأطراف الفورية  

في 2017 قال علماء أستراليون إنهم يجرون تجارب على البشر للاستعانة بتقنيات فائقة في تركيب غرسات يمكنها التقاط ونقل إشارات من المخ، بحيث يمكن استغلال هذه الإشارات في المستقبل القريب لتحريك الأطراف الصناعية.

وتمت تجربة هذه الأجهزة المسماة “ستنترود” بالفعل على الحيوانات، والجهاز الواحد منها بحجم عود الثقاب، ويزرع داخل الأوعية الدموية القريبة من المخ. وتستخدم هذه الأجهزة شبكة من الأقطاب الكهربائية الدقيقة لالتقاط إشارات من الخلايا العصبية للمخ وتحويلها إلى أوامر كهربائية.

ويأمل العلماء في أن تتيح هذه التقنية يوما ما للمرضى المصابين بالشلل التحكم في طرف صناعي أو كرسي متحرك.

وقال مدير القسم الطبي في جامعة ملبورن، تيري أوبريان، “الإنجاز الهائل أن لدينا الآن جهاز كمبيوتر بينيا يتم إدخاله بالقرب من المخ بجراحة بسيطة للغاية وهو عملي للاستخدام الطويل المدى”.

ولا يتطلب الجهاز الجديد إجراء جراحة كبيرة، لأنه يتم إدخاله في وريد في عنق المريض قبل تثبيته في وعاء دموي قرب المخ.

وأجريت التجارب على الحيوانات للاطمئنان إلى مدى كفاءة جهاز “ستنترود” الوظيفية في التقاط الإشارات العصبية، وليس في تحويل الإشارات الكهربائية إلى حركة في الأطراف الصناعية.

وقال جانيش نايك، من جامعة التكنولوجيا في سيدني الذي لا يشارك في هذا المشروع، إن التجارب على الحيوانات لا تترجم عادة إلى تجارب ناجحة لدى الإنسان. مضيفا، “إذا عمل كما ينبغي في التجربة البشرية فسيمثل ذلك إنجازا هائلا”.

وقال كلايف ماي، من معهد فلوري لعلوم الأعصاب والصحة العقلية -الذي يعمل في هذا المشروع- إن من بين الاستخدامات المحتملة الأخرى للجهاز مراقبة إشارات المخ بالنسبة إلى مرضى الصرع لرصد نوبات المرض المحتملة، وفي حالة نجاح الجهاز فقد يسمح للمريض بالتواصل من خلال كمبيوتر، مضيفا، “يتعين تدريب الناس على كيفية التفكير السليم حتى يعمل الجهاز على أكمل وجه مثل تعلم العزف الموسيقي، وكل ما هناك هو أن تتعلم على الجهاز ومتى نجحت في ذلك فسيصبح الأمر طبيعيا”.

وشارك في ابتكار الجهاز جامعة ملبورن ومستشفى ملبورن الملكي ومعهد فلوري لعلوم الأعصاب والصحة العقلية، وتشارك حكومة أستراليا في تمويل المشروع إلى جانب الجيش الأميركي الذي من المتوقع استخدامه لخدمة قدامى المحاربين الذين يعانون من الشلل.

رئيس الفريق المسؤول عن تطوير الأطراف الصناعية أكد أن هذه الأطراف تستطيع عبر تقنيتها الجديدة الإمساك بالأشياء بخفة وسرعة كأي طرف طبيعي، وكل ما يتطلبه الأمر “نظرة” سريعة بالكاميرا نحو الجسم المراد الإمساك به.

17