التكنولوجيا تعيد صياغة عادات البشر اليومية

تمكنت التكنولوجيا أخيرا من الهيمنة الكاملة على عقول البشر بدرجة سمحت من خلالها بالسيطرة على عاداتهم اليومية، خصوصا الهواتف الذكية، التي حولت العقل البشري إلى عقل متصل دائما بالإنترنت.
الثلاثاء 2016/08/09
الشاشة تقود العقول

لندن – خلال العقدين الماضيين تمكنت التكنولوجيا بالتدريج من الهيمنة على حياتنا. وإذا استغرق أحدهم دقيقة للتفكير فسيكتشف أنه بات محاطا بعدد لا نهائي من الشاشات الإلكترونية.

وغيرت الهواتف الذكية المتصلة بخدمة واي فاي الطريقة التي يؤدي بها الناس أعمالهم، والطريقة التي يلعبون بها، وحتى أساليب التربية التي يتبعونها مع أبنائهم.

وقد يبدو نظام المكاتب داخل الشركات اليوم غير مألوف بالنسبة إلى الموظفين القدامى، بفعل تنامي العمل عبر البريد الإلكتروني، والشبكة التلفزيونية المغلقة (فيديو كونفرانس) وأجهزة الكومبيوتر المحمول واللابتوب.

ومع مرور الوقت، تصبح أيام البشر متأثرة أكثر فأكثر بالهواتف الذكية على وجه الخصوص.

ويقول تيد غيبسكي، المحلل المتخصص في التكنولوجيا، إن “مبدأ الاتصال الدائم بالإنترنت، والتواصل المستمر بين البشر بدأ يصبح أمرا مزعجا بالنسبة إلى الأجيال الأكبر عمرا، لكن بالنسبة إلى أجيال قادمة، خصوصا في الغرب، لن يكون هناك أي من هذه المخاوف”. وأضاف “طريقة حياتهم المعتمدة بشكل كبير على التكنولوجيا تسببت بالفعل في حدوث الكثير من التغييرات في كلا القطاعين؛ العام والخاص. لن يكون هناك أي إمكانية لتجنب هذا التغيير، ما عدا لو قطع الاتصال بشبكة الواي فاي فجأة”. وتقول تقارير إن ما يقرب من 79 بالمئة من الموظفين في الولايات المتحدة يعملون في شكل فرق افتراضية تعتمد بشكل كبير في التواصل في ما بينها عبر البريد الإلكتروني والرسائل والدوائر التلفزيونية المغلقة.

وأظهر مسح أجرته شركة “بيو” لاستطلاعات الرأي عام 2013 إن 94 بالمئة من الموظفين هناك يستخدمون الإنترنت، بمن فيهم هؤلاء الذين يعملون في وظائف دائمة، أو في وظائف مؤقتة، داخل شركات التكنولوجيا والشركات متعددة الجنسيات بالإضافة إلى الشركات الصغيرة، سواء كانت في المدن الكبرى أو الضواحي أو أي مكان في ما بينها.

جوناثان مارغوليس: المراوغات التي تنبع من قبل الجيل الذي شهد ابتكار البث التلفزيوني في مواجهة الذين ولدوا في العصر الرقمي لن تنفع

التكنولوجيا حياة

يقول جوناثان مارغوليس، وهو محلل التكنولجيا في صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية “التقيت في محل للحلاقة مع داني بيكر، وهو مقدم البرنامج المباشر شو بلاينغ براديو بي.بي.سي 5. ويعكس البرنامج الشخصية الهزلية للسيد بيكر التي تجذب المستمعين والمتصلين”.

وأضاف “كان موضوع البرنامج شيئا من هذا القبيل، ما هي الأخطاء التي لا يمكن تصحيحها؟”. واتصل أحدهم ليقول إنه في أيام نظام “في.أيتس.أس” (نظام الفيديو المنزلي) سجل عن طريق الخطأ برنامج ماتش أوف ذا داي البرنامج الرياضي الذي تبثه قناة بي.بي.سي وان على شريط حفل زفاف ابنته.

وقال “كنت أستمع دون تركيز ولكنني كنت أفكر: هذه ليست مشكلة. كل ما عليه أن يفعله هو الضغط على زري كونترول ثم زد”.

“كونترول” و”زد” هي خلطة السرية. ما يثير الدهشة كيف أن عددا قليلا من الناس يعرفها. ويعمل هذا المزيج على أي لوحة مفاتيح كمبيوتر وفي برنامج مايكروسوفت وورد وبرامج أخرى، ويعكس الأخطاء ويعيدك إلى ما يسبق الخطوة الأخيرة. في حال تم حذف إحدى الفقرات بطريقة غير متقنة؛ “كونترول، زد” يمكن إعادتها بطريقة سحرية.

وإذا قام المستخدم بعملية تناسخ الصفحات على هذا النحو، يمكنه الاستمرار في النقر على “كنترول، زد”، وإعادة الكرة تلو الأخرى، إذا ما قام المستخدم بارتكاب خطأ ما قبل بضع دقائق.

وتحدثت تقارير عدة عن العادات التكنولوجية التي يبدو أنها بالكثير من الدهاء قد غيرت برمجتنا الداخلية. وذكرت التقارير الرغبة العرضية التي جعلت الناس يرفضون التحكم الوهمي عن بعد في المطاعم، أو لمس الوصلة الفائقة غير الموجودة في إحدى المجلات المطبوعة على أمل أن تكون، على غرار ما هو موجود في جهاز الآيباد، لتأخذهم إلى صفحة أخرى.

ويقول مارغوليس “عكفت على تدوين الملاحظات حول العادات التكنولوجية التي قد تكون تسربت إلى مجال نشاطنا خطأ”.

وأضاف “هذه المراوغات تنبع من الجيل الذي شهد ابتكار البث التلفزيوني في مواجهة الذين ولدوا في العصر الرقمي. لو كنت ذكيا، لوددت التفكير في واحدة من تلك الكلمات العصرية المزعجة مثل المجاز أو المعلومات الثقافية لوصف الظواهر الصغيرة المتعلقة بي”.

فتح العين على التكنولوجيا

وضع مارغوليس قائمة يقول إنها عادات لم تتأثر كثيرا بهيمنة التكنولوجيا على الحياة اليومية للبشر.وتشمل القائمة:

* لا يزال تدوين الملاحظات يتم بشكل يدوي في الاجتماعات. بعد بضع صفحات من الخربشة، فإنك تصبح غير مرتاح من عدم حفظ عملك للتأكد من الكتابة، ومواكبة المستجدات.

تيد غيبسكي: التكنولوجيا غيرت حياتنا، ولن تكون هناك أي إمكانية لتجنب هذا التغيير، ما عدا لو قطع الاتصال بشبكة الواي فاي فجأة

* مواجهتك بوثيقة متعددة الصفحات، لن تجعلك صبورا إلى أن تصل إلى الشيء الذي يقلقك. ويدفعك ذلك إلى الغوص على نحو غريزي في صندوق البحث.

* الوثيقة المطولة نفسها. حاول الانتقال إلى الأسفل… قبل أن تدرك أنه لا يمكنك الانتقال إلى الأسفل، إلى نهاية بعض الأوراق.

* وأنت تقود سيارتك من دون ساتناف (تطبيق لحساب الطريق)، ربما تكون السيارة مستأجرة، ربما تكون نسيت تطبيق “توم توم” الخاص بك (وهو تطبيق مخصص لتخطيط الطريق وأنظمة الملاحة وتحديد المواقع)، أو ربما كنت لا تعير اهتماما إلى أنك لا تعرف الطريق، سوف ينتابك نوع من الانزعاج ويسيطر عليك الصمت. لماذا لا تقول أي شيء؟ حقيقة إن السيارات لا يمكنها الحديث وهو شيء لا يخفى عنك.

* هناك صورة في كتاب أو صحيفة، وتريد تكبيرها للتمعن في جزء منها. حرك يدك نحو صفحة، وللقيام بذلك العمل باستخدام إصبعي الإبهام والسبابة لتكبيرها قبل أن تدرك أنك لا تستخدم جهاز الكمبيوتر اللوحي.

* إذا كنت فقدت محفظتك في مكان ما في المنزل، يمكنك أن تجدها من خلال تتبع الصوت النابع منها. عفوا، لا يمكنك ذلك. لأنها ليست هاتفا.

* هناك حالة أكثر تطرفا من فقدان المحفظة. إذا شعرت أنك مشتت بحيث تظن لجزء من الثانية أن البحث على غوغل يمكنك من العثور على المكان الذي تركتها فيه، أو النقر على “كنترول، أف” للعثور عليها.

* بالنسبة إلى حاملي النظارات، إذا انتابك شيء من التشويش وأنت تبحث عن نظاراتك في الصباح، بينما أنت ترتديها. هل تعتقد، الآن أننا في زمن التكنولوجيا عالية الدقة التي توصلت إلى النظارات.

لقد تمكنت التكنولوجيا من تغيير عاداتنا. النقر لتكبير الصورة على جهاز الكمبيوتر اللوحي، على سبيل المثال، لم يكن موجودا قبل ظهور جهاز الآيباد في عام 2010.

لكن هناك جيل اليوم يكبر من أولئك الشباب الذين لا يدركون أن أنظمة الحياة الجديدة هي أنظمة مستحدثة ولم تكن موجودة قبل انتشار التكنولوجيا. وحظي مقطع فيديو على موقع يوتيوب لأطفال يعتقدون أن المجلات عطلت انتشار الآيباد، بخمسة ملايين مشاهدة.

وقال مارغوليس “لقد ناقشت التحولات في هذه الظاهرة التكنولوجية مع آدام غازالي، وهو أستاذ علم الأعصاب وعلم النفس والطب النفسي في جامعة سان فرانسيسكو في كاليفورنيا، ولاري روزين، وهو أستاذ حاصل على درجة الدكتوراه الفخرية في علم النفس في جامعة دومينغ هيلز في ولاية كاليفورنيا، وصدر له كتاب بعنوان (العقل التائه: العقل القديم في عالم التكنولوجيا الفائقة”.

ويقول روزين “هذا رائع، ومثير للاهتمام حقا. أعتقد أنه ربما يكون أمر شائع وربما يرجع ذلك إلى الاهتزاز الوهمي، عندما تعتقد أن هناك هاتفا جوالا يمكنه أن يرن وهو صامت. نعم، إحدى الإصدارات البصرية والسمعية تغشي الخطوط الفاصلة بين ما هو حقيقي وما يمكن تصوره”.

ويتفق معه مارغوليس. واقترح مارغوليس بعض الأفكار كالتالي:

* هل سمعت أحدهم يتحدث بلغة أجنبية وأصبحت غاضبا لأنك لا تستطيع فهمه لأنك لا تملك سماعات الأذن المخصصة للترجمة. فكرة أن السماعات لا يمكنها ترجمة اللغات؛ هو في الواقع أمر مزعج.

- إذا نسيت أخذ نظاراتك المتصلة أو نسيت إيصالها بشبكة الإنترنت، وجربت أن تنتابك نوبة من الغضب، مثلا، خلال أحد المؤتمرات، عندما لا تستطيع بالعيون المجردة أن تتعرف على الزملاء فإنك ستفشل في الإطلاع على من يحيط بك.

* أنت معتاد على استخدام اليدين في حركات في الهواء تهدف إلى التحكم في التلفزيون والأجهزة الأخرى، التي نحتاجها بشكل يومي في حياتنا. مرة واحدة كل عام على الأقل، عند الاستماع إلى شخص متكاسل في أحد الاجتماعات، قد تلجأ عفويا إلى نفس الإشارات في الهواء لحثه على الإسراع. قد يستمر هذا الشخص في التصرف بملل، إلى أن ينتبه إلى الإشارة.وقال مارغوليس “اسمحوا لي أن نفكر في ذلك لعقد أو عقدين من الزمن”.

13