التكنولوجيا تغلق أبواب المكتبات العامة

في الوقت الذي تستمر فيه المكتبات العمومية في التحول من أماكن لتصفح الكتب إلى مراكز مدنية تملك تكنولوجيات متطورة، كيف ستلبي حاجاتها التمويلية المتزايدة؟ ويقول بعض رؤساء المكتبات إن أحد الأجوبة يتمثل في الهبات الوطنية.
الثلاثاء 2017/05/30
من منا مازال لديه وقت للجلوس في مكتبة الحي!

بوسطن (الولايات المتحدة) - تندثر المكتبات بمفهومها التقليدي كمكان يمكن داخله تصفح الكتب أو استعارتها، أو إجراء دراسات أو أبحاث، أو مقابلة أصدقاء مهتمين بالقراءة.

ومع تغير فكرة قراءة الكتب التقليدية واتساع نطاق الكتب الإلكترونية، لم تعد المكتبات مكانا للقراءة فحسب، إذ بات يملك الكثيرون مكتباتهم الخاصة على جهاز بحجم كف اليد.

وهدد ذلك وجود المكتبات التي تتوزع في الأحياء السكنية، خصوصا في دول غربية، هي المنبع الأساسي للتكنولوجيا التي تقضي تدريجيا على وجود المكتبات.

ومن أجل الاستمرار في البقاء، اضطرت المكتبات إلى التحول الجذري من أماكن للقراءة إلى مراكز مدنية تملك تكنولوجيا متطورة قادرة على جذب المزيد من الزوار، الذين لا يبحثون عن مجرد مكان للجلوس والقراءة.

وأدى هذا التطور الكبير إلى مضاعفة ميزانيات المكتبات، لكنها باتت تعاني من أزمة تمويل حادة.

وفي مكتبة بوسطن العمومية، وهي مكتبة تحتل مبنى كاملا في حي “باك باي”، خضعت بنايتها المشيدة من الغرانيت إلى عملية تجميل بتكلفة وصلت إلى 78 مليون دولار في السنة الماضية، حيث حصلت على نوافذ أكبر وأسقف أعلى وشاشة مسطحة لعرض الأعمال الفنية خلف مكتب الإرشاد.

ومنذ إعادة افتتاحها في شهر يوليو الماضي، اكتظت البناية التي أصبحت أكثر إنارة وتهوية بمجموعة واسعة من الخدمات المجانية من دروس أنكليزية كلغة ثانية، إلى تصميم طابعات ثلاثية الأبعاد.

وتقول جيسيكا الياس، وهي واحدة من المنسقين في تطوير البرنامج الدراسي في مكتبة بوسطن العمومية، “نحن نحاول فعلا تحديد ما هو معنى مكتبة عمومية في سنة 2017”.

وكانت الياس تتحدث إلى مراسل صحيفة “كريستيان ساينس مونيتر” في قاعة محاضرات ذات جدران زجاجية، بينما كانت أجهزة كمبيوتر “ماك” تستعد للتشغيل استعدادا للدرس.

وتقول الياس “في الحقيقة كانت لدينا سيدة متحمسة لذلك قبل سنوات، تلقت كل تلك الدروس في كلية بانكر هيل ودفعت كل ذلك المال، والآن لدينا كل هذه الموارد هنا في المكتبة، وكانت لتحصل على ذلك مجانا”.

وتبحث المكتبة عن شخص ما كي يدفع تكلفة هذه الموارد، ناهيك عن أن نفقات المكتبات العمومية ارتفعت من أكثر من 10 مليار دولار بقليل في سنة 2002 إلى 11.3 مليار دولار في سنة 2014، حسب معطيات قدمتها مؤسسة خدمات المتاحف والمكتبات العمومية.

وتحظى بعض المكتبات، مثل مكتبة بوسطن العمومية، بميزانيات بلدية كبيرة لدعم عملياتها. لكن في الأحياء الفقيرة والمدن الريفية الصغيرة يمكن أن تغلق مكتبة بسبب تكاليف مجرد الإبقاء على الأضواء مشتعلة أو إصلاح سقف يرشح. ويمكن أن تجد الكثير من هذه المؤسسات نفسها مجبرة على اتخاذ خيارات صعبة في السنوات المقبلة نتيجة لاقتراحات إدارة ترامب للتخلص من تمويل مؤسسات خدمات المتاحف والمكتبات العمومية، والهبة الوطنية للإنسانيات والهبة الوطنية للفنون.

ديفيد ليونارد: بما أن الناس يريدون أن يروا المكتبات العمومية مع المزيد من البرمجيات سنحتاج المزيد من الدولارات

ولحل هذه المشكلة يطلب ديفيد روثمان المؤسس الشريك لموقع ليبراري أندومنت.أورغ، من الأشخاص الأثرياء جدا تقديم هبة وطنية للمكتبات العمومية.

ومؤخرا طرح كل من روثمان وكوريلي كريستو، المدافعة عن المكتبات وأمينة المكتبة المتقاعدة، نظرتهما بخصوص هبة بتمويل من فاعلي الخير الأثرياء مثل بيل غيتس أو وارن بافت لتوفير تدفق مالي ثابت للمكتبات العمومية في كافة أنحاء البلاد.

وبالرغم من انتهاء منهج الميزانية الفيدرالية، يتوقع ديفيد ليونارد، رئيس مكتبة بوسطن العمومية، أن يكون التمويل الخاص أكثر إلحاحا مع بحث رواد المكتبات عن خدمات تزداد كلفة.

وفي تعليقه على الأعمال الخيرية والهبات المقدمة من الأفراد، يقول ليونارد “بما أننا نرى تحولا في اتجاه رغبة الناس في أن يروا المكتبات العمومية تقوم بالمزيد من البرمجيات والمزيد من الدروس، سنحتاج المزيد من الدولارات المتوفرة. أملنا هو أن تكون تكملة للتمويلات الآتية من المدينة أو الولاية أو التمويلات الفيدرالية، وليس تعويضا لها”.

كيف يعمل التمويل الخاص

ورد في التقرير الصادر عن جمعية المكتبات العمومية الأميركية بأن “معظم التمويل للمكتبات العمومية يأتي من الولاية أو من مصادر محلية”.

وعملت الهبات، الضخمة أو الصغيرة منها، كتكملة لهذه التمويلات على مدى أجيال، لكن الهبة الوطنية المقترحة من قبل كريستو وروثمان من شأنها أن تأخذ هذا الدعم إلى مستوى جديد.

ومن خلال موقعهما على الإنترنت، يفسر المدافعان عن المكتبات العمومية كيف أنهما يأملان في تكوين صندوق تتراوح قيمته بين 15 مليار دولار و20 مليار دولار من الأميركيين الأكثر ثراء خلال خمس سنوات، وهو مبلغ كاف لتوفير 1.1 مليار دولار في السنة لمجموعة عريضة من المشاريع. ويشرف على أنشطة هذا الصندوق أمين مكتبة محترف.

ويقول ليونارد “فكرة تكوين مؤسسة للمكتبات على المستوى الوطني ستوفر بالتأكيد فرصة إضافية للمكتبات الفردية لتلبية حاجات السكان المحليين بشكل أفضل”.

ودون مرافق ذات جودة عالية وبرامج ذات صلة، قد تجد المكتبات نفسها تكافح من أجل جذب الرواد مما يسرّع في انهيارها. وفي مقال رأي نشر في صحيفة “واشنطن بوست” يشير الكاتبان كريستو وروثمان إلى مدينة نورلينا في ولاية كارولينا الشمالية كمثال، إذ أجبرت المكتبة العمومية في هذه المدينة على إغلاق أبوابها بعد تراجع عدد الزوار وعجز المسؤولين المحليين عن تبرير التكاليف.

كلا المؤلفان يأملان بأن يتمكن الأثرياء من الحيلولة دون المزيد من الأحداث المشابهة. ويلاحظ روثمان في مقابلة أجريت معه بالهاتف أن هناك الكثير من المال لدى القطاع الخاص ناهيك أن 400 مواطن الأكثر ثراء في الولايات المتحدة يملكون ثروة تقدر بـ2.4 ترليون دولار.

ويقول “حتى جزء من جزء ضئيل من ذلك يمكن الاستفادة منه في المكتبات”. وتابع “أمناء المكتبات يقومون بالكثير من الأشياء الجيدة، والمرجو هو أن يفهم المانحون أن المشكلة الكبرى هي توفر موارد كافية من أجل مواصلة ذلك العمل”.

ليس علاجا

يحذر ريشارد ماركر، أستاذ الأعمال الخيرية في جامعة بنسيلفانيا، من أنه حتى وإن نجحت قضيتهم في كسب داعمين من أصحاب المليارات (رفضت مؤسسة بيل ومليندا غيتس التعليق) فإن الأثرياء لا يمكنهم أن يفعلوا إلا قدرا محدودا.

ويؤكد ماركر “عندما ينظر المرء إلى تآكل الدعم الحكومي من المغري القول ‘حسنا، دعنا نتوجه إلى الأثرياء، يمكنهم حل المشاكل’، لكن في الواقع ليس بمقدور الدعم الخاص أن يأخذ مكان الدعم الحكومي”.

وأسس ماركر مكتب استشارات وتثقيف في الأعمال الخيرية يحمل اسم “الأعمال الخيرية الحكيمة”.

وحتى هبة سنوية قدرها 1.1 مليار دولار لن تسجل إلا زيادة بنسبة 9 بالمئة على مبلغ 12 مليار دولار حصلت عليها المكتبات العمومية الأميركية كمداخيل في سنة 2014.

وفي حين أن ذلك قد يعوض جزءا من التخفيضات الفيدرالية، يرى خبراء أن الدعم للمكتبات يجب أن يتشكل من خليط صلب من التمويلات العمومية والخاصة والحكومية.

وكتب جولي تودرو، رئيس جمعية المكتبات العمومية، في رسالة لمجلة “كريستيان ساينس مونيتور” عن طريق البريد الإلكتروني “يجب أن ننتبه جيدا إلى أننا لا نتكلم عن بديل للتركيبة الحالية للتمويل المحلي والحكومي والفيدرالي التي تدعم مكتباتنا العمومية اليوم”.

عندما ينظر أحدهم إلى تآكل الدعم الحكومي من المغري القول «حسنا، دعنا نتوجه إلى الأثرياء، يمكنهم حل المشاكل» هذا الكلام غير واقعي

ويقول روثمان “ليست تلك هي نية الهبة، نحن لا نريد تبخر أموال الضرائب كمصدر لدعم المكتبات”، وأضاف أنه لن يقبل أن يكون الأثرياء جدا هم المصدر الوحيد لتمويل المكتبات العمومية. ولتجنب ذلك، يقول ماركر إن “الدعاية إضافة إلى الدفع نحو الدعم الخاص أمر حاسم”.

إيجاد التوازن

قد يبدو حشد أغلبية من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب حول قضية المكتبات العمومية عملا أصعب من إقناع عدد قليل من المانحين الأثرياء، لكن ذلك لا يعني أنه أمر مستحيل.

وحسب موقع جمعية المكتبات العمومية، بادر ثلث أعضاء المجلس من الحزبين بتوقيع رسالتين موجهتين إلى لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ يطلبون منها الإبقاء على بعض التمويل لبرامج المكتبات العمومية.

ويمكن لهذه الجهود أن تساعد الكثير من المكتبات على مواصلة عملياتها، لكن نظرا لبحث رواد المكاتب عن تكنولوجيات وبرامج تعليمية وعروض ثقافية أكثر تكلفة من ذي قبل، قد يكون من الضروري اعتماد استراتيجيات جمع أموال أكثر ابتكارا من قبيل الهبة الوطنية.

وفي هذا السياق يشرح ليونارد بقوله “لا تكفي تمويلات المدينة، وفي حالتنا هذه، تمويلات الولاية إلا لتغطية النفقات الأساسية المرتبطة بالبنايات والكتب والعمليات. ولجعل المكتبات العمومية مفعمة بالبرامج الخلاقة والمعارض الجديدة، نعتمد على المال الخاص”.

ويتوقع بأن المكتبات العمومية لكي تتمكن من فعل ما يجب فعله “ستعول أكثر فأكثر على مبادرة التمويل الخاص”، ويرى أنه حتى وإن تجاوزنا الأزمة الحالية ستبقى تلك النقطة سارية المفعول.

13