التكنولوجيا تغير مسار المعركة ضد تلوث الهواء

باحثون يعدلون نباتات منزلية وراثيا لجعلها أكثر كفاءة في التخلص من المركبات العضوية المتطايرة ومكافحة التلوث الداخلي بشكل مستدام.
الاثنين 2019/09/02
هل ستمكن التقنيات سكان المدن من استنشاق هواء نظيف

تمتد مشكلة تلوث الهواء إلى غالبية بلدان العالم، وتمثل تهديدا خطيرا يؤثر على جوانب عديدة، مثل الصحة العامة ورفاهية البشر وسلامة البيئة، إلا أنه يتم في معظم الأحيان تجاهلها والتغاضي عن اتخاذ تدابير بانتظام لتقييمها والحد من تداعياتها السلبية، ولكن بعض الحلول التقنية بدأت تشهد تطورا لتضع حلا لهذه الظاهرة، وتعطي سكان المدن أملا كبيرا بإمكانية تنفس هواء نظيف.

حظي تلوث الهواء باهتمام كبير في الآونة الأخيرة، وبدأت بعض الحكومات تخوض معارك ضارية لمواجهة السموم الخفية المنبعثة من الهواء، وفي حين أن الاتجاه السائد هو زراعة الأشجار التي تعد الوسيلة الطبيعية الأكثر كفاءة لاحتواء التلوث، إلا أن بعض الحلول التقنية المبتكرة المكملة لعمل الطبيعة باتت تكتسي أهمية كبرى أكثر من أي وقت مضى، وخصوصا في المناطق الحضرية الكثيفة والتي يصعب تشجيرها.

وأظهر تقرير “ذي ستايت أوف غلوبال إير”، الذي نشره معهد “هيلث إفكتس” ومقره الولايات المتحدة أن تلوث الهواء هو السبب الرئيسي الخامس للوفيات المبكرة في أنحاء العالم، وهو مسؤول عن عدد وفيات أكبر من تلك الناجمة عن الملاريا أو حوادث السير أو سوء التغذية والكحول.

ولا تزال الصين الدولة التي تملك أعلى معدل وفيات بسبب تلوث الهواء المسؤول عن حوالي 852 ألف حالة وفاة في العام 2017.

أما البلدان الأولى التي سجلت أعلى معدل للوفيات بسبب تلوث الهواء فكلها في آسيا وهي الصين والهند وباكستان وإندونيسيا وبنغلاديش.

لكن هناك بارقة أمل، تحملها التقنيات التي تبشر بإمكانية تقليل الآثار السلبية الناجمة عن تلوث الهواء، ففي السنوات الأخيرة بدأت شركات في العديد من مدن العالم، كالمكسيك وفرنسا وألمانيا والصين، بمحاكاة عمل الطبيعة وإنشاء هياكل تكنولوجية، وهي عبارة عن أشجار اصطناعية تم تركيزها في شوارع المدن، لتمتص التلوث وتنقي الهواء من المركبات السامة.

 ولإحداث تغيير جذري على صعيد مستوى جودة الهواء الموجودة داخل الأبنية -الذي يعتبر أكثر تلوثا من الهواء الطلق- قام باحثون من جامعة واشنطن بتعديل نباتات منزلية وراثيا لجعلها أكثر كفاءة في التخلص من المركبات العضوية المتطايرة ومكافحة التلوث الداخلي بشكل مستدام، والسؤال الذي يظل مطروحا هل ستحقق هذه التقنيات المبتكرة الفائدة المرجوة وتمكن سكان المدن من استنشاق هواء نظيف؟

تنقية الهواء

بيو أوربن} شجرة اصطناعية تقوم بامتصاص الهواء الملوث بقدرة كبيرة بفضل عمل الطحالب الدقيقة الموجودة بداخلها وتعادل هذه التقنية المبتكرة نحو 368 شجرة حقيقية وتعمل بآلية عملية التمثيل الضوئي نفسها التي تقوم بها الشجرة الطبيعية وذلك عبر امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإعادة ضخ الأكسيجين النقي للبيئة
"بيو أوربن" شجرة اصطناعية تقوم بامتصاص الهواء الملوث بقدرة كبيرة بفضل عمل الطحالب الدقيقة الموجودة بداخلها

تتجه الكثير من الدول في الوقت الحالي إلى اتخاذ عدة تدابير لمشكلة تلوث الهواء وتبني حلول تكنولوجية تبشر بتحسين جودة الهواء في المدن وإمكانية أن يتنفس الناس هواء نظيفا.

وفي المكسيك التي تشهد عاصمتها مكسيكو مستويات عالية من تلوث الهواء، سعت شركة “بيوميتاك” الناشئة المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية مؤخرا لتطوير شجرة اصطناعية أطلق عليها اسم “بيو أوربن” والتي بفضل عمل الطحالب الدقيقة الموجودة بداخلها، تقوم بامتصاص الهواء الملوث بقدرة كبيرة ـ وفق ما يؤكد مبتكروهاـ تعادل هذه التقنية المبتكرة نحو 368 شجرة حقيقية، وتعمل بآلية عملية التمثيل الضوئي نفسها التي تقوم بها الشجرة الطبيعية، وذلك عبر امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإعادة ضخ الأكسيجين النقي للبيئة.

ويقول خايمه فيرير الشريك المؤسس للشركة إن “هذا النظام يستنشق التلوث بفضل عملية بيولوجية شبيهة بتلك التي تقوم بها شجرة حقيقية”.

وتقوم الشجرة الاصطناعية التي يبلغ طولها 4.2 متر وعرضها نحو 3 أمتار، بتنظيف الهواء بقدر هكتار من الغابات، وقد تم تركيز حتى الآن ثلاثة أشجار، واحدة في مدينة بويبلا في وسط المكسيك حيث يقع مقر الشركة الرئيسي، وواحدة في كولومبيا وأخرى في بنما ولدى الشركة عقد لتثبيت شجرتين في تركيا، ومن المرتقب وضع شجرة في العاصمة المكسيكية والتي تضم أكثر من 20 مليون شخص وتعاني من تلوث خانق في الهواء.

ويوضح خايمه فيرير بأن هذه الأشجار المعدنية تعد مكملات لعمل الطبيعة، ويمكن أن توضع في مناطق حضرية كثيفة يصعب إعادة تشجيرها، وأن هذا النظام لا يدعي إنهاء مشكلة تلوث المكسيك وإنما يأتي ليدعم عملية تنقية الهواء في أماكن مزدحمة حيث يتخللها المشاة والدراجات ووسائل النقل المختلفة.

وفي عملية مماثلة، تهدف إلى تعزيز الوعي حول مستويات التلوث التي بلغت مستويات خطيرة بالعاصمة الصينية بكين، وتخفيف معاناة سكان المدينة، صمم المهندس المعماري الهولندي داس روزغارد بدعم من وزارة البيئة الصينية برجا طوله 7 أمتار وهو عبارة عن مصفاة كبيرة لتنقية الهواء من الشوائب، ويعالج ما يناهز 30 ألف متر مكعب من الهواء في الساعة ويجمع أكثر من 75 بالمئة من الجسيمات الدقيقة التي تساهم في الضباب الدخاني.

ويرى روزغارد أن هذا البرج سيكون بمثابة خطوة نحو الوصول إلى حل نهائي ودائم لمشكلة تلوث الهواء، الذي يوصف بأنه “قاتل غير مرئي” يتسبب في نحو سبعة ملايين حالة وفاة مبكرة سنويا في جميع أنحاء العالم.

وفي عام 2015، قامت شركة “غرين سيتي سوليوشنز” الألمانية بتركيب ثلاثة جدران خضراء عالية التقنية في العاصمة الفرنسية باريس، يطلق عليها اسم” سيتي تري” أو “شجرة المدينة”، والتي تمتص الجزيئات الدقيقة وثاني أكسيد النيتروجين، ووفقا لمصمميها، تملك المنشأة الواحدة قدرة على تنقية الهواء بما يعادل كفاءة 275 شجرة، وتصفية التلوث الناتج عن 417 سيارة.

بارقة أمل تحملها التقنيات التي تبشر بإمكانية تقليل الآثار السلبية الناجمة عن تلوث الهواء
بارقة أمل تحملها التقنيات التي تبشر بإمكانية تقليل الآثار السلبية الناجمة عن تلوث الهواء

 وهي مجهزة بأجهزة استشعار لتحليل نوعية الهواء، وجمع البيانات لتقييم انخفاض التلوث، ومزودة بألواح شمسية ونظام لاستعادة مياه الأمطار، ويمكن لـ”شجرة المدينة” هذه جمع الجزيئات الدقيقة وثاني أكسيد النيتروجين والأوزون وتحويل الكل إلى كتلة حيوية.

وإضافة إلى دورها في تنظيف الهواء، يمكن تزويدها بمقاعد عامة متصلة توفر شبكة الـ”واي فاي”، أو تكون محطة شحن لسيارات كهربائية.

وأقامت الشركة الناشئة أشجارها المتصلة أيضا في مدن دريسدن وكلينغنتال الألمانيتين، والعاصمة النرويجية أوسلو وهونغ كونغ.

ولم تقتصر الحلول الذكية على معالجة تدني جودة الهواء الطلق فحسب، وإنما شملت أيضا الهواء الموجود داخل الأبنية، وبدأ رواد الأعمال والجامعات في التعامل بشكل جدي مع هذه المسألة، والسعي وراء تطوير وسائل تكنولوجية تقوم بترشيح هواء المنازل والشقق الذي يعد أكثرا تلوثا من الهواء الخارجي.

وتتسم المباني بطابع ديناميكي، فهي تحتوي في داخلها على زفير المئات من البشر، وعلى الغازات المنبعثة ـمثلاـ من السترات التي خضعت لعمليات تنظيف جاف، والجسيمات الكيميائية الضارة المتطايرة من مختلف الأجهزة المنزلية.

وفي ضوء زيادة الوعي بأهمية ضمان جودة الهواء داخل المباني، تمكن فريق بحثي صيني من جامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين من إنتاج نوافذ ذكية تجمع بين القدرة على ضبط شدة الضوء لتحقيق ما يسمى “الراحة الحرارية”، وتنقية الهواء من الجسيمات السامة، وقد استخدم الفريق البحثي الذي نشر دراسته في دورية “آي ساينس”، أقطابا مصنوعة من بوليمر “النايلون” الذي أظهر كفاءة عالية في امتصاص جسيمات “بي.أم 2.5” وهي مواد ملوثة أظهرت الدراسات الأخيرة أن التعرض إليها لفترة طويلة يزيد من مخاطر الإصابة بمرض السكري.

ويعتمد البعض لتنقية الهواء في الأماكن المغلقة مثل المكاتب على النباتات التي تطلق أيونات سلبية طبيعية تسهم في الشعور بالراحة وتمتص الملوثات الموجودة في الهواء عبر أوراقها، إلا أنها غير فعالة إلى حد كبير، ولجعلها أكثر كفاءة في التخلص من المركبات العضوية المتطايرة، طوّر مؤخرا باحثون من جامعة واشنطن نباتات منزلية معدلة وراثيا وذلك بإضافة جين مسؤول عن إنتاج إنزيم التمثيل الغذائي في كبد الأرانب.

نباتات منزلية معدلة

تلوث الهواء يعتبر أحد المسببات الرئيسية للأمراض والموت
تلوث الهواء يعتبر أحد المسببات الرئيسية للأمراض والموت

بعد اختبار لمدة 11 يوما مع تركيز نسبة من الملوثات أكثر من المعتاد، وجد الباحثون أن هذه النباتات المعدلة وراثيا كانت قادرة على تقليل مستويات البنزين والكلوروفورم بشكل كبير، حيث انخفض تركيز البنزين بنسبة 82 بالمئة بعد ثلاثة أيام فقط، وتركيز الكلوروفورم بنسبة 75 بالمئة في اليوم الثامن، وهي مواد خطيرة على الصحة.

ومثلا يمكن للتعرض المزمن للكلوروفورم أن يسبب التعب والإجهاد العصبي، وضيق التنفس وتلف الكبد والكلى والغدد الهرمونية وقد أثبتت التجارب على الحيوانات أنه يسبب سرطان الكبد والكلى والغدة الدرقية لذا يحتمل أن يكون مسرطنا للإنسان أيضا.

واقتناعا بالفعالية التي تتسم بها طريقة تعديل النبات وراثيا لمكافحة التلوث الداخلي بشكل مستدام، يعكف فريق الباحثين على إنشاء نبات معدل قادر على امتصاص غاز الفورمالديهايد الذي يستخدم في صناعة مواد البناء والعديد من المنتجات المنزلية وهو غاز عديم اللون ومسرطن وخانق وقابل للاشتعال، يتعرض الناس إليه عن طريق الاستنشاق كما يمكن امتصاصه من خلال الجلد.

ويقول ستيوارت ستراند المؤلف الرئيسي للدراسة إن “هذه كلها مركبات مستقرة لذلك من الصعب للغاية التخلص منها بدون البروتينات، ولتحطيم هذه الجزيئات يجب علينا استخدام عمليات الطاقة العالية”.

وخلص الباحث إلى أنه “من الأسهل والأكثر استدامة وضع كل هذه البروتينات معا في نباتات منزلية”.

وللحد من الانبعاثات الملوثة للهواء والصادرة من المنشآت الصناعية، ينكب العلماء على تصميم مفاعلات حيوية، وهي عبارة عن أغشية تعج بالبكتيريا الزرقاء قادرة على الازدهار في درجات حرارة عالية، ليتم تثبيتها في المستقبل في مداخن محطات توليد الكهرباء من أجل احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون.

وتعود مشكلة التلوث الجوي بشكل أساسي إلى الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري في محطات إنتاج الطاقة والصناعة وارتفاع أعداد السيارات والشاحنات التي تجوب الشوارع.

ورغم وجود لوائح تنظم مستويات الانبعاثات الملوثة، إلا أنها غير مفعلة على نحو كاف، حيث تهتم الحكومات المحلية بالمشروعات الاقتصادية التي تدر عائدا اقتصاديا بغض النظر عن كمية التلوث التي تسببها، وتصل معدلات التلوث في بعض الأماكن من أفريقيا وآسيا إلى 10 أضعاف المستوى المحدد من طرف منظمة الصحة العالمية، وحتى بعض المدن الأوروبية مثل باريس وميلانو لا تحترم هذه المعايير.

ويحمل الهواء الكثير من الملوثات مثل أول أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين والأوزون وثاني أكسيد الكبريت والجسيمات الدقيقة التي تتكون من الغبار وحبوب اللقاح والدخان.

ويعتبر تلوث الهواء أحد المسببات الرئيسية للأمراض والموت، إذ يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض الرئة والنوبات القلبية والسكتة الدماغية ومرض الزهايمر وداء السكري والربو ويمكن أن يسبب ضررا للقدرات العقلية والمعرفية.

ويعتقد أن العديد من الملوثات تؤثر على كيمياء المخ بطرق مختلفة وتعيق نموه عند الرضع، ويمكن للجسيمات أن تحمل السموم عبر ممرات صغيرة إلى الدماغ.

ويعد قياس تركيز هذه الجسيمات وفهم مصادرها مفتاحا لبلورة سياسات تكافح وجودها في الهواء، وفي الماضي لم يتوفر ما يكفي من البيانات، واليوم تشكل التقنيات المعتمدة على الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار الأرضية المتعددة وإنترنت الأشياء أدوات دعم قوية قادرة على تحليل الصفات الفيزيائية والكيميائية لفهم الطبيعة المعقدة لتلوث الهواء مما يتيح المراقبة الدقيقة ورؤية الصورة بالكامل.

وبالنظر إلى الجانب المشرق فإن التقنيات التي يمكن من خلالها الحد من التلوث تتطور بخطى حثيثة وستزداد أهمية مع الوقت، لإنقاذ البيئة وأرواح الملايين من الناس التي تزهق بسبب السموم الخفية الموجودة في الهواء.

12