التكنولوجيا تفتح باب صداقة أوسع بين إسرائيل واليابان

العلاقات التجارية والتكنولوجية بين اليابان وإسرائيل تتحول من النقيض إلى النقيض بعدما تغيّرت التحالفات والتكتلات في منطقة الشرق الأوسط.
السبت 2019/01/19
توظيف العبقرية التكنولوجية في الدفع بالمصالح الاقتصادية والسياسية

عند الحديث عن العلاقات الدولية المترابطة ومصالح الدول الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، تحديدا، نادرا ما يُطرح اسم اليابان كإحدى القوى الناشطة في هذه المنطقة. لكن، مؤخرا، بدأ اسم اليابان يظهر بشكل لافت، خصوصا في الصحافة الإسرائيلية، حيث تسطر تحركات لافتة بين الطرفين ملامح مرحلة مختلفة لكليهما على مستوى التعاون التكنولوجي والعلاقات الاقتصادية كما المصالح الجيوسياسية، حيث ستستفيد اليابان وإسرائيل بشكل كبير من التعاون بينهما بما يسمح لهما بإيجاد موطئ قدم في ما يتم تسطيره لشكل العلاقات المستقبلية في العالم.

طوكيو - أضفت التغيّرات الجيوسياسية وتجدد أنماط العلاقات التجارية في العالم والمرتكزة أساسا على وجوب امتلاك القدرات التكنولوجية الهائلة لمقارعة كبرى الدول اقتصاديا وتجاريا وحتى عسكريا تبدّلا في النسق العام للعلاقات بين البلدان، لتصبح المصالح التجارية أهم قاعدة تبنى عليها العلاقات رغم الخلافات السياسية وحتى الثقافية بين البلدان الشريكة في مجالات عدة كالتكنولوجيا.

ينصبّ الحديث اليوم، بعدما تغيّرت التحالفات والتكتلات في منطقة الشرق الأوسط حول العلاقات التجارية والتكنولوجية المرتقبة بين اليابان وإسرائيل بعد تحول علاقتهما من النقيض إلى النقيض خاصة بعدما تدعّمت الاستثمارات اليابانية في إسرائيل، وتضاعفت 120 مرة، في السنوات القليلة الماضية، وفق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وفي الوقت الذي اكتسبت فيه علاقة إسرائيل المتنامية مع الصين اهتماما واسعا في السنوات الأخيرة، لم يُول اهتمام كبير لعلاقات إسرائيل بالقوة الاقتصادية الآسيوية الكبرى الأخرى، وهي اليابان.

إمكانات كبيرة

على الرغم من كونها ثالث أكبر اقتصاد وإحدى أقوى الدول في العالم، إلا أن اليابان كانت خارج رادار العلاقات الخارجية لإسرائيل. لكن، اليوم تتضح ملامح إمكانات كبيرة لتطوير علاقات اقتصادية بل وحتى جيوسياسية أكثر عمقاً بين البلدين، حيث ستستفيد اليابان وإسرائيل من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي المتزايد، خاصة في مجالي الابتكار والسياسة.

وتتمثّل أحدث بوادر تشبيك العلاقات بين البلدين، في ما أشار إليه نتنياهو خلال اجتماع جمعه بوزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، هيروشيغي سيكو، الخميس، إلى أن نمو الاستثمارات اليابانية يقدّر بنحو 5 مليارات دولار أميركي.

وتتجه اليابان بشكل متزايد إلى إسرائيل من أجل الحلول التكنولوجية في محاولة للتعاون في مشاريع أعمال جديدة مبتكرة، وفق ما كشف خبراء الصناعة ومسؤولون. ويأمل المستثمرون اليابانيون، والوكالات الحكومية، وكبار شركات القطاع الخاص، في أن يظلوا في صدارة المنافسة، في تحويل الموارد أكثر فأكثر نحو الفرص التجارية الدولية. غير أن الأنظار ما زالت تنظر إلى مدى إمكانية إسرائيل على العبور نحو سلم نهائي في المنطقة لجعل التقدم التكنولوجي عامل دفع نحو السلم وعامل ردع للخيارات الأمنية التي تنتهجها إسرائيل منذ عقود ضد محيطها.

جولة يابانية في إسرائيل

يزور وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني هيروشيجي سيكو إسرائيل مرفقا بحوالي 150 ممثلا من 90 شركة، بما في ذلك تنفيذيون من شركات ميتسوبيشي وهيتاشي وتوشيبا.

وقالت وزارة الاقتصاد اليابانية في بيان إنّ زيارة سيكو لإسرائيل مع وفد كبير من رجال الأعمال “يمثّل علامة هامة أخرى في تعزيز العلاقات الاقتصادية والتعاون التجاري بين إسرائيل واليابان”.

على الرغم من الاختلافات الثقافية الصارخة بين إسرائيل واليابان، فإن التعاون بين البلدين سيسمح لهما بتكميل بعضها البعض والتخفيف من نقاط ضعفهما الهيكلية

ورغم أن العلاقات بين البلدين، لم تشهد تطورا كبيرا منذ أن قطعت طوكيو سياساتها الكلاسيكية المنحازة لمقاطعة جامعة الدول العربية لإسرائيل، فإن السنوات الأخيرة أكّدت أن اليابان وإسرائيل على حد السواء تريدان تدعيم علاقتهما والاستفادة منها بشكل معمّق وأكثر وطأة من ذي قبل.

ويرى مراقبون أنّ اليابان تريد عبر الاتجاه بشكل لافت للحصول على التكنولوجيا من إسرائيل تحقيق مغانم متعددّة الأبعاد، أولها يحمل في طياته أبعادا جيوسياسية كامنة في إبراق رسائل واضحة المعالم لمزاحمة الصين كإحدى أهم قوة صاعدة تريد غزو العالم بالتكنولوجيا.

ويكمن الهدف الياباني الأكبر من خلال الدفع نحو جعل إسرائيل شريكا استراتيجيا في مجال التكنولوجيا، في سعي طوكيو المتواصل للاستفادة بالتكنولوجيا الإسرائيلية لأن ذلك سيكون وفق برامجها مفيدًا للاقتصاد الياباني، وسيخلق فرصا أكبر للابتكار.

صرّحت سابين ستيرينبرج، المتحدثة باسم وزارة الاقتصاد الإسرائيلية “بأن الحكومة اليابانية، بقيادة رئيس الوزراء شينزو آبي، شجعت الابتكار كجزء مهمّ من سياسته الاقتصادية التي تهدف إلى إنعاش الاقتصاد الياباني”، مشيرة إلى أن البلاد تأمل في أن تصبح رائدة عالمية في الابتكار التكنولوجي بحلول عام 2020. وأضافت “بما أن إسرائيل بالفعل في طريقها لتحقيق هذا المسعى، فإن الحكومة اليابانية والشركات تنظر إلى البلاد كمصدر هام للتكنولوجيات الرائدة”.

وقال آفي لوفتون، المدير الأول لعمليات آسيا والمحيط الهادئ في هيئة الابتكار الإسرائيلية “نحن نرى المزيد من الشركات اليابانية تقوم باستكشاف إسرائيل للحصول على الفرص”. “فتح ما لا يقل عن 10 منها فرعاً أو مركزاً للأبحاث والتطوير في إسرائيل، وإننا نتوقع أن تحقق في 2019 نتائج أفضل”.

وأشار خبير في العلاقات بين اليابان وإسرائيل إلى عوامل أخرى وراء الدفعة الاقتصادية الأخيرة في طوكيو، وأبرزها خوفها من خسارة صفقات تكنولوجيا إسرائيلية مربحة من خلال استحواذ دول آسيوية أخرى عليها.

وقال البروفيسور نسيم أوتماجين، مدير معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية في الجامعة العبرية “إن أحد أكبر محركات اليابان هو التنافس مع الشركات الكورية والصينية، التي تستثمر بكثافة في إسرائيل على مدى نصف العقد الماضي أو نحو ذلك”.

شون هو: يمكن لإسرائيل أن توفر مصالح استراتيجية مهمة لطوكيو في المنطقة
شون هو: يمكن لإسرائيل أن توفر مصالح استراتيجية مهمة لطوكيو في المنطقة

وأبدت الشركات اليابانية اهتماما متزايدا بالسوق الإسرائيلي في السنوات الأخيرة. ووفقا لمركز الأبحاث ومقرّه تل أبيب، كان المستثمرون اليابانيون وراء 3 بالمئة من رأس المال الذي جمعته الشركات الإسرائيلية بين عامي 2013 و2018، وبلغت قيمته نحو 3.5 مليار دولار.

ويهدف آبي إلى توسيع نفوذ اليابان وتحدي صعود الصين في المنطقة. لهذا، فإن طوكيو لا تقوي علاقاتها مع حلفائها فحسب، بل تسعى أيضا إلى كسب شركاء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وحول العالم. وفي الشرق الأوسط، يمكن لإسرائيل أن تكون شريكا هامّا، وأن توفر مصالح استراتيجية مهمة لطوكيو.

علاقات جديدة

يشير الباحث في الشأن الياباني شون هو إلى أنه على الرغم من أن التعاون الاقتصادي يمثّل أبرز اهتمام مشترك بين اليابان وإسرائيل، إلا أن البلدين يشتركان في مصالح جيوسياسية أيضا.

على مدى السنوات السبعين الماضية، اتبعت اليابان سياسة سلمية خارجية، حيث يتم تقييد الجيش الياباني من التدخل الأجنبي وسمح له فقط بالدفاع عن نفسه من التهديد المباشر. يرجع هذا إلى المادة 9 من دستور اليابان ما بعد الحرب، التي تسمح فقط بـ“قوات للدفاع عن النفس”.

لكن، في السنوات الأخيرة، طالب رئيس الوزراء شينزو آبي وحزبه الليبرالي الديمقراطي المحافظ القومي، إدخال تغييرات على الدستور. وأنهت الحكومة، في 2014، السياسة التي حظرت قوات الدفاع الذاتي من المشاركة في النزاعات الأجنبية. ومنذ ذلك الحين، أصبح بإمكان قوات الدفاع الذاتي اليابانية المشاركة في“الدفاع الجماعي عن النفس”، مما سيسمح لها بالدفاع عن حلفائها.

وبينما تزيد اليابان من نفوذها العسكري في جميع أنحاء العالم، فإنها لن تكتفي بالسعي نحو زيادة التعاون مع حلفائها مثل الولايات المتحدة، ولكنها ستعمل على العثور على شركاء جدد، ومنهم إسرائيل.

ورحبت إسرائيل بهذه العلاقة الجديدة. وانعكس ذلك في تصريح نتنياهو خلال لقائه بنظيره الياباني آبي في 2015، الذي قال فيه إن “الفرص هائلة والحماس كبير، لأن الجانب الياباني والإسرائيلي عبقريان”.

ويقول شون هو “يقع البلدان في قارتين مختلفتين، ويؤمّان ثقافات مختلفة، لكنهما يتمتعان بإمكانيات كبيرة لتطوير علاقات وثيقة في المجالين الاقتصادي والسياسي”.

ومن جهة إسرائيل، فإن أهدافها تبدو أيضا حمّالة لرسائل سياسية مفادها أنها لن تكون خاضعة مستقبلا للأسواق الغربية وخاصة الأوروبية التي تقلص تأييدها لها، وتميل أكثر نحو الدفاع عن الفلسطينيين، كما أن أقوى حركات المقاطعة تصدر عن الأوروبيين.

ويرى مراقبون أن قطاع التكنولوجيا في إسرائيل قد يلعب دورا جديدا في الضغط على القادة السياسيين لإسرائيل للتعجيل بالقبول بالتسويات التي تنهي موقع البلد المتوتر والانتقال به إلى آفاق أخرى من السلم مع المنطقة على نحو الذي تتطلبه العالمية التي يتوق إليها هذا القطاع الناجح في إسرائيل.

6