التكنولوجيا تفوز بدور البطولة الإعلامية والصحافي جندي مجهول

ثورة صحافة البيانات غيّرت مهمة البحث وتقصي الحقائق، وباتت أبرز الوظائف على قوائم الأعمال.
الخميس 2018/08/02
فيلم "سبوت لايت" أعاد الضوء للصحافة التقليدية

واشنطن – باتت صحافة البيانات واحدة من أبرز الوظائف على قوائم الأعمال، كما أنها غيّرت مهمة البحث وتقصي الحقائق خلال السنوات العشر الأخيرة، وفق تأكيد خبراء الصحافة، وأصبحت تدرس في الجامعات العالمية مثل كلية الصحافة في جامعة كولومبيا التي تدرس برامج بايثون الآن لطلاب الدراسات العليا الآن.

وتعد صحافة قواعد البيانات اليوم سندا للصحافي وحلا لمشاكل الصحافة، ويقول الصحافي كريستوفر غيس في تقريره لشبكة الصحافيين الدوليين، ليكون الصحافي متماشيا مع عالم الصحافة في هذه الأيام، يحتاج إلى سطر إضافي على سيرته الذاتية حيثُ يكتب عليه “صحافي بيانات”، فالتركيز على البيانات أمرٌ يخدم القراء والكتّاب على حدّ سواء، كما يمكن أن يـربح الصحافي جـوائز “بوليتزر” أو حتى يسقـط دكتـاتـوريين.

وأشار إلى فيلم “سبوت لايت” الحاصل على جائزة أوسكار لأفضل سيناريو أصلي.

وأضاف، في الفيلم هناك مشهد عن أرشيف “بوسطن غلوب” خلف المطابع وداخل مبنى الأخبار، حيث تكتشف الشخصيات الرئيسية الأربع أنّ هناك علاقة بين الكهنة المعروف عنهم تحرشهم بأطفال تحت رعايتهم، والأعذار التي وردت في قوائم الموظفين أنهم كانوا خارج الخدمة، هذا المشهد هو الاكتشاف الكبير حول ضخامة المؤامرة وشموليتها التي كشفها الصحافيون بإخلاص.

ويعطي الفيلم خلاصة مهمة حول واقع الصحافة أمس حول الجهد والوقت اللذين يتطلبهما تحقيق استقصائي مقارنة باليوم، فيقول غيس، ما أدهشني عن تلك اللحظة في مشهد الفيلم، التفاصيل الدقيقة التالية؛ قام المخرج بمونتاج قصير للمشاهد مع سجلات الرعية المكدّسة، والصحافيون منحنون على مكاتب صلبة، مضاءة بمصابيح.

كريستوفر غيس: التكنولوجيا يمكنها أن تكشف عن القضايا الجوهرية وليس التقرير
كريستوفر غيس: التكنولوجيا يمكنها أن تكشف عن القضايا الجوهرية وليس التقرير

في هذه الجزئية، يستخدم الصحافيون المسطرة للاطلاع على السجلات اسما اسما وسطرا سطرا، لتسليط الضوء على المعتدين وأخذ ملاحظات بخط أيديهم. وفي المشهد التالي يتمّ تدوين كل ما اكتشفه الصحافيون على جداول “إكسل”.

لكن في الوقت الحديث، تختصر لغة بايثون البرمجية كل ذلك الوقت فنص بايثون الذي تستغرق كتابته 15 دقيقة، سينجز في أقل من ثانية، بعدما كان يستغرق الصحافيون الاستقصائيون أياما إن لم يكن أسبوعا للقيام به. وفي النهاية سيحصلون على نفس النتيجة التي يمكن أن يصل إليها أي مراسل، أي جدول عن المعتدين ومشار إليهم بالأسماء والعناوين.

إنّ القدرة على كتابة هذه البرامج الصغيرة مذهلة، خصوصا أنها توفر ساعات عديدة وجهدا شخصيا لا يقدّر، ويمكن للصحافي أن يعود في وقت مبكر إلى عائلته. لكنّ المشكلة أنه في القسم الثاني من الفيلم، فإن الجزء الذي خصصه المحرر للوقت والمصادر، من أجل إرسال مراسلين لدق الأبواب والحصول على مقابلات، غالبا ما ينسى، ومعظم الأحيان لا يظهر على محرك البحث غوغل، إنه واقع قد لا يكون موجودا أيضا.

لكن التطور التكنولوجي والبيانات لا يلغيان الدور التقليدي للصحافي، فما من أحد يدون في سيرته الذاتية أنه مستعد للجلوس في غرفة الانتظار في مكتب محامٍ لمدة ثلاث ساعات (مثلما يفعل مايك ريزندز في الفيلم). هذا الجزء من العملية غالبا ما كان يتم تجاهله وقد استعيض عنه بالرسوم البيانية وقوائم غسيل الأموال والاتصالات الغامضة. فتضيع القصة ويتوه القارئ في أفضل الأحوال بالأسماء العشوائية وسجلات الشركة.

ويؤكد غيس “أنا على قناعة بأن التكنولوجيا في الوقت الحاضر يمكنها أن تكشف القضايا الجوهرية وليس التقرير. فالتوتر والمقابلات والمثابرة تشير إلى كيفية تحضير التحقيقات مع كشف الحقيقة الواضحة وكيف تتم كتابتها في نهاية المطاف”.

ويضيف “بالنسبة إلى المطرقة فكل شيء مسمار. ولكن بالنسبة إلى صحافي البيانات، لا يمكن أن يصبح كل شيء رسما بيانيا”.

وينتقد بعض الأشخاص الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، بسبب حجب بيانات وثائق بنما وعدم تفريغ البيانات بشكل كامل، لكن غيس يعتقد أنه عليهم فهم ما يجب فعله لإعطاء حياة لأعمالهم خارج الوثائق. هم يعرفون المراسلين المحليين مع عناوين الاتصال بهم والمصادر المحلية والفهم يمكن أن يوفر سياقا، والمتابعة من خلاله، الأمر الذي لا يمكن أن يوفره مجرد تشغيل الرقم.

ويخلص غيس إلى القول إن “قيم وممارسات المدرسة القديمة لا تقل أهمية عن أي وقت مضى أو في الواقع ربما أكثر من قبل. إنّ رؤية القصة من خلال الضجيج يحتاج إلى التدريب والمهارات وربما الكثير من سهر الليالي”.

18