التكنولوجيا لا تتطاول على المستحيل

علماء يفكرون في إمكانية حفظ ذاكرة الإنسان ودماغه بعد وفاة صاحبه على شرائح الكترونية يمكن أن تستخدم في أجساد بشرية أخرى أو في أجهزة إلكترونية.
الأحد 2018/05/13
قفزة كبيرة في بحر العلوم تثير جدلا أخلاقيا

لندن - قد يكون الحديث عن الحياة الأبدية سابق لأوانه رغم محاولة بعض الشركات وكذلك المتفائلين البحث في حياة ما بعد الموت، لكن بعض الشركات تحاول في مغامرة لا تخلو من الجرأة نقل خبرات وذكريات البشر إلى حالة رقمية.

الشركة الناشئة "نتكوم" تعد بأنها ستكون قادرة يوما ما على تحويل الوصلات العصبية للدماغ البشري إلى شيفرة قد تسمح للإنسان بأن يحيا إلى الأبد.

وتعمل شركة "هوماي" للتكنولوجيا على إعادة بث الحياة في الإنسان بعد وفاته باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، حيث أشارت الشركة التكنولوجية، إلى أنها تعمل على مشروع من شأنه أن يسمح بوضع وعي الإنسان ضمن أجسام اصطناعية بعد وفاته.

التقنية التي تقترحها شركة “نتكوم” غير متوفرة الآن لذلك مازالت غير متوفرة للبيع، لكن مع ذلك هناك قائمة يمكن للمتفائلين بالجنة الرقمية أن يسجلوا فيها مقابل مبلغ مالي قدره عشرة آلاف دولار.

هذا ليس تقديما أو إعلانا لفيلم خيالي علمي، ولكنه بحوث علمية تجريها الشركات التكنولوجية ومنها “نتكوم” الناشئة والتي تحصلت على جائزة مالية لعملها في حفظ دماغ خنزير، حيث تم الاحتفاظ بالوصلات العصبية في مكانها بعد أن أُعيدت إلى حالة مرنة.

ويسعى الباحثون في الشركة إلى الحفاظ على الوصلات العصبية للدماغ من خلال حفظه في محلول تزجيج (عملية تحويل المادة إلى مادة صلبة غير متبلورة شبيهة بالزجاج خالية من أي بنية بلورية)، يبقي كل وصلة عصبية في حالة زجاجية، ريثما يتمكنون من صياغتها على شكل برمجية حاسوبية.

التكنولوجيات الحديثة شجعت العديد من الشركات والمخابر على خوض مغامرة البحث في إمكانية خلود الإنسان أو الاحتفاظ بذاكرته بعد وفاته

التكنولوجيات الحديثة شجعت العديد من الشركات والمخابر على خوض مغامرة البحث في إمكانية خلود الإنسان أو الاحتفاظ بذاكرته بعد وفاته، فقد تمكن الباحثون من جامعة ييل بالولايات المتحدة الأميركية من حفظ أدمغة نحو 200 خنزير حية لمدة وصلت إلى 36 ساعة، بعد فصلها عن أجسامها.

وأوصل الباحثون في تجربتهم المثيرة، الأدمغة المفصولة بنظام مغلق أطلقوا عليه اسم “براين أكس”، لضخ دم صناعي غني بالأوكسجين إلى خلاياها للحفاظ عليها على قيد الحياة.

وتمهد هذه التجربة الطريق لإجراء عمليات زرع أدمغة للبشر، من خلال ربطها بأنظمة صناعية بعد فصلها عن الجسم الميت، الأمر الذي يتيح للأدمغة البشرية البقاء لفترة أطول بعد الموت.

ووصف الدكتور نيناد سستان، الذي قاد فريق العلماء من جامعة ييل، نتائج الدراسة بأنها “محيرة للعقل وغير متوقعة”.

وقال سستان إنه “من الممكن أن تبقى الأدمغة حية إلى أجل غير مسمى، وإنه يمكن اتخاذ خطوات إضافية لاستعادة الوعي”، في خطوة قد تسمح بالخلود.

تجارب شركة نتكوم تعتبر غير قانونية ما لم تحصل على شروط خاصة جدا، شبيهة بتلك التي يتضمنها قانون الموت الرحيم.

وللقيام بعملية حفظ الوصلات العصبية للدماغ لا يمكن للباحثين أن يجعلوا المتبرع  يصاب بمكروه، لأن توقف جريان الدم لدقائق معدودة لا تتجاوز الخمس، يمكن أن يكون كافيا لموت الخلايا العصبية غير الحصينة، لذا يجب أن يكون القلب لا يزال ينبض لكي تبدأ عملية الحفظ. ويمكن بذلك للشركة أن تمنح أولئك المصابين بأمراض مستعصية بصيصا من الأمل في الاستيقاظ في دار خلود افتراضية، وذلك عبر دماغ رقمي في المستقبل البعيد.

ومنذ منتصف القرن العشرين، تعمل الشركات على تجميد أجساد البعض في الثلاجات، أملا في أن يصبحوا في يوم ما قادرين على حلها وإعادتها إلى شكل ما من أشكال الحياة.

وتعمل شركة “هوماي” على مشروع من شأنه أن يسمح بوضع وعي الإنسان ضمن أجسام اصطناعية بعد وفاته.

إعادة زرع الدماغ في الجسم الصناعي
إعادة زرع الدماغ في الجسم الصناعي

وتقوم الشركة باستخدام الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو لتخزين البيانات عن أساليب التخاطب، والأنماط السلوكية، وعمليات التفكير والمعلومات حول كيفية عمل الأجسام، حيث سيتم بعد ذلك ترميز هذه البيانات إلى تقنيات استشعارية متعددة، وسيتم إدخالها إلى أجسام اصطناعية تحتوي على دماغ الشخص المتوفى.

هذه التقنية تستخدم أيضا تكنولوجيا الاستنساخ، حيث سيكون العلماء قادرين على استعادة خلايا دماغ الشخص المتوفى الذي يجري استنساخه أثناء نضوجه.

وسيتم تجميد دماغ الشخص المتوفى باستخدام تكنولوجيا التجميد، ليتمكن الباحثون بعد الانتهاء من تطوير هذه التكنولوجيا بشكل كامل من إعادة زرع الدماغ في الجسم الصناعي.

ويقول الباحثون إنه سيتم التحكم بوظائف الجسم الاصطناعي من خلال الأفكار عن طريق قياس موجات الدماغ، ومع تقدم الدماغ في العمر سيتم استخدام تكنولوجيا النانو لإصلاح وتحسين خلاياه، وستساعد تكنولوجيا الاستنساخ في هذا الأمر أيضا، كما أنه من المتوقع أن تكون الشركة قادرة على إعادة إحياء أول إنسان في غضون 30 عاما من الآن.

ولكن إعادة الدماغ المتجمد إلى العمل بصورة متكاملة والتي تعمل عليها الشركات مثل نتكوم وهوماي، أو حتى نسخه إلى شيفرة حاسوبية تؤدي وظائفه، تتطلب قفزة كبيرة جدا في التكنولوجيا.

بالإضافة إلى أن الحفظ بالتجميد يؤدي دورا ضعيفا في الحفاظ على المشابك (أو الوصلات) العصبية من التلف والإبقاء عليها في مكانها، وسيكون هناك فرق شاسع بين قدرة الدماغ البشري والشيفرة الرقمية، لكن اعتقاد الباحثين يذهب إلى أن هذه النسخة البرمجية من الدماغ البشري ينبغي أن تضم ذكريات الإنسان، ومن ثم فإنه سوف يحيا أفتراضيا إلى الأبد داخل محاكاة حاسوبية.

يبدو أن الحديث عن تخليد دماغ الإنسان أو رقمنته إلى ما بعد موته يدور حول الأمل أكثر من العلم رغم أن العقبات التي تواجه البحث العلمي ليست سوى جزء من المشكلة.

ومازال العلماء غير قادرين بعد على حل المعضلة الكبرى، والتي تتجلى في عدم فهم الطريقة التي يمكن من خلالها لأنظمة مادية كالأدمغة والكمبيوتر قريبا أن تكون واعية، ما يطرح التساؤل المهم عما إذا كان الدماغ بحاجة إلى جسد لكي يؤدي وظائفه؟

الخلود سؤال وجودي يحير الإنسان منذ الأزل، ومع تقدم التكنولوجيا نجح الباحثون في صنع روبوت يقود السيارة ويقوم بمهام دقيقة وصعبة كالطب مثلا، هذه الإنجازات الناجحة جعلت العلماء يفكرون في إمكانية حفظ ذاكرة الإنسان ودماغه بعد وفاة صاحبه على شرائح الكترونية يمكن أن تستخدم مع التقدم العلمي، الذي لا يعرف الحدود، في أجساد بشرية أخرى أو في أجهزة إلكترونية. ورغم أن الفكرة تبدو أنها تفوق القدرة البشرية لكن العلم لا يتوقف عن التجربة والمحاولة.

17