التكوين الثقافي للطفل

الأحد 2017/07/09
الحديث عن ثقافة الطفل أمس واليوم يعني تطلعا نحو المستقبل (لوحة: محمد عرابي)

الطفل كائن اجتماعي يتأثر بما حوله وبالتالي فإن تشكيل المخزون المعرفي الثقافي له يصير رهانا نسعى لكسبه بوسائط تثقيف متعددة بعضها منسجم وإيجابي وبعضها غرضي وسلبي إلى جانب تطور المعارف وثورة الاتصالات وسهولة إتاحة المعلومات ما أدى إلى إلقاء مسؤوليات كبيرة على أجهزة ثقافة الطفل للاهتمام بنشر الثقافة مع الحفاظ على الهوية الثقافية وتعدد المؤسسات التي تساهم في تكوين ثقافة الطفل ومنها الأسرة والمدرسة والأجهزة التابعة لوزارات الثقافة والإعلام والشؤون الاجتماعية والشباب، ومن هنا فالمسؤولية جماعية تجاه الاهتمام بثقافة الطفل وبالقدر الذي تتسق فيه جهود هذه الأجهزة وتنسجم في قيمها وأساليبها يصبح التكوين الثقافي للطفل منطلقا لخلق الطاقات الإبداعية وإثراء حياته وحياه مجتمعة.

فالحديث عن ثقافة الطفل أمس واليوم يعني تطلعا نحو المستقبل، وصناعة هذا المستقبل تنطلق مع هذه اللحظة الراهنة في ضوء تعدد المتغيرات العالمية والمجتمعية المعاصرة والتي أصبحت تؤثر تأثيراً بالغاً على التعلم ونظم التنشئة الاجتماعية بأبعادها المختلفة فيما يختص بإعداد الأطفال إعداداً متينا.

فإن هذا يضاعف من الاهتمام البالغ بثقافة الطفل حيث تواجهه ملامح ثقافة مغايرة لثقافته. وفي مقابل ذلك نجد ترديا واضحاً لطبيعة الخدمات الثقافية التي توجّه للطفل على المستويات الجغرافية أو النوعية (ذكر وأنثى) بحيث ظهر بكل جلاء وجود اختلال واضح في توزيع مثل هذه الخدمات لصالح المناطق الحضرية والأغنياء وأصحاب رأس المال الثقافي مع وجود تمايز بين المدن والأرياف وبين المناطق الراقية والعشوائية.

الأدب وشخصية الطفل

أولا: يمكن تعريف أدب الطفل بأنه نصوص إبداعية تحمل خبرات لغوية موجهة للأطفال تقصد بها التربية الاجتماعية والنفسية والتربوية والفنية والجمالية، فضلاً عن التنمية العلمية والفكرية واللغوية ومستويات التخيل، وذلك من خلال تقديم خبرة لغوية تتناسب مع عمر الطفل ومستواه الإدراكي بأسلوب جميل ومشوّق ومناسب.

ثانيا: يستطيع أدب الطفل أن يشكل شخصية الأطفال من خلال ما يقدمه من قيم تربوية وأخلاقية ومعرفية واجتماعية ونفسية ولغوية وجمالية ويمكن تلخيصها بالآتي:

تربية الأطفال تربية سليمة وصولاً إلى مجتمع سليم.

تنمية الذوق الأدبي والفني والجمالي، تنمية الحاسة النقدية عند الأطفال.

تقديم قيم لغوية سليمة وتنمية الثروة اللغوية للطفل وتشذيبها.

على الرغم من استحواذ الكمبيوتر والإنترنت على عقول أطفالنا إلا أن الكتاب الورقي لازال ينال مكانته فالطفل يميل إلى قراءة الكتاب الورقي ويتفحص رسومه بدقة

تحسين مخارج الحروف عند الأطفال وتعليمهم أسلوب النطق السليم.

إطلاع الأطفال على البيئة المحيطة بهم وتقديم حزمة من المعارف في التاريخ والجغرافية والعلوم والطبيعة.. إلخ.

تقديم المعرفة العلمية على نحو شيق.

تقديم شخصيات تكون قدوة للطفل.

تقديم نماذج من التفكير السليم من خلال شخصيات قصصية أو مسرحية.

تنمية القدرات الإبداعية للأطفال.

تهيئة الطفل كي ينهض بدور ايجابي في عالم المستقبل من خلال تشكيل إنسان فعال مفكر ومبدع قادر على التفكير والتخطيط والتطوير واتخاذ القرارات المناسبة في مختلف الميادين.

تشكيل عادات اجتماعية سليمة.

تنمية قدرة الطفل على معرفة الأشياء من حوله من خلال تنمية قوة ملاحظته.

تنمية ملكة التحدث والإنشاء والحفظ.

كما أن الأدب وسيلة هامة في علاج بعض الأمراض النفسية كالخجل والعدوانية وغيرها. ومن أهم فنون الأدب المؤثرة في الطفل “القصة” لأنها لا تقدم للطفل الإمتاع والتسلية فقط، بل هي قادرة على إشباع وتنمية خياله وقدرته على الابتكار، وتنمية الذوق الفني والحسي لديه، وإثراء لغته من خلال تزويدها بالمفردات والتراكيب والعبارات الجديدة، وإكسابه اتجاهات اجتماعية جيدة من خلال المشاركة في الألعاب وكيفية التصرف في بعض المواقف، وزيادة خبرات الطفل عن الطبيعة والعالم الخارجي المحيط به.

وإلى جانب القصة أيضا لدينا الشعر والمسرح والرسم والألعاب الإبداعية وألعاب الذكاء وغيرها. كلها في النهاية تصبّ في نهر واحد ألا وهو تنمية ذكاء الطفل وإكسابه ثروة لغوية لا بأس بها كما تلهمه القدرة على التعامل بتلقائية وفهم كبير لما يدور حوله. إذن فأدب الطفل هو الأكثر تأثيرا والأكثر قدرة في تعليم الطفل من المناهج التعليمية لأنه لا يعتمد على التلقين والحشو الذهني كما يحدث في مجال التعليم.

الأطفال وقيم التسامح

إن تنشئة الطفل وتربيته على الاعتزاز بالهوية وعلى الشعور بالانتماء الحضاري والإنساني مع التشبع بثقافة التآخي والتسامح واحترام وحب الآخرين، والانفتاح على المجتمعات الأخرى ونبذ التعصب بجميع أشكاله الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية هي مسؤولية الحاضنة الأولى للطفل أي الأسرة ومن ثم المدرسة والمجتمع بصورة عامة. ولتحقيق هذا الهدف ينبغي على كلٍّ من الأسرة والمدرسة والمجتمع التركيز على تكوين شخصية استقلالية للطفل معتزة بنفسها وصادقة وواثقة ومتواضعة وبعيدة عن التعصب بجميع أشكاله.

الموسيقى والمسرح والكتابة والرسم كلها فنون قادرة على تفريغ الشحنات السلبية خارج عقل الطفل وإكسابه خبرات وطاقة ايجابية كبيرة تدفعه إلى التميز وحب الحياة

ولكي ينشأ الطفل على الاستقلالية ويعتاد الاعتماد على النفس ولا يصاب بالأمراض النفسية كالغيرة والحسد والازدراء والانتقام والتعصب يجب على الآباء والأمهات أن يهتموا بهذا الطفل اهتماما بالغا منذ الصغر فيحاولوا أن ينمّوا مقومات الشخصية عند طفلهم بالقدوة الحسنة. يجب عليهم أن يسلكوا معه بصورة يعتقد الطفل معها أنه ذو شخصية مستقلة وأنه عضو حقيقي في الأسرة منذ نعومة أظفاره. ومن أسلم الطرق وأفضلها في تعزيز شخصية الطفل هي احترامه والامتناع عن تحقيره وإهانته. ومن هنا ينبغي على الوالدين احترام الطفل في الأسرة والاهتمام بشخصيته. وكلما التزم الأبوان باحترام طفلهما والتسامح معه توجّه هو إلى الآخرين بالحبّ والاحترام والتسامح كذلك. وإلاّ قد تنمو لديه نزعة الكراهية والرفض لنفسه وللآخرين.

ويشمل دور الأسرة أيضا اختيار الكتب لأبنائهم والتي تحترم كل هذه القيم فالكتاب أكثر تأثيرا على الطفل بما يحتوي من حكايا ورسوم قادرة على توصيل ما نريد أن نغرسه في الطفل، لأن العمل الإبداعي لا يحتوي التلقين والتوجيهات المباشرة والأوامر التي ينفر منها أطفالنا.

وعلى الرغم من استحواذ الكمبيوتر والإنترنت على عقول أطفالنا إلا أن الكتاب الورقي لازال ينال مكانته فالطفل يميل إلى قراءة الكتاب الورقي ويتفحّص رسومه بدقة وينقد ويناقش ولديه عين ثاقبة أحيانا ولا زال يتأثر بما يقرأ، فلا يصحّ أن نقدم له عملا إبداعيا يتكلم عن عدم التسامح مع الآخر إن أخطا ونطلب منه ألا يتأثر بمضمون الكتاب ويصفح عن صديقه الذي أساء إليه، أو أن نقدم له عملا يوضح الإصرار على الرأي مهما كان خاطئا وعدم تقبل الرأي الآخر ونطلب منه أن يتقبل الرأي الآخر.. فالطفل يتأثر بما يقرأ أكثر مما يوجه إليه بشكلٍ مباشر..ولا بد أن تراعي الأعمال الأدبية الموجهة للطفل هذه المناحي وأن نربي فيه ثقافة الاختلاف وتبادل الآراء والثقافات والمفاهيم وعدم التعصب والتسامح مع الذات وقبول الوضع، ككثيرٍ من الأعمال التي أراها جيدة وتبث هذا في نفوس الأطفال.

كما يكسبه القدرة على التعبير بحرية وثقة كبيرة عن نفسه، لأنه لا يجد في كثير من الأحيان من يسمعه ويرد على استفساراته العديدة بسبب انشغال الوالدين في مناحي الحياة العملية وصراعاتها وانشغالهم بإشباع احتياجات الطفل المادية التي لا تكون عوضا عن احتياجاته النفسية والروحية. فالحديث مع الطفل هام جدا ولقد طبقت ذلك كثيرا من خلال مشروعي مع الأطفال في ورش الحكي وورش التخيل التي أفرزت مبدعين رائعين من الأطفال الذين استطاعوا اكتشاف الجوانب الايجابية لديهم وظهرت مواهبهم على السطح بمجرد أن امتلكوا القدرة على التعبير عن الذات، واكتشفوا جوانب عديدة في الحياة غير المفروضة عليهم في الكتب المدرسية.

فورش الحكي وممارسة الطفل لأنشطته المختلفة تساعده على الحياة والخروج من الدائرة المغلقة التي يحكمها حوله الأبوان بموجب الحرص على مستواه التعليمي غير أنه عندما يمارس هواياته تدفعه للنجاح أكثر وذلك ما أثبتته التجارب العملية معي من خلال عملي كمعلمة، فالموسيقى والمسرح والكتابة والرسم كلها فنون قادرة على تفريغ الشحنات السلبية خارج عقل الطفل وإكسابه خبرات وطاقة ايجابية كبيرة تدفعه إلى التميز وحب الحياة بدلا من وأدها داخله فتنتج لنا إنسانا مغيبا فارغا تسهل السيطرة عليه.

كاتبة من مصر

12