"التكوين".. فيلم خيال علمي يمزج الميثولوجيا بالتكنولوجيا

فيلم للمخرجين فيريدي ميلز وبارت روسبولي يقدم صورة لما تبقّى من الناجين بعد دمار شامل أصاب الأرض بسبب هجوم إشعاعي أدى إلى مُحاصرتهم.
الاثنين 2018/05/07
مهمشون ينتفضون ضد جلاديهم

لا شك أن موضوع ما بعد فناء الأرض أو فناء الجنس البشري بوصفه موضوعا مستقبليا، قد حرّك خيال الكتّاب والسينمائيين في تجسيد شكل ذلك الدمار الهائل وأحوال ما تبقى من البشرية تحت وطأة الكارثة.

شاهدنا في سينما الخيال العلمي في أكثر من مرة صورة لمستقبل قاتم بسبب ما أصاب الأرض من خراب سواء بسبب الحروب أو ثورة الطبيعة أو غزو الكائنات الفضائية، وخلال ذلك أيضا شاهدنا إنتاج الكائنات الروبوتية التي تخرج أحيانا على السيطرة في ما صرنا نسمعه عن تحديات الذكاء الصناعي.

وفي فيلم “التكوين” للمخرجين فيريدي ميلز وبارت روسبولي (إنتاج 2018) سنشهد جانبا من ذلك، من خلال صورة ما تبقّى من الناجين بعد دمار شامل أصاب الأرض بسبب هجوم إشعاعي أدى إلى مُحاصرتهم.

والناجون هنا سوف ينقسمون إلى طبقتين: الساسة والعلماء، وهم محميون داخل منشأة محصّنة ضد الإشعاع، أما البقية فشبه محميين، لكنهم معرضون للجوع والموت في أي لحظة.

وخلال ذلك تقود الدكتورة إيف (الممثلة أوليفيا غرانت) هي وفريقها أبحاثا لغرض تطوير نسل مبرمج من البشر ومطوّر جينيا لكي يعوّض فناء القسم الأعظم من سكان الأرض، لكنها تكتشف متأخرة أن الهدف لم يكن كذلك، وإنما لخدمة طبقة من أصحاب القرار يقودهم الرئيس بوب (الممثل إيد ستوبارد).

وتجد إيف نفسها في مواجهة بوب وفريقه ويجري الضغط عليها لتطوير الكائن المستنسخ لكي يصبح أداة طيّعة وسهلة بلا إحساس ولا قيم أخلاقية، وهو ما ترفضه لأنها أرادت تطويره دون تشويه خواصه البشرية الأساسية ممّا يدفعها لإنقاذ مشروعها الممثّل في شخصية أبل (الممثل تشيكي أوكونكو) الذي سوف يتمرّد في ما بعد، ويخرج إلى الفضاء الفسيح، ولكنه فضاء ملوّث أيضا.

وبني الفيلم على ثلاثة خطوط درامية أساسية هي التي مثّلت المسار الفيلمي، فهنالك خط يتشكل من الصراع بين إيف وبوب وفريقه، وخط ثان يمثله اللاجئون والمشردون ويمثله باول (الممثل جون هانا)، وما بينهما هنالك الخط الذي يمثله أبل، وهو ما سيتعزّز لا حقا في المشاهد الأخيرة عندما يتم الإفصاح عن المزيد من الكائنات المهجنة على شاكلته، والتي تملك إيف لوحدها السيطرة عليهم، ولهذا سيبرز السؤال في المشهد الأخير: يا ترى هل ستقود إيف هذا الجيش من المهجّنين؟

وخلال ذلك لم يتم بشكل بارع ومميز فرز الخطوط الدرامية ومسارات السرد وطغت على الفيلم الحوارات بدل الأفعال والأحداث، وربما يكون سبب ذلك هو أن المجموعتين محاصرتين في بقعة مكانية محدودة لم يكن بالإمكان فعل الكثير فيها، لكن ذلك لا يمنع بث حبكات ثانوية كانت بالغة الأهمية لكسر رتابة الحوارات المطوّلة.

وفي موازاة ذلك وخروجا عن رتابة المكان، كان خروج الحرّاس المدجّجين بالسلاح ببدلاتهم الواقية من الإشعاع، هو محاولة لإيجاد بديل مكاني وتنويع في الأحداث، مع أنه ليس هناك الكثير ممّا شهدته تلك المساحات المقفرة ما عدا المواجهة بين الحرّاس وبين أيل لغرض قتله.

وفي الوسط كانت إيف تدافع عن مشروعها، لكن واقعيا ظلت الكائنات الهجينة هي التي تستخدم ضد البشر. ولم تكن الأحداث لتبقى على رتابتها، وكان لا بد من لحظة مواجهة عاصفة، وهو ما سوف يقع في ما بعد عندما يجد اللاجئون والفئة المنبوذة المحاصرة أنفسهم وهم ينتظمون في شبه انتفاضة ضد سجّانيهم الذين يقبعون في منشأة محصّنة، وذلك هربا من التلوّث والجوع والبرد.

الناجون ينقسمون إلى طبقتين: الساسة والعلماء، وهم محميون داخل منشأة محصنة ضد الإشعاع، والبقية مهمشون ومنبوذون

 هي إذن نهاية تراجيدية تؤدي إلى تسرّب الإشعاع وتلوّث كل شيء حتى أنك لا شعوريا يتسرب إليك الإحساس بالاختناق وأن الهواء نفسه لا يمكن استنشاقه من دون مرشحات يمر من خلالها لتنقيته.

وعلى وفق هذه المسارات قاد المخرجان فريقهما من الممثلين في تكرار ضمني لطبقة الأسياد والعبيد، والقصة تتعلق بمشروع اسمه (إيدن) يزعم القائمون عليه برئاسة بوب على أنه إنقاذ للبشرية، وهو في الحقيقة يهدف إلى تهميش المنبوذين من اللاجئين والإتيان بفئة جديدة تصنعها المختبرات.

ولعل المواجهة تم بناؤها إخراجيا لتخضع أيضا إلى ضيق المكان، وهو حل إخراجي لم يتم تعميقه بما فيه الكفاية، مع أن استخدام الصوت والإضاءة والمونتاج كانت على درجة من التميز، خاصة عندما يطلق البرنامج الآلي تحذيرات عن مستويات التلوّث وخطورة البقاء في ذلك المكان.

وخلال ذلك كله، كانت مشاهد الحركة وخاصة عند المواجهة بين المجموعتين، هي أهم مشاهد الفيلم، إذا أضفنا لها الحضور المميز للدكتورة إيف وأداءها المتوازن، ومع تصاعد الأحداث تم تكثيف استخدام حركة الكاميرا وزوايا التصوير بمساعدة الإضاءة والمؤثرات الصورية.

وابتداء من اسم الفيلم إلى اسم المشروع (عدن) وتكرار كلمتي بابل وأريحا، كان من الملفت للنظر السعي لزج حقائق الخلق والتكوين والميثولوجيا أو ما جاء في سفر التكوين، لكنه استخدام بقي سطحيا ولا امتداد له أو صلة بما جرى من أحداث ووقائع.

16