التلاميذ يضربون رفضا لإصلاح المنظومة التعليمية في تونس

تشهد العملية التعليمية في تونس حالة من الاضطراب بسبب الإضرابات التي شملت كافة مكونات العملية التربوية من أساتذة ومعلمين وإداريين وطلاب، وذلك بسبب التغييرات في استراتيجية التعليم التي تضمنها الإصلاح التربوي الذي تعتزم وزارة التربية إرساءه والذي لم تجد مختلف التغييرات المدخلة عليه الترحيب من مختلف الأطراف المتدخلة في الشأن التعليمي.
الثلاثاء 2016/12/20
تعبنا من الفروض

تونس - قاد التلاميذ في العديد من المدارس والمعاهد التونسية خلال الأيام الماضية احتجاجات ومظاهرات تندد بتواتر الفروض (الامتحانات) المدرسية التي أرهقتهم حسب تعبيرهم.

وانضم التلاميذ في جميع أنحاء البلاد إلى الحركات الاحتجاجية وتمت مقاطعة الدروس في عدة مدارس وخرج الطلاب إلى الشوارع رافعين شعارات تعبر عن رفضهم للإصلاحات الجديدة، وقال بعض التلاميذ المشاركين في المظاهرات إنهم يعانون من برامج دراسية طويلة جدا ومن ظروف دراسية صعبة ومن غياب المرافق في المؤسسات التربوية، مما أدى إلى تدهور مستوياتهم التعليمية.

ووفق مشروع الإصلاح التربوي، الذي تعتزم وزارة التربية في تونس إرساءه بدءا من العام الدراسي الحالي، فقد تم تغيير برنامج الفروض وتغيير وقت الدوام المدرسي وبرنامج العطل المدرسية، ما أثار امتعاضا لدى التلاميذ.

وتقول سناء، وهي إحدى التلميذات المشاركات في الاحتجاجات، إن النظام التعليمي في البلاد “لا يلبي ما هو ضروري”، وهي وجهة نظر تتقاسمها مع بعض زملائها في المعهد.

وأضافت سناء، التي تزاول تعليمها بمعهد بورقيبة النموذجي الذي يستقبل نخبة التلاميذ في وسط مدينة تونس بالفصل الثاني في تخصص العلوم، “لقد دخلنا في حركات احتجاجية لدعوة الوزارة إلى الحد من الواجبات المنزلية. التغييرات التي أدخلها الوزير في أعقاب دعوات الإصلاح التربوي، خصوصا تلك المتعلقة بالواجبات المنزلية، غير ملائمة”.

ويقسم العام الدراسي، وفق منظومة التعليم القديمة في تونس، إلى ثلاثة أثلاث، يلي كل منها أسبوع من الامتحانات وبعده مباشرة تأتي العطلة المدرسية. وتغير هذا النظام بموجب مشروع الإصلاح الجديد، إلى نظام يتكون من سداسيتين مع نظام امتحانات مستمر، أي بمعدل ثلاثة فروض في كل أسبوع. وهذا يعني أنه من المقرر أن يتم إجراء حوالي 60 امتحانا خلال السنة الدراسية.

تلاميذ المدارس الثانوية يشتكون من وتيرة 8 ساعات دراسية في اليوم لمدة 3 أيام في الأسبوع، و5 ساعات في الأيام المتبقية

هذا التغيير في النسق والزمن المدرسيين مع المحافظة على نفس البرامج التعليمية القديمة خلق حالة من الاستياء لدى أولياء الأمور والتلاميذ. ويشكو تلاميذ المدارس الثانوية من وتيرة 8 ساعات دراسية في اليوم، لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع، بالإضافة إلى 5 ساعات من الدروس في الأيام الثلاثة المتبقية، أي ما يعادل 39 ساعة من الدروس في المجمل.

ويقول خليفة شوشان، وهو مرب بإحدى مدارس القطاع الخاص لـ”العرب”، “كمعلم أتفهم جيدا إضراب التلاميذ كحركة احتجاجية تدل على أنهم واعون بقضايا عصرهم ومشاغلهم ويتفاعلون مع محيطهم بالرفض والاحتجاج، وهي ظاهرة صحية. وعندما أضرب الأساتذة واقتحم بعض أولياء الأمور المؤسسات التربوية، خاصة إثر إعلان الإضراب المفتوح ومقاطعة الأسبوع المغلق، تهجّم الآباء على الأساتذة ونعتوهم بأبشع النعوت التي كان يرددها وزير التربية في وسائل الإعلام، لكن تلاميذنا أبدوا تفهما لمطالبنا”.

وأضاف “كانت توقعات التلاميذ كبيرة وعلقوا آمالا عريضة على إصلاح تربوي يخفف من ثقل جداول الأوقات التي تتراوح بين 7 و8 ساعات من الدروس طيلة أيام الأسبوع حتى السادسة مساء موعد انطلاق ماراثون الساعات الإضافية للدروس الخصوصية. ومع بداية كل سنة وطيلة العطلة الصيفية عاش التلاميذ على وقع تصريحات وردية ووعود بمدرسة رقمية وأجهزة ‘تابلات’ لكل تلميذ وزمن مدرسي مخفف يقتصر على حصة صباحية وأنشطة ثقافية مساء الأربعاء والجمعة”.

ويؤكد شوشان أن التلاميذ عادوا إلى مقاعد الدراسة فوجدوا “دار لقمان على حالها”، بل إن الأمر ازداد سوءا مع حرص الوزارة على عدم انتداب أساتذة جدد، فارتطمت أحلامهم بمنظومة تربوية يقرّون بفشلها وبضعف مستواهم.

وتعاني المدارس في تونس من أقسام مكتظة وعجز في التجهيزات (من طاولات وكراس وسبورات)، كما يزاول التلاميذ دروسهم وفق جداول أوقات محشوة بساعات دراسة دون توفر تجهيزات جديدة ولا كتب ولا برامج محدثة.

ويختم شوشان بالقول إن “إضراب التلاميذ واحتجاجهم يأتيان بمثابة تمرد على وزارة تستخف بعقولهم ولم تصارحهم بأن الإصلاح صيرورة تتطلب سنوات وليست قرارات ارتجالية، وهما أيضا بمثابة رفض لوزير عيونه مسلطة على استطلاعات الرأي ومستقبله السياسي ولا يأبه لمشاغلهم، ويعبران عن زفرة تلميذ مقهور من منظومة تربوية فاشلة”.

ومن جانبه يقول الكاتب العام للنقابة الأساسية للتعليم الأساسي بسيدي حسين السيجومي (قرب العاصمة تونس) صالح الفرجاوي في حديث لـ”العرب”، إن “إعلان وزارة التربية عن تاريخ العودة المدرسية لهذا العام ثم التراجع عنه والإعلان عن مناظرتي السنة السادسة والسنة التاسعة ثم التراجع عنهما والمطالبة ببدء الامتحانات في غرة أكتوبر، كلها عوامل خلقت اضطرابا وضغطا لدى التلاميذ منذ بداية العام الدراسي، وهو ما دفعهم إلى الاحتجاج والتظاهر”.

واعتبر نديم الهذلي، أستاذ الفلسفة بإحدى المدارس الثانوية في بنزرت، أن هذه الإصلاحات تمنع التلاميذ من التركيز أثناء الدرس. وأضاف “خلال صف الفلسفة لا يركز التلاميذ لأنهم يفكرون في أحد الفروض في ما بعد”، موضحا أن التغييرات في مواعيد الفروض تسبب سوء إدارة الوقت المخصص للدروس وترهق التلميذ.

كما يعتقد الهذلي أن منهج العام الدراسي الحالي مثقل للغاية والإصلاح من المستحيل إتمامه. وهو ما أكده وزير التربية ناجي جلول في تصريح إذاعي قائلا إن “الخطأ الحاصل هو أننا طبقنا نظام مراقبة مستمرة في وقت متأخر مع الحفاظ على برامج قديمة وثقيلة بكتب قديمة، الأمر الذي خلق نوعا من الضغط على التلاميذ”. وأبدى الوزير تفهمه للضغط الذي يعيشه تلاميذ المعاهد الثانوية والإعدادية بسبب الانتقال المفاجئ في النظام الدراسي، مؤكدا أنه سيتم خلال العام الدراسي القادم إرساء برامج جديدة وإعداد كتب جديدة تتماشى مع المناهج التعليمية الجديدة.

17