التلبيس والمغالطة في الأيديولوجيا الإخوانية

الجمعة 2013/10/25
من «مآثر» التيارات الإسلامية الحاكمة أنها قسمت الشعب إلى مسلمين وكفار

ما هي مرجعيّة الإخوان؟ لماذا يصرّون على الجمع بين الدّين والسّياسة؟ يبدو أنّ عقيدتهم تنهض على خلفيّة التأثر بسيرة النبي محمد في مستوى التنظيم السياسي للمدينة بعد الهجرة. ويقوم هذا التنظيم المحمدي على الجمع بين الدين والسياسة. فقد كان مطالبا بابتكار كل الإمكانيات الكفيلة بالحفاظ على وحدة القبائل المتنوعة المختلفة التي اجتمعت في المدينة. ولم تكن العقيدة الإسلامية كافية لضمان تآلف هذا التنوع القبلي وضمان عدم تمرده وانشقاقه. ولم تكن هذه العملية يسيرة لاسيما بسبب اتسام ذلك الواقع بالقبلية والعشيرية. وفي هذا الواقع الخاص اضطر النبي محمد إلى إنشاء صحيفة المدينة. وهي عبارة عن ميثاق سياسي للتعايش بين الجميع، ولم يكن الأمر هيّناً لاسيّما بعد غزوة بني المصطلق حيث تراءى التّنازع بين القبائل الإسلاميّة من جديد. فالنّبيّ لم يكن فقط رجل دين بل كان أيضاً رجل سياسة محنّكاً يعمل على إيجاد الحلول لواقع المدينة المعقّد تعقيداً شديداً.

نقرأ في كتاب محمد محمود، «نبوة محمد: التاريخ والصّناعة، مدخل لقراءة نقديّة»: «كان همّ محمّد الأول والتحدي المباشر الذي واجهه عندما قدم المدينة هو وضع اللبنة الأولى لمشروعه السّياسي بإنشاء تحالف بين القوى المختلفة التي شكّلت مجتمع المدينة، إلاّ أنّ واقع المدينة كان أكثر تعقيداً من ذلك إذ أن الأوس والخزرج لم يكونوا متحدين كل الاتحاد، وشاب علاقتهم التوتر. كما أن اليهود كانوا منقسمين لثلاث قبائل هي بنو قريظة وبنو النّضير وبنو قينقاع. وهي قبائل لم تكن متحدة كل الاتحاد.

وكانوا يدخلون في تحالفات مع الأوس والخزرج، ويحاربون بعضهم البعض. وبهجرة محمّد وأصحابه من القرشيين، انضاف لهذا الواقع عنصر جديد هو عنصر المهاجرين. ورغم أن الأوس والخزرج اكتسبوا هوية جديدة بعد الهجرة إذ أصبحوا يعرفون بالأنصار. إلا أن هذا لم يعن أن كافتهم قد دخلوا الإسلام أو قد قبلوا سلطة محمد، فإن عشيرة الأوس المعروفة بأوس الله لم تدخل الإسلام. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك حزب المعارضة بقيادة عبد الله بن أُبَيّ بن سلول1، زعيم الخزرج، الذين عرفوا في الأدبيّات الإسلاميّة بـ «المنافقين»، وهم فئة سايرت غالبيّة الأنصار وقبلوا الإسلام قبولاً ظاهريًّا رغم عدم إيمانهم به ومقاومتهم لسلطة محمّد»2.


الإسقاط الإخواني


ولكنّ جمع النّبيّ محمّد بين الدّعوة وبين الحنكة السّياسيّة لا يعني أنّ تقليده ممكن اليوم. ولا يعني أيضاً أنّ هذه الاستعادة صالحة لهذا العصر ومفيدة له. فالمشكلة في الإيديولوجيا الإخوانيّة هي التّلبيس والإسقاط. فهم يلبّسون واقع اليوم خصوصيّات الماضي. ويسقطون نظريّة النّبيّ محمّد في الممارسة السّياسيّة على مجتمعات اليوم دون اعتبار للفوارق التّاريخيّة والحضاريّة والاجتماعيّة بين واقع النّبيّ في المدينة زمن الهجرة وبين واقعنا اليوم. فصحيفة المدينة كانت حلاّ خاصا لواقع مخصوص. فيما إيديولوجيَا الإخوان وعقيدتهم إسقاط لمشروع قديم على واقع جديد لا يحمل نفس الشّروط. فالنّبيّ محمّد حمّل رسالته الإسلاميّة مشروعاً سياسيًّا حتّى تعيش وتستمرّ، فيما الإخوان يتحرّكون في فضاء حضاريّ مسلم وفي مجتمعات مدنيّة مرتبطة بالاتّفاقيّات الدّوليّة والقيم الحقوقيّة والدّستوريّة الكونيّة دون أن يعترفوا بها ويصرّون على تقليد السّلف.

ولذلك فإنّ الإخوان يرهقون أنفسهم في محاولة الظّهور بمظهر المعدّلين والمصحّحين والمجذّرين للمجتمع في دينه، إذ أن هذا الجهد لم يؤُل إلا إلى العنف والعبث السياسي. فالنّتيجة أنّ التّيّار الإخوانيّ بدا منبتًّا ولا تاريخيًّا يتعسّف في خلق مشاكل غير موجودة وينبري في الدّفاع عن وجاهة هذه المشاكل ليفرض لها حلولاً لا تاريخيّة مسقطة خارجة عن سياق العصر وعن شروطه. وفي المقابل لا يحفل التّيّار الإخوانيّ بمشاكل عصره ومجتمعه من حقوق مدنيّة وحريّات وتشغيل. وهي مشاكل يعاينها ويعيشها، ولكنّه يتجاهلها.

بقي أنّه لابدّ من الإشارة إلى أنّ النّبيّ محمّد كان يعمل من أجل لمّ شمل كلّ من كان في المدينة من مهاجرين وأنصار، ومن مسلمين ويهود، ومن مؤمنين ومنافقين. أمّا عبد الله بن أبيّ بن سلول فكان يراهن على «انقسام مجتمع المسلمين إلى مهاجرين وأنصار وما نتج عن هذا الانقسام من تراتبيّة أحسّ الأنصار بموجبها أنّهم أصحاب فضل على المهاجرين (والإسلام)»3. فهل الإخوان أقرب إلى النّبيّ محمّد صاحب الاجتهاد في لمّ الشّمل وتحاشي التّباغض والانقسام أم إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول الذي راهن على الانقسام وبنى عليه مخطّطاته في استعادة ملكه؟ لا يمكن أن ننسى هنا حديث راشد الغنّوشي زعيم التّيّار الإخوانيّ في تونس، مثلاً، وبقيّة قادة حركته عن تقسيم المجتمع التّونسيّ إلى حداثيّين وإسلاميّين، وإلى مؤمنين وعلمانيّين. لعلّهم كانوا يمارسون سلوك عبد الله بن أبي بن سلول فيما كانوا يتوهّمون ويوهمون بأنّهم على سيرة النّبيّ محمّد سائرون، ولله في خلقه النّهضويّين تلبيس وشؤون. وهذه هي المغالطة النّهضويّة الإخوانيّة النّاتجة عن التّلبيس.


تدقيقات «نصر حامد أبو زيد»


من المفيد أن نتوقّف هنا عند التّدقيقات التي وضعها المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد حول طبيعة الخطاب الدّينيّ، لأنّها ستفيدنا في فهم الالتباس القائم في خطاب النّهضويّين السّياسيّين منهم والدعويين. يعدد أبو زيد آليات الخطاب الديني بشقيه المتطرف والمعتدل، وهي:

- التّوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع.

- تفسير الظّواهر كلّها بردّها جميعا إلى مبدأ أو علّة أولى، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية.

- الاعتماد على سلطة «السلف» أو «التراث» وذلك بعد تحويل النصوص التراثية، وهي نصوص ثانوية، إلى نصوص أولية تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل، في كثير من الأحوال، عن النصوص الأصلية.

-اليقين الذهني والحسم الفكري «القطعي» ورفض أي خلاف فكري، من ثم، إلا إذا كان في الفروع والتفاصيل دون الأسس والأصول.

-إهدار البعد التاريخي وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل، يستوي في ذلك العصر الذهبي للخلافة الرشيدة، وعصر الخلافة التركية العثمانية.

وقد توصل نصر حامد أبو زيد في تحليله للخطاب الديني اليوم إلى استنتاج مفاده أنه لا فرق بين الخطاب العنيف أو العنفي وبين الخطاب المعتدل، وبالتّالي بين التّيارات الدينية العنفية والتيارات المعتدلة. ولا ننسَى أن المحنة التي تعرض لها أبو زيد كانت من قبل جامعة القاهرة وهي جامعة مدنيّة، ولكن تسرب إليها أساتذة أصوليون يعملون بتنسيق مع جامعة الأزهر. وقد آلت محنة اضطهاد «أبو زيد» إلى التّشهير به، ثم تكفيره ومقاضاته بتهمة الردة.

لعلّ استنتاجات «نصر حامد أبو زيد» تدعم ما نذهب إليه من أن حركة النهضة الإخوانية والتيارات السلفيّة في تونس ليست إلا كوجه الكف وقفاه. فجميعها تتبادل الأدوار و»تتخادم» في سبيل تحقيق مشروعها في أخونة المجتمع التّونسي بل حنبلته وسلفنته.. وأنى لها ذلك..؟

13