التلفاز غول الآني والسينما صبر اللقطة وخلود الحدث

الاثنين 2014/03/17
فيلم "الكوكب الأبيض" نموذج لصبر السينما في توثيق المشاهد

لندن - لا شك في أن التلفاز هو المنافس الأخطر للسينما، لكنه لم يستطع أن يبزّها أو يتفوق عليها، لأسباب كثيرة من بينها أن السينما هي فن نخبوي يجذب الشرائح المثقفة التي تبحث عن المتعة والفائدة في آن معا، أما التلفاز فهو جهاز شعبي، لأنه يبتغي الوصول إلى المجتمع والتأثير فيه بغض النظر إن كانت هذه الشرائح نخبوية أم جماهيرية.

مما يزيد الأمور تعقيدا في عالمنا العربي أن التلفاز مرتبط غالبا بالأنظمة القمعية، والحكومات المتوارية خلف سياقات ديمقراطية مزيّفة ومفروضة من الخارج، لذلك فهو يمثل وجهة نظر الدولة ويتماهى مع خطابها الفكري المؤدلج، فلا غرابة أن ينفر منه المواطنون البسطاء قبل النخبة أنفسهم.

كما لا يمكننا أن ننكر أن السينما في العالم العربي مرتبطة بتحقيق المتعة لجمهورها الشعبي العام، أما الباحثون عن الفائدة المعرفية، والمتعة البصرية الخلاقة فهم يشكلون الأقلية التي تقتصر على أصحاب الاختصاص من جهة، وعلى المثقفين والأدباء والمفكرين والإعلاميين من جهة أخرى، لأنهم يرون في السينما خطابا بصريا مبدعا ينمّي ثقافة المتلقي، ويحسّن ذائقته، ويعمّق إحساسه الفني المرهف.

وعلى الرغم من أن التلفاز يعرض أفلاما وبرامج ثقافية مهمة في بعض الأحايين، لكنه لا يراعي المواد النوعية دائما، بل يلجأ غالبا إلى الكم على اعتبار أن التلفاز هو غول جائع يلتهم كل ما يصادفه من طعام، بل هو أشبه بالمَحرقة التي تحتاج إلى وقود دائم. أما السينما فهي تقترن بالنوع دائما وتتأنى كثيرا في إنتاج مادتها البصرية التي تهدف إلى مخاطبة الأذهان المثقفة أو المتعلمة في أقل تقدير. فلا غرابة أن تستغرق بعض الأفلام أكثر من خمس سنوات في البحث والتأليف والتصوير، قبل وضع اللمسات المونتاجية الأخيرة عليها كي ترى النور. ولتأشير أبرز الفروقات الرئيسة بين السينما والتلفاز أن معدل الزمن في الفيلم السينمائي لا يتجاوز الساعة ونصف الساعة أو ساعتين في أكثر الأحوال، لذلك يجب أن يكون مكثفا إلى أبعد حدّ، بينما لا تحتاج المسلسلات التلفزيونية إلى هذا التركيز، ولا تجد حرجا في أن تكون ممطوطة وسائبة إلى الدرجة التي تتيح للمتلقي ألا يرى بعض الحلقات دون أن تُحدث خللا أو إرباكا في سياق المشاهدة.

يشير بعض النقاد السينمائيين إلى أهمية الاندماج الكلي مع الفيلم والتماهي مع تفاصيله الدقيقة، ومن بينهم علي يوسف وكاظم مرشد السلّوم، تمثيلا لا حصرا، ويرون أن هذا الاندماج يتحقق في صالة السينما ويرتبك أمام شاشة التلفاز. فالصالة السينمائية توفر للمتلقي القدرة على التركيز لأنها مظلمة كليا، كما أن الحضور صامتون تماما ولا تكاد تسمع أنفاس الشخص الجالس إلى جوارك، بينما يتوزّع هذا الانتباه، ويتشتت هذا التركيز حينما تكون جالسا في غرفة الاستقبال المضاءة بمنزلك، وقد يتحدّث معك أحد أفراد أسرتك ويضيّع عليك لقطات ومشاهد مهمة، قد تفسد عليك متعة متابعة المادة المرئية برمتها.

لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار أن السينما تعرض 24 صورة في الثانية الواحدة، بينما يعرض التلفاز 25 صورة، وعلى الرغم من ضآلة هذا الفرق، إلاّ أنه يؤثر في عملية المشاهدة وطبيعة الاستقبال، هذا إذا ما عرفنا أن الصورة الفيديوية مكونة بالأساس من صورتين، وهذا يعني أن عدد الصور سوف يصبح 50 صورة، وهي أكبر من قدرة العين على استيعاب هذا الكم من الصور، لذلك نفقد بعض الصور المهمة من وجهة نظرنا على الرغم من قلتها، هذا إضافة إلى حرماننا من اللقطات البعيدة أو العامة في التلفاز، وما ينجم عنها من حرمان في المعلومات والمناظر الطبيعية وما إلى ذلك.

يرتبط التلفاز في أذهان المتلقين قاطبة بمتابعة القضايا الآنية والأحداث الراهنة، التي تُصوَّر وتُعرَض مباشرة، بينما يحتاج الفيلم أيا كان نوعه روائيا أم وثائقيا، اجتماعيا أم تاريخيا إلى تصوير وتحميض وطبع، بخلاف الشريط التلفزيوني الممغنط الذي يمكن مشاهدة مادته المصورة على أجهزة العرض مباشرة. إذن، يحتاج الفيلم السينمائي بشقيه الروائي والوثائقي إلى تأنّ وصبر ومجالدة، ويكفي أن نشير هنا إلى الفيلم الوثائقي “أمازونيا” للمخرج الفرنسي تييري راغوبير الذي استغرق إنجازه نحو ست سنوات، هذا إضافة إلى مدة التعايش مع أجواء الغابات الأمازونية وحيواناتها وطيورها الذي جاوز التسعة أشهر.

وربما ينطبق هذا الأمر على فيلم “الكوكب الأبيض” للمخرج ذاته الذي رصد فيه الحيوانات البرية والبحرية في القطب المتجمّد الشمالي، وتحديدا الدب القطبي الذي استغرقت متابعته وتصويره مدة عام كامل.

نخلص إلى القول أن الأفلام السينمائية تعتمد على الـتأني والتأمل وإطالة النظر، وتراهن على البقاء لأطول مدة زمنية ممكنة، بينما يسعى التلفاز إلى التعاطي مع القضايا الراهنة، ويبتغي معالجة الموضوعات الآنية السريعة والقابلة للزوال.

16