التلفزيونات العربية دون دور معرفي وثقافي

الآلاف من القنوات لا تعترف بالثقافة ورهانها مرتبط ببرامج الترفيه والدين والسياسة.
الأحد 2021/01/03
ناشيونال جيوغرافيك نجحت في معادلة المعرفة والثقافة والتسلية

كان تحصيل المعرفة هدفا للإنسان منذ الأزل، واستعان على ذلك بكل ما استحدثته الحضارة الإنسانية عبر تاريخها من وسائل وأدوات. وشهد تحصيل المعارف ثورة مع تأسيس القنوات الفضائية ومن ثم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن مشكلة ظهرت في بعض المناطق، ومنها العالم العربي، هي أن ذهنية التعامل في تلك القنوات لا تهتم بتقديم القيمة العلمية المضافة، واقتصرت أهدافها على تقديم مساحات ترفيهية وإعلانية. فهل نجحت القنوات التلفزيونية العربية من حيث كونها منابر لتقديم المعرفة؟ سؤال سنحاول الإجابة عنه في ما يلي.

في نهاية عام 1990 وبعد حوالي 35 عاما من دخول التلفزيون إلى العالم العربي، كان عدد القنوات التلفزيونية حوالي 30 قناة كلها حكومية. وبعد مرور فترة على دخول العالم العربي عصر الفضائيات التلفزيونية صار عدد القنوات الفضائية العربية ما يزيد عن 1300 قناة، منها 170 تتبع جهات حكومية ونحو 1120 تتبع جهات خاصة مختلفة الشكل والتوجه.

وبحكم طبيعة الجمهور الذي تستقطبه هذه القنوات، فإن أغلبها تتحدث في المقام الأول بالعربية، وبدرجة ثانية الإنجليزية (160 قناة)، ثم الفرنسية (25 قناة)، ثم الهندية (19)، فالأمازيغية (7)، والفارسية (4)، ثم الأوردية (3)، واللغة العبرية (قناتان)، أما اللغة الإسبانية والتركية فتحدثت بكل منهما قناة واحدة.

كما ظهرت بشكل جزئي على العديد من القنوات لغات أجنبية كانت غالبا لجهة تقديم نشرات إخبار أو برامج سياسية. وبحسب ذات التقارير فإن أشكالا عديدة قد حكمت توجه هذه القنوات بحسب ملكيتها وكذلك الأهداف التي تطمح إلى تحقيقها.

من مجموع القنوات كانت 323 قناة عامة ومجانية تقدم مواد متنوعة وتستهدف أكبر شريحة من الجمهور. وكانت قنوات الإعلان والربح والترفيه في المرتبة الثانية بـ248 قناة، ثم جاءت الرياضة في المرتبة الثالثة وكان عددها 170 قناة، أما الدراما والمسلسلات فحلت رابعة بـ152 قناة، ثم القنوات الدينية التي وصل عددها إلى 95 قناة، تلتها القنوات الإخبارية التي حققت تطورا هاما موضوعا وشكلا وكان عددها 86، وكان للأطفال حصتهم بـ26 قناة تقدم لهم رسوما متحركة وأغاني تربوية، وحلت القنوات السياحية بعدها 19 قناة، ثم التعليمية 17، والثقافية 16، و4 قنوات خاصة بالأسرة.

 كذلك وجدت قنوات خاصة ذات طبيعة متفردة كالطبخ وتقديم خدمات التعارف الاجتماعي والزواج، بل وظهرت حتى بعض القنوات العربية التي قدمت ضروبا من الشعوذة والسحر. وإضافة إلى كل هذا فإن العالم العربي استقبل آلاف القنوات التلفزيونية الأجنبية، وخاصة من أوروبا التي قدمت له خيارات إضافية، شكلت في بداية الأمر حالة صدمة للمشاهد العربي من حيث المضمون والشكل، وتابعها الجمهور العربي بشغف، لكن سرعان ما تراجعت اهتمامات المتلقي العربي بها بعد تجاوز مرحلة الصدمة، وبقيت شرائح محددة تتابعها في تخصصات فنية أو علمية.

قفزات وتراجع

معروف أن التلفزيون دخل إلى العالم العربي في أواسط خمسينات القرن العشرين، وكان العراق أول دولة عربية عرفته. ثم كان في مصر وسوريا أثناء قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1960. وكانت البداية خجولة وبسيطة، فالصورة باللون الأبيض والأسود ونطاق البث في محيط العواصم، وأساليب البث والعمل شبه بدائية. ولكنه ورغم كل تلك الظروف فقد حقق وجودا اجتماعيا طاغيا، ونافس الإذاعة والسينما بشكل كبير، وخلال ما يقل عن العشرين عاما صار المستقطب الأول للجمهور العربي على حساب كل وسائل التواصل الموازية.

وكان دور التلفزيون الاجتماعي يزداد قوة وتأثيرا مع مرور الوقت، حتى جاءت فترة نهاية تسعينات القرن العشرين ودخول شبكات التلفزيون العربية عصر الفضائيات، وعندها وخلال ما لا يزيد عن خمس سنوات حقق التلفزيون قفزات هائلة، تسيّد فيها الموقف وصار المهمين الأكبر على سوق الترفيه ووسائل التواصل الاجتماعي فتكاثرت أعداد قنواته بشكل متسارع ووصل إلى حدّ الفوضى.

بعد عشرات السنين التي تعوّد الناس فيها على متابعة قناة أو اثنين في البلد. وجد الناس أنفسهم فجأة أمام آلاف الخيارات مرة واحدة، منها المحلية والعربية والعالمية. فوجدت قنوات تخصصية للأخبار والموسيقى والطبخ والترفيه، بل وحتى قنوات خاصة بالرقص تعرض على مدار اليوم وصلات راقصة.

حتى العام 1990 كان في العالم العربي 30 قناة تلفزيونية كلها حكومية وبدءا من العام 1991 وبعد حرب الخليج الثانية، ظهرت الحاجة إلى وجود شبكة تلفزيون عربية مؤثرة تكون بعيدة عن الشكل العربي غير المهني ويمكنها أن تجذب الجمهور بالاعتماد على الشكل العالمي الذي يقوم على معايير مهنية صارمة.

ذهنية الإعلام العربي ما زالت قاصرة عن تحقيق قيمة معرفية وثقافية مضافة، حيث إن هذا الرهان شبه غائب

كانت البداية مع ظهور قناة “أم.بي.سي” (mbc) التي بدأت في لندن، وبعد سنوات انتقلت إلى دبي. واستطاعت القناة بالمعايير الدولية التي قدمتها تحقيق انتشار كبير وكسبت شعبية واسعة، الأمر الذي دفع بالمزيد من قنوات التلفزيون العربية إلى البروز، فظهرت مجموعة “أي.آر.تي” (art) ثم “أوربيت” ولاحقا “روتانا” و”دريم” وغيرها، وحققت جميعها نجاحا جيدا في استقطاب شرائح اجتماعية واسعة. متسلحة بقوتها المالية ووجود خبرات عالمية وعربية فيها.

وكانت القفزة الثانية في أواسط تسعينات القرن العشرين عندما ظهرت العديد من القنوات العربية الإخبارية التي تناولت إنتاج الخبر السياسي من وجهة نظر جديدة، كسرت فيها قواعد العمل التقليدية من حيث تكريس وجهة نظر سياسية محددة بطريقة فجّة، ولاقت هذه القنوات تجاوبا من الناس وراجت بينهم وصار لها متابعون في كل العالم العربي وبدأ عددها بالازدياد.

وبعد ما يقارب الربع قرن على وجود هذه الفورة الإعلامية دخل الإعلام العالمي ومن ثم العربي مرحلة في غاية الدقة والخطورة، حيث أحدثت تمايزا شديدا شبيها بمرحلة نشوء التلفزيون عربيا منذ نحو سبعين عاما. تجلت هذه المرحلة بوجود منصات التواصل الاجتماعي الموازية وأحيانا البديلة عن التلفزيون، مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام وتليغرام وسواها على محركات البحث مثل غوغل وياهو ويوتيوب، التي شكلت بوجودها حالة من التواصل الاجتماعي ألغى أو يكاد لدى البعض متابعاته التلفزيونية.

صار بإمكان المتلقي أن يختار المنصة التي تناسبه لكي يستقبل الخبر الذي يريده وبالطريقة التي يريدها. وراجت هذه المنصات على حساب التلفزيون، خاصة وأنها حررت المشاهد من مواقيت تقديم البرامج على القنوات التلفزيونية بحيث يمكنه متابعتها في الوقت الذي يرغب فيه كما حررته من سيل الإعلانات التجارية التي تظهر خلال البرامج في قنوات المشاهدة.

وتعزز وجود هذه الحالة في ما بعد بظهور الهواتف الذكية التي صار بمستطاع الشخص من خلالها وفي أي وقت حتى وهو في الباص الذي يستقله من وإلى عمله، أن يتابع أخبار العالم على المنصة التي يريدها وبالخيار الذي يريده، سواء بالنص أو عبر الفيديو. وأمام سيل المعلومات ذاك وافتقار القنوات التلفزيونية العربية لآلية تحقق قيمة معرفية مضافة، فإنها خسرت ثقة المواطن العربي فيها وبالتالي ابتعاده عنها.

أين المعرفة

برامج ترفيه بلا متعة
برامج ترفيه بلا متعة

يفرض الأمر الواقع على المتلقي العربي آلاف الخيارات في متابعة القنوات التلفزيونية، وهذا ما يشكل ظاهريا حالة إيجابية، لكن التعمق في حالة المزاج العام للمواطن العربي ومستويات التحصيل المعرفي والثقافي والخيارات المقدمة له، يجعل الأمر أكثر فوضوية وصعوبة.

إن القيمة المعرفية المضافة التي تقدمها القنوات العربية التلفزيونية مخجلة، وهي لا تكاد تذكر. فلو تم تطبيق معيار القيمة المعرفية المضافة على منتوج هذه القنوات لأدركنا أننا أمام مشكلة حقيقية، فالأغلبية العظمى من هذه القنوات ترتكز على مفهوم الترفيه وهي معنية بملء ساعات طويلة من أوقات المواطن بمواد ترفيهية ولا تقدم أبعد من ذلك، حتى مع وجود القنوات التخصصية، فذهنية الإعلام العربي ما زالت قاصرة عن تحقيق قيمة معرفية مضافة، التي بالكاد تنحصر في بعض الحضورات الخجولة.

من أكثر حالات القصور المهني وضوحا والتي تخلف حالة من العجز المعرفي في عمل القنوات التلفزيونية العربية هي سيطرة ذهنية قناة الحاكم على آلية العمل فيها، فكثيرا ما يتندر المعنيون بإنتاج محتوى القنوات العربية، وخاصة الحكومية، بأن الهدف الأول منها هو رصد أخبار الحاكم وإبراز نشاطاته حول من استقبل ومن ودّع، والتي تخصص لها بالأساس نشرات الأخبار الرئيسية وبعض البرامج الموازية.

 ثم تملأ الفراغات الباقية بما يتوفر من برامج ومنوّعات ترفيهية مختلفة يكون الهدف منها تضييع ساعات بث ليس إلّا. وبموجب هذه الذهنية ستكون الأولوية لأخبار الحاكم ونشاطاته، فمجرّد حدوث خبر عنه تقطع البرامج المخطط لها ويبث الخبر مباشرة على الشاشة وتلي ذلك برامج تتحدث عن أهمية هذا النشاط ورؤاه السياسية وانعكاساته الاجتماعية عبر محللين وخبراء ومختصين.

 هذه العقبة في ذهنية القنوات الحكومية تجعلها في دائرة النمطية والتكرار وعدم إتاحة المجال في تقديم الأفكار إلا لطيفٍ واحد فكريا، هو ما يناسبها، وهذا ما يفقد هذه القنوات قيمة جدل الاختلاف وحيويته وبالتالي ابتعاد الناس عن متابعتها وبالتالي عدم تقديمها أي قيمة معرفية مضافة.

إعلام التدين

أمام سيل المعلومات وافتقار القنوات التلفزيونية العربية لآلية تحقق قيمة معرفية مضافة فإنها خسرت ثقة المواطن العربي
أمام سيل المعلومات وافتقار القنوات التلفزيونية العربية لآلية تحقق قيمة معرفية مضافة فإنها خسرت ثقة المواطن العربي

عقبة مهنية كبرى ثانية تواجه تقديم قيمة معرفية مضافة إلى المتلقي العربي تكمن في وجود إعلام التدين، الذي يهتم بالشكل الديني وليس بالجوهر. فمع ظهور آلاف القنوات الإعلامية ووجود حالات اجتماعية مختلفة بلبوس ديني اهتمت بعض الدول بتكريس هذا الإعلام، وظهرت الحاجة ملحة لوجود برامج دينية في غالبيتها إسلامية وبعضها مسيحية تقدم معلومات دينية لا تتجاوز السطح المعرفي، حتى في الجانب الديني نفسه. ففي الأديان الكثير من الأفكار العميقة والجدلية التي لم تهتمّ معظم البرامج الدينية بالعمل عليها، واكتفت بما يعرفه عموم الناس واجتراره وتكراره بشكل مختلف.

اعتمد هذا الشكل الإعلامي على وجود ظاهرة الداعية الذي يجذب الناس بأحاديث وجدانية عن شخصيات وأفكار محددة، بحيث يحقق تفاعلا مع المشاهدين. ولعل المشكلة الأكبر في هذه البرامج أنها كرست تجاذبات دينية وتاريخية قديمة وسعت كل قناة إلى تكريس صوتها على حساب أخرى. فكما أن الدولة العربية الحديثة لم تستطع أن تلغي الاختلاف الديني في مجتمعاتها رغم عصور من الزمن فإن قنواتها التلفزيونية ورثت هذه الاختلافات. ووصل الأمر ببعض هذه القنوات خاصة التي تبث من أوروبا إلى اختلاق فتن دينية وطائفية أحدثت العديد من ردّات الفعل الاجتماعية العنيفة، التي سرعان ما طوّقت رسميا وأهليا، ولكنها خلفت المزيد من الشروخات الاجتماعية.

ولا تعتمد هذه القنوات على خطط علمية واعية في تقديم فكر ديني متحرك ومتطوّر، بل تسير في تكرار ما هو قائم واعتمدت في بنيتها البرامجية على تغيرات شكلية بطريقة تقديم المادة، فظهر الداعية الشاب الذي يرتدي ملابس عصرية، بدل الشيخ الكبير المرتدي لملابس تقليدية، وصار يحكي بالعامية بدلا عن الفصحى، وظهر الداعية في استديوهات مبهرة بصريا ومع جمهور من الشباب والصبايا.

 هذه التغيرات لم تذهب إلى أبعد من الشكل على حساب المضمون. ولم تقدم في معظمها قيمة علمية مضافة. فغاب عن هذه البرامج المنهج العلمي الذي يحفز العقل على مواكبة التغيير، وغابت عنها تماما الأفكار النقدية للحركة الفكرية التي تخص الدين وتخاطب العقل في تطوره والتي طالبت بها الأديان ذاتها حين نشوئها. وكذلك غاب عنها البعد الروحي العميق واكتفت بتكريس الأحداث التاريخية الدينية أو ما يهم عموم الناس في حياتهم ويومياتهم.

الثقافة بلغة ذكية

Thumbnail

تبدو تجربة قناة “ناشيونال جيوغرافيك” متفردة في العالم العربي، لكونها تجاوزت موضوع الأمية التعليمية والثقافية وقدمت برامج متنوعة استطاعت بها تحقيق شهرة واسعة وثقة من المتلقي. فالقناة الأم موجودة في 162 بلدا في العالم وتنطق بـ27 لغة. وظهرت في العالم العربي بدءا من منتصف عام 2009 بتعاون بينها وبين شركة أبو ظبي للإعلام وبمشاركة شركة فوكس التلفزيونية المملوكة لشبكة “والت ديزني” الأميركية.

وهي قناة تعنى بتقديم برامج علمية وتاريخية ووثائقية بلغة ذكية وعصرية تحفز لدى المتلقي الرغبة في البحث والتدقيق وإعمال القدرات العقلية، عبر شبكة من برامجها المتنوعة منها: إنشاءات عملاقة أو تحقيقات عن الكوارث الجوية أو أحاجي التاريخ أو الحياة البرية أو علم البسطاء وغيرها.

وقد توسعت القناة لاحقا في أعمالها وتوجهت بقناة علمية إلى الأطفال باسم “ناشيونال جيوغرافيك كيدز”. ومؤشرات البحث تؤكد أن هذه القناة تسجل حضورا متزايدا لدى المتابع العربي وتتمتع بالمصداقية العلمية لدى متابعيها خاصة من فئة الشباب الذين وجدوا فيها منجما علميا يقدم الكثير والمتنوع من ضروب العلم والمعرفة، لكن الحاجة تبدو ضرورية إلى وجود العديد من القنوات المشابهة نظرا إلى الاحتياجات المتزايدة التي تفرضها مواكبة الحياة وتطورها المعرفي وتخلّف القنوات التلفزيونية العربية كثيرا حتى الآن في هذا التوجه.

12