التلفزيون أفيون الشعوب

الرأي يولد من رحم أسئلة مُنتجة ودالة، لا من السّخف الذي تروّج له الشاشة وترصد له الأموال المكدسة، رغم غياب الحقيقة وضعف المنتوج المُقدم.
الأحد 2019/07/28
غرافيكس "العرب"

الممانعة هي نوع من الترياق المداوي لملل الحياة، والكتابة طقس من طقوسها، فهي كالمرافعة من أجل الحياة العادية المشخصة، من أجل عدم الانسياق إلى عالم التجريد والاختزال في إطار الشاشة الصغيرة، بحكم انعكاس هذا السلوك على طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تخبو من فرط التعرض للوميض التلفزي.

فقد تحول التلفاز إلى جلاد ضوئي يضع سجانيه في إقامة جبرية لممارسة شعيرة المشاهدة بإجهاد فظيع، في انقطاع عن العالم الحقيقي تحت وهم الاتصال بالعالم عبر الأثير، لتتساقط الهوايات الأخرى في مشروع الحياة، من قراءة كتاب أو الاستماع إلى الموسيقى أو الخروج برفقة صديق للترويح، مما يُعرّض الذات إلى الخمول والبلادة وبعض الجحود، إن التلفاز بهذا الشكل يغدو فعلا “أفيون الشعوب”.

وليس التلفاز وحده من يُحدث هذا التحول الهائل في المعيش اليومي، بل يندفع عامل الضجيج ليملأ الحياة لعنة واشمئزازا في جنبات الطريق وداخل التجمعات السكنية، وكم يملك أحدَنا إحباطُ وهو يقطع المسافات دون أن يَظفر بمكان هادئ، لاحتساء مشروب أو مجالسة صديق دون تلفاز أو صراخ خصوصا في المدن، والحقيقة المؤلمة أن الناسَ ألِفت هذا العنف الصوتي الصادر من الحناجر والأجهزة سواء بسواء، إنه بعبارة أخرى نوع من الاستعباد الذهني الجديد.

بيد أنه يجب عدم الاستسلام وسلوك اللامبالاة، ففي الكون ما يدعو إلى الأمل والحبور، وفي الصداقة مُتعة الحياة، فكل أعمالنا وإنجازاتنا مرهونة بوجود الآخر في طريقنا، فهلاَّ توطدت صِلاتنا مع جيراننا ومع الآخرين أيّا كانوا فوق كل المصالح الذاتية والآنية، وبعيدا عن الأجهزة الإلكترونية التي تتوسط علاقاتنا بغير أجسادنا، فنُهيل على هذه الكائنات الجديدة روحا غامرة ونُعاملها بإحساس متنامٍ وكأنها من لحم ودم. وإذا كانت هذه الفتوحات التكنولوجية قد اخترقت الجدران وتمكنت في العقول والعواطف، فهل صارت قلوبنا موصدة أمام رَعشة الحياة الحقيقية، وتناسينا أن خفقة الحياة لا تحتاج إلا لفجوة ضيقة كي تندسّ عبرها، إن الحب ليس بطارق ليل لكي يستأذن بالدخول، فهو موجود فينا بالقوة، ينتظر فقط وجودا بالفعل، وهو ما يدعو إلى العناية بالجانب الروحي في شخصيتنا.

إنها أشجان تدعو إلى إيلاء الأشياء العناية الخاصة بها مهما بَدت لنا بسيطة أو حتى وضيعة، فالتعلق يورث الحب والبقاء والإبداع، وهو حاصل تفاعل بين الإرادة والقدَر في غير استلاب، لذلك لننكبّ على الكتابة كممارسة للعبور إلى آفاق الحرية، لنمتشق عباب الحياة المهددة بالقطيعة بين الناس وبينهم وبين عالم الأشياء، فيما يشبه ما يسمى بمجتمع “الوحدة النّخروبية”، حيث يتآكل الفرد ذاتيا ويذوب في عزلته.

إن الآلة شيء مُروِّع يدفع إلى هذه التَّهلُكة، لأننا غدونا نقتل آدميتنا بحرمانها من التفاعل مع الموجودات بالبساطة المطلوبة، إلى أن قهرَنا النسيان حتى من ذكريات الطفولة ومن قِطعة الأرض التي سحرتنا باللّعِب فوقها، مع أن شيئا من الممانعة كفيل بجعل الذاكرة حتى مع الشيخوخة عصيّة على التجاعيد، وإلا فنحن صائرون حتما إلى حتفنا وصرنا مجرّد كائنات مولعة بالفرجة التلفزيونية، ومحض أطفال يتميزون بنموّ نفسي وعقلي متأخر، في ظل وضع وجودي يتسم بالضحالة والفقر.

الضحالة تعني فيما تعنيه شحا مدقعا في القيم، وخاصة القيم الموروثة أو القيم القديمة، إذ نشأت المجتمعات المتقدمة على خلفية ازدراء تلك القيم، فهي منشغلة بكل ما هو تجاري في غياب أيّ جمالية، وهو أمر يلاحَظ على الحواضر والمدن العتيقة التي زحف عليها العمران العصري، ونزع عنها طابعها الحضاري القديم.

لقد عفّى الزمن الحالي عن قيم وعادات أصيلة كالمروءة والإيثار والتضامن والشجاعة والنبل، وعزّ أن تجدها إلا في أماكن معزولة وقاحلة، وهي جديرة بالتخليد في المناسبات والاحتفالات التي تزهو فيها النفس وتحِنّ لها الذاكرة الجمعية، إنه التعود على استعادة الزمن الجميل في الحاضر، الذي يبدو أنه تعوَّد فيه الناس على النظر إلى الوقت نظرة نفعية محضة، حيث باتوا يعبّرون عنه بدلالات إنتاجية، لأن العمل فيما مضى كان قيمة إنسانية ومهنة حرة، واليوم تحول إلى روتين يومي مجْهد وفاقد للراحة.

إن القيم هي سر سعادة البشر، ولقد كانت النصوص المقدسة هي مصدرها، فعدَّها الناس أوامر للتنفيذ، واعتقدوا في قوة خارجية مانحة وقاهرة يُجِلونها، فلم تكن نزعة الإلحاد إلا نتاج الأزمنة الحديثة، لأن الناس قديما تستشعر أنها من سلالة إلهية ووجودها موقوف على غايات سامية.

هذه القيم كلها أناخت عليها العولمة بجُماع قوتها الجبارة، لتنزع عنها سحرها في التعدد والاختلاف والسماحة، فما عاد الإنسان يعرف قيمه الخاصة ولا يدري من هو وسط هذا الركام، فظاهرة الاستنساخ العولمي دفعت بالبعض إلى الخجل عن التعبير بالخصوصية الثقافية والجغرافية، إنه نوع من الخوف المرضي المصاحب للحياة. ويمتد هذا الخوف ليعانق لحظة فراق الحياة، فالموت ظُلمة تفارق فيها الروح الجسد بشكل تراجيدي، لكن القدامى كانوا يحتفلون بالموت وله عندهم طقوس تبجيلية، لأن الموت كناية عن العبور إلى عالم

شيء من الممانعة كفيل بجعل الذاكرة حتى مع الشيخوخة عصيّة على التجاعيد، وإلا فنحن صائرون حتما إلى حتفنا وصرنا مجرّد كائنات مولعة بالفرجة التلفزيونية، ومحض أطفال يتميزون بنموّ نفسي وعقلي متأخر، في ظل وضع وجودي يتسم بالضحالة والفقر

لكن يبدو أن المعاصرين ولَّوا ظهورهم للدين والمعتقدات، بفعل المبالغة في التجريب والتقدير المفرط لكل ما هو عقلاني، رغم أن القيم الإنسانية الكبرى ليس لها تفسير منطقي، وهو ما يضطر بعض الفلاسفة والفنانين إلى الاستعانة باللمسات الأسطورية والشعرية في أعمالهم عند التعرض للمطلقات، فالأسئلة الأنطولوجية الكبرى عصية على الحد اللغوي والبرهنة المنطقية، دون توسيع الممكنات المعرفية والحدسية والتخيلية.

لذلك ذهبت أساطير الآلهة وحضرت أساطين الشاشة، وغدت طقوس الذبائح والأضاحي أكثر عصرانية، وبقي اليُتم هو نفسُه يَحني الرؤوس المهمومة، لأن القيم المشتركة باتت مهجورة، وأضحى الالتجاء إليها أشبه بالانخراط النظامي في النوادي، مما أضفى الرتابة على الوجود فتسرّب اليأس إلى القلوب، وتمكّنت العزلة من الأفراد رغم تجمهرهم في الساحات.

ستكون بالطبع عودة للمكبوت الديني، وسيقرع التُّعساء والبُؤساء والرؤساء معا أبواب السماء لتَلَمس المعنى الوجودي، لأن الحقيقة الدينية لها دورة ستؤوب فيها إلى مسرح الحياة، فشقاء العيش وضنَك مسالكه مُؤْذن بذلك، بحُسبان أن القيم والثقافات الموروثة تفتح في وجه الإنسان آفاقا جديدة، وتمنح الحياة بعدا آخر ومنفذا آخر للخلاص.

هكذا يرتسم المستقبل فينا كشيخ طاعن في السن، الذي أنهك الكبَر جسده، ولكنه ما يزال يستطيع الحفر في أعماق الذاكرة، في حالة رجْع ناطق بالزمن الجميل، وهو يتجشم ألم آخرِ لقاءٍ به، بما يذكرنا  بالمسنين والكهول ويدعونا إلى العناية بهم، حتى لا نتركهم لقمة سائغة تنهشها أفكارهم الصامتة، بدعوى انتمائهم للقطاعات غير المنتجة.

وهو ما يُفيض حسرة على مرحلة الطفولة التي يتمنى الواحد منا لو تَدوم، وتتوقف عقارب الساعة لِئَلا تزحف بها نحو الشيخوخة، بل يأمل العاقل أن تنأى هذه الطفولة عن قاذورات الكبار لتبقى بيئتهم بيضاء نقية، فضلا عن تهذيبها بأقوم المناهج الدراسية لكي تغدو صديقا للطبيعة والكون والكائنات، فالنظام التعليمي والتربوي يجب أن يكون صرحه مبنيا على ابتغاء حياة أكثر إنسانية وبكل شروط ممكنة، في ظل ثورة تكنولوجية تمَجد العنف وتضعه في قوالب مسَلية ماكرة للصغار، أو تحُث على الفردانية والأنانية كروح إيجابية في التنشئة.

فهذه اللذة الخادعة أجدر أن تُنفق في الإبداع والخَلق أو في الاتصال بالآخرين، بدل توظيفها في الانتصار على الأقران وشحن الهمم بعقدة التفوق، فحالة الإنسان موقوفة بين نوازع الخير ونوازع الشر تَهيم بينهما، فهذه الثنائية المأساوية للنفس البشرية ما تفتأ صورتُها تنعكس على صفحة وجه كل منا، فتحفر فيها خريطة صامتة من المشاعر تنقلب إلى أفعال.

ولكي تنضبط مشاعرنا وسلوكاتنا لمنزعها الإيجابي، كان الأدب والفن الميناء الذي ترسو عليه سفينة الرغبات التي تتقاذفها أمواج الحزن والتشاؤم، إذ لما كانت الحياة محكومة بصرامة شكلية، كانت الرواية مثلا فيوضا من التخييل والانزياح دون إخلال بالشروط الإنسانية.

هذا المستوى التخييلي في الرواية كان محط ازدراء من لدن العقلانيين، فقد أخرج فلاسفةُ الأنوار اللاوعيَ من الباب بِرَكلة واحدة، إلا أنه ما لبث أن عاد متسللا من النافذة الخلفية، فلا سبيل إلى إقصاء المُعَتم من الإنسان فهو لا يُقهر، فقد يكون ملاكا ويغدو وحشا، مما يعزز قيمة الكفاح من أجل تغليب الخير على الشر على الدوام.

لأن اندحار العالم ما هو إلا حصيلة إرادة الإنسان نفسه، إذ تُوِّجت الحروب بالمَكْنَنَة المتوحشة فدُك الإنسانُ والعمرانُ دكًّا، ورَكب العلم جنونَ الذرة والسلطةِ فأمعن في الهتك والفتك، فهَيأ الأسبابَ للمركزية السياسية والاقتصادية على نحو بالغِ التعقيد.

لقد غدت الثروة أعز ما يُطلب لأنها داعيةٌ إلى القوة، فالإمبراطوريات العظمى والدول الاستعمارية وضعت كل الوسائل الممكنة لأجل الغزو، وانتهت الطبيعة والقيم مجرد تفاهات يلوكها الأغبياء، وتحولت الديمقراطية إلى نظام كشف عاجز عن فرز المذنبين، يُسَوّغ لمنطق الارتشاء والقفز على العدالة بإتقان، لكن بالإمكان إصلاح هذا النظام ليكون جالبا للعدالة والتعددية والحرية بعون من الحكومات. لكن الحرية الحقة ليست ببلوغ فلان أو علان إلى سدة السلطة، وإنما بمقدار السلطة التي سوف نملكها نحن، فتكون للجماهير سلطة رقابة السلطة الحاكمة نفسها، ثم بكبح انفلات الحرية الداخلية لكل فرد من تلقاء نفسه لصناعة رأي عام حقيقي، غير الذي تُسوّق له وسائل الإعلام وتنسب له المواقف وهو إما غير مؤهل أو غير مخيّر.

فالرأي يولد من رحم أسئلة مُنتجة ودالة، لا من السّخف الذي تروّج له الشاشة وترصد له الأموال المكدسة، رغم غياب الحقيقة وضعف المنتوج المُقدم، ولا يكفي قياس نسبة المتابعة للتدليل على نجاح البرنامج من عدمه في غياب قيم سامية مجتمعية، لا سيما إذا علمنا بأن الطبقة المهيمنة على الشأن العام تَعتبر كل انشغال بالمستقبل هو أمر غير مجد.

إن الكوميديا والترفيه الذي يملأ شاشتنا وحياتنا البئيسة، يُخفي مناطق الخوف التي تقبع في الظل من وجودنا، لأن التسلية تساير ما هو كائن ولا تستطيع التطلع إلى الممكن لأنه مزعج، فيُساق الجمهور في البيت والعمل بالقمع وتحت أدنى شرط إنساني، لكي يبقوا بالكاد صامدين على قيد الحياة، راضين بقيم جديدة كالارتشاء واللامبالاة وترك الواجب ونهب المال العام، وفي الأخير يظهرون في التلفاز بمساحيق البراءة الخادعة.

بهذا الألم نعود إلى عش القلم لنمارس الحياة على شروطها الممكنة، أو نلوذ بالفن الذي يدل الناسَ على فُسحته الواسعة أمام ضيق العيش، لأن كل طفل هو بالقوة فنان، لأنه يغني ويرقص ويرسم ويقص الحكايات، ويبني قصورا من الرمل والحجارة وهكذا… فكل إنسان إذن يملك طاقة إبداعية بالفطرة، ولو لم تكن راقية فهي تكفي لتهدئة إحباطه ودفعه إلى معاودة الوقوف بشهامة.

إن الفن ضرب من الممانعة، حيث أن العَجَلة صارت قيمة جديدة يرتهن لها مصير الناس، فالسرعة المفرطة والسباق المحموم إلى الإنتاج رفعَ إيقاعَ الحياة بجنون، وتحوّل الإنسان إلى آلة ميكانيكية متحركة لا تتوقف للرفع من المردودية، حتى بات يُعبِّر بلغة الأرقام عوض لغة الكلام. لكن المقاومة ليست وصفةً جاهزة للتقليد والاستعمال العام، فهي تنأى بنفسها عن أداء دور المخَلّص والشاهد على العصر، وليست وعظا متعاليا أو عصا سحرية، بل هي رسالة متواضعة شبيهة بالاعتقاد في معجزة ما، تتوسل اصطياد الأمل مهما كان ضعيفا أو شعاعا خافتا.

ولعل البداية تكمن في التوقف عن تبخيس الذات عبر تنميطها وتفريغها في قوالب الخوف، فلا بد من المخاطرة والمغامرة لتخليص الذات والآخرين من المهالك، ولا بد من التجديد في نهج سيرة الحياة لطرح العبثية،

فهذه هي روح المقاومة، إذ لا أحد بمستطاعه منع إنسان يشدو وسط المأساة والحزن، فلا يقوى أحد على وقف المرح المستميت.

فالمطلوب هو اغتنام كل لحظة ضمن مسيرة الحياة فهي لا تُكرّر نفسها، حتى لا تتحول إلى فائض عن اللزوم وداعية إلى الكآبة، فاتخاذ القرار حاسمٌ في مثل هذه اللحظات، لأن اللحظة الراهنة تقع على مفترق الطرق الأشد أهمية في التاريخ كله، فقد ذابت الآمال العريضة وتزعزع الإيمان وانهارت المثل العليا، وأوشك العالم على النهاية المأساوية، فالكارثة قادمة كقِطَع الليل المظلم أمام دُنُوّ الأجل المحتوم، لكنَّ بصيص الأمل يدعو من جديد إلى التريث وانتظار المعجزة التي تنهض بالوجود، فهذا الهول شبيه بالموت الذي ظل يترصده في الحوادث، إلا أنه ينفلت منه متمسكا بالحياة.

ثم يهون هذا الموت بعد أن يُشيع فينا فهمًا خاصا للوجود ونحن على مشارف المغادرة، بل إن اللحظات المُضيئة في حياتنا وتذكر الأصدقاء والأشياء الجميلة تدفعنا إلى الانغماس في شؤون الدنيا، أو على الأقل كي نلقى الموت ونحن قريرو العين بمصيرنا.

هذا الملاذ يدعونا إلى أن يلج هذه الشرفة المطلة على العالم كما هو على حقيقته المفزعة، لأنها تستحثنا للخروج من معاقلنا التي قبعنا فيها مختارين كما مجبرين، من أجل معانقة الحياة من جديد في ظل شروط أكثر إنسانية، وجها لوجه خارج شاشة التلفاز، متأبطين عنوانا يمنحنا استقلالية خاصة ووضعا يليق بكرامتنا كاقتناع بالممكن الآخر: إنه حصرا الممانعة.

10