التلفزيون خليط من الترفيه والسياسة والتلاعب بالعقول

الأحد 2015/05/10
صندوق الدنيا والبساط السحري الذي يعيش في كل بيت

منذ أن وُجِدَ الإنسان على وجهِ الأرضِ بدأ البحث عن خطوطِ اتِّصال مع المحيط الخارجي لهُ، فتعدَّدَت تلك السُبُل فتارةً استخدَمَ القوَّةَ لتمرير ما يريد وتارةً أخرى في عصورٍ متأخِّرة استخدم لغة العقل بعد اختراع الأبجدية، ولا شكَّ أنَّ تطوُّر علم الرياضيَّات والفيزياء فتَحَ آفاقا جديدة أمام العقل البشري الذي اعتمَدَ على العلمِ لتذليل كل العقبات التي تعترِض وجودَهُ، فكانت السيَّارةُ والطائرةُ والمذياع والتلفزيون أو التلفاز أو الرائي كما يُعرَفُ في الأدبيَّات العربية.

ثورة المعرفة بالصورة

قبل أن أدخل مبنى التلفزيون كموظَّف، كنتُ على مدى سنوات لا أنسى حديثاً لوالدي عن ستينات القرن الماضي حين اقتَصَر وجود التلفاز في الريف السوري على بيوتٍ محدَّدَة وكيف كان يجتمعُ أهلُ القريةِ في غالبيَّتِهِم لرؤية هذا الاختراع العجيب الذي حيَّرَهُم في بدايات ظهورِهِ، حيث بجلِسُ فيه رجلٌ أو امرأة تطلُّ عليهِم لتخبِرَهُم بأحوال البلاد أو تدعوهُم لمشاهدَةِ مسلسلٍ دراميٍّ فريد، تلك المشاهدُ التي اختزنتها في ذاكرتي نقلاً شفاهيَّاً من محيطٍ عدتُ إليه بعد سنواتٍ طويلة لأشرَحَ لوالدي عن آليَّةِ عملِ التلفاز الذي يقوم على عرضِ صورٍ ثابتةٍ بسرعةٍ أكبر من سرعةِ التقاط العين البشرية التي تراها متحرِّكةً على خلاف أصلِها الثابت.

حيثُ يتم تقسيمُ كلُّ صورةٍ إلى جملةٍ من الخطوط الوهميَّة والتي بدورِها تنقسمُ إلى عددٍ هائلٍ من الجزيئات التي تتحرّكُ في حزمةٍ إلكترونيةٍ ماسحةٍ عبر صحيفةٍ تبعثُ إشاراتٍ بعد تضخيمِها ليتمَّ استقبالُها بتقنيَّةٍ مُعقَّدَةٍ عبر أنبوب الأشعَّةِ الكاتودي في جهاز التلفاز الذي يحوِّلها بعد استقبالها إلى صورةٍ تراها العين ويفهمُها الدماغ في عمليَّةٍ تمرُّ بمراحلَ عديدةٍ تبدأ وتنتهي في أجزاء من الثانية، وطبعاً هذه العمليَّة لا تختلفُ بين البث الفضائي أو الأرضي أو ما يعرف تلفزيونيا بالمايكرويف.

كل شيء بدأ في العام 1884 عندما ابتكر الألماني بول نبكو قرصا ميكانيكيا دواراً بفتحات صغيرة منتظمة في شكل حلزوني عندما يتم تسليط الضوء عليها يتسرب الضوء من الفتحات ليعطي إحساسا سريعا بحركة الصور المسجلة على هذا القرص، كان ذلك القرص هو البداية، تلته أفكار عديدة حول نقل الصورة بطريقة ميكانيكية عبر الأسلاك من مكان ما إلى مكان آخر. لتتقدم التجارب مع الزمن عاملة على تطوير تقنية نقل الصور المتحركة عن طريق الأسلاك أو باستخدام الموجات.

مستثمرو الترفيه والتسلية في كبرى الشركات، كانوا أول من تلقف فكرة نقل الصور عبر الأسلاك، وليس المؤسسات السياسية والحكومية، ففي عشرينات القرن العشرين قامت شركات RCA وCBS وجنرال إلكتريك بالتنافس المحموم في تمويل الأبحاث المتعلقة بهذا الاختراع ورعاية العلماء المهتمين بتطويره

جالب الأشياء البعيدة

الاسم الذي أطلق على الجهاز الذي توصل إليه المخترعون لاحقاً، كان يعني بالحرف “مقرّب البعيد كي تراه” أو ما “يأتي إليك بالأشياء من بعيد لتشاهدها” بالاستناد إلى مقطعيه (Tele) (Vision) والأولى تعني “البعيد”، أما الثانية فتعني “رؤية”.

صحيح أن قرص نبكو كان قد فعل هذا، ولكن كان على البشرية أن تنتظر حتى منتصف العشرينات من القرن العشرين، لتضع أفكارها العملية الأولى لصناعة ما ينقل لك البعيد فعلاً، حين تمكن العالم الأميركي الروسي المولد فلاديمير زوريكن في العام 1923 من تسجيل اختراع لأنبوب كاميرا يستطيع تجزئة الصورة الضوئية إلكترونياً ونقلها ليعاد استقبالها وإعادة بنائها، ولم يلبث العالم البريطاني جون بيرد أن قام بالاستفادة من ذلك الاختراع وتقديم أول نظام عملي لنقل الصور في تجربة شهيرة ناجحة في لندن العام 1926.

وكان أول من تلقف فكرة نقل الصور عبر الأسلاك، مستثمرو الترفيه والتسلية من كبرى الشركات، وليس المؤسسات السياسية والحكومية، فقامت كل من شركات RCA وCBS وجنرال إلكتريك بالتنافس بتمويل الأبحاث المتعلقة بهذا الاختراع ورعاية العلماء المهتمين بتطويره، بعد أن نجح العالم إلين دومونت في تحسين حجم وكفاءة شاشات الاستقبال واختراع جهاز استقبال تلفزيوني منزلي يمكن اقتناؤه في المنازل وليس المعامل والمختبرات فقط، بعدها وفي العام 1927 نجح أحد الباحثين في إرسال الصورة من العاصمة الأميركية واشنطن إلى نيويورك عبر خط سلكي (كابل).

ولكن أول خدمة تلفزيونية في العالم ظهرت في ألمانيا في العام 1935 وكانت أحد الإنجازات العلمية الكبيرة التي افتخر بها الألمان واستخدموها في استعراض تفوقهم على الآخرين خلال دورة الألعاب الأولمبية العالمية التي أقيمت في برلين في العام 1936، إذ كانت الصور التلفزيونية تنقل من الملاعب الرياضية إلى صالات السينما وقاعات المشاهدة الجماعية في النوادي والفنادق ليشاهدها الناس.

حمى التلفزيون

انطلقت بعدها حمى صناعة التلفزيون، والبث، والبرامج والبروباغاندا، ودخلت بريطانيا وأميركا في سباق لتطلق الحكومة البريطانية من خلال الـ BBC تجارب الخدمة التلفزيونية العامة المنتظمة في منطقة لندن بدءا من العام 1936 ليرحب العالم دولة إثر أخرى بالضيف الجديد الذي دخل كل بيت.

ثمَ ما لبثَت أن تطوَّرَت لتشمل الصورة ليكون البث عبر مساحات ضيِّقة ومسافات قصيرة وليكون العام 1951 علامة فارقة في تاريخ التلفزيون العالمي حيث شهدَت تلك السنة البث الأوَّل لمشاهدَ بالألوان، وتُقسَمُ أجهزةُ التلفزةِ العربية والعالمية عموماً إلى اتِّجاهاتٍ مختلفة، بحيثُ تبدأ بتلك المملوكة للدولة وتُعرَف هذه المؤسسات بالتلفزيونات الحكومية وهي صوتٌ واضح للنظام الذي يملكُها وغالباً ما تكون هذه الأبنية شديدة الحراسة العسكرية والأمنية نظراً لأهمِّيَتِها في فرض السلطة أو نزعها جماهيريّاً، ويأتي في الباب الآخر تلك التي تُقدِّمُ وجبات إخباريَّة والتي تتبعُ لدُولٍ تجعلُ منها صوتَها السياسيَّ المؤثِّر وغالباً ما تختلفُ هذه القنوات فيما بينَها بترتيب العناوين من حيثُ تعامُل الدولةِ التي تتبنَّى التمويل وهذا ما لاحظناهُ، عربياً، بشكلٍ جليٍّ في السنوات الأربع الأخيرة في ما يتعلَّق بأداء قنوات مثل الجزيرة أو العربية أو سكاي نيوز عربيَّة وهذه المؤسَّسات في غالب الأحايين هي مشاريع خاسرة من حيثُ الميزان التجاري إن لم تعتمِد على دورة رأس المال المالك الذي يضخُّ فيها التمويل من مشاريع أخرى رابحة تقع تحت مظلَّةِ ملكيَّتِه.

قليلون من البشر يمكن وصفهم بغير المتعلقين بالتلفزيون، فقد صار بابا رئيسيا يبقى الإنسان على اطلاع، فضلا عن قدرته على صناعة الرأي العام، وهو ما أدركَت الحكومات أهميته ووظفته في ترويض الجماهير وتوجيهها أو دفعها لتأييد أو رفض فكرة ما يتم تسويقها أو مهاجمتها

أما النوع الآخر من المشاريع التلفزيونية فهو القائم على فكرة الدعوة والتبشير حيثُ يقفُ وراء هذه المشاريع تيَّاراتٌ دينيَّة تسعى لنشر فكرها سواء كانت إسلاميَّة تتنوَّع في اتجاهاتِها السنيَّة والشيعيَّة أو مسيحيَّة تبشيريَّة، بينما يقعُ النوع الثالث في باب الوجبة المنوَّعَة بين الدراما والأخبار والاقتصاد والدورات البرامجيَّة وهذه النوعيَّة من المشاريع هي التي تحصُدُ أعداداً هائلة من المتابعين وهذه المؤسَّسات تعتمدُ على إنتاجات خاصَّة بها فهي في غالبيَّتِها تقعُ في باب التمويل غير المحدود أو غير الخاضع والمُقنَّن، ونوع إضافي من المشاريع التليفزيونية يقعُ في باب الصوتُ الحزبي ويضمُّ في قائمتِهِ تلك المشاريع التي تكون صوتاً للحزب فتعلو مع ارتفاعِهِ وتخبو مع سقوطِه، وأمثلةُ هذه كثيرة ربَّما تكونُ قناة المنار التابعة لحزب الله أو العالم الإيرانية أو تي آر تي التركية، التابعة لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أبرز الأمثلة الموجودة حالياً، وقد شاهدنا عدداً كبيراً من هذه القنوات التي ظهرت ثمَّ اختفت فجأةً عقبَ ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، بينما تقعُ قنوات التسلية أو ما يُعرَف شعبيَّاً بقنوات الـ”هشك بشك” تلك التي تعتمدُ على طرحِ أسئلةٍ على المشاهدين والمتابعين الذين يقومون بالإجابةِ أو المشاركة عبر رسائل الأس أم أس وتقعُ في دائرَتِها قنوات الأغاني والسينما والدراما التي انتشرت في الآونة الأخيرة بشكلٍ كبير وواسِع وهذه المؤسَّسات في أغلبها ميزانُها التجاري رابح نظراً لكميَّةِ الإعلانات أو المشتركين المتابعين لها.

بينما نرى على ضفَّةٍ منفصلَةٍ تماماً عمَّا سبَق تلك القنوات التي تنشئها دولٌ غير ناطقة بالعربية لبناءِ خطاب تواصل مع المجتمع العربي عبر قناةٍ ناطقةٍ بلغة الضاد وأمثلةُ هذا الباب تتوضَّحُ في قناة روسيا اليوم الروسية وقناة الحرَّة الأميركيَّة والصينيَّة العربيَّة والبي بي سي العربية وهذه القنوات تكون جسراً تتواصلُ من خلالِهِ الحكومات المالكة لتلك القنوات مع المجتمعات العربية لأهدافٍ تتنوَّعُ بين السياسية والاقتصادية، وفي نوعٍ جديدٍ من المؤسَّسات الإعلامية تفرَّدَ به العرب ربَّما قامَ رجالُ أعمال بافتتاح قنوات خاصَّة بهم لتكون صوتاً لهم تجاريَّاً وسياسياً أو لأجل الواجهة الاجتماعية أمام مجتمعاتٍ تهتمُّ بشكلٍ أو بآخر بالمظاهر الخلَّابة.

إذن، واعتماداً على ما سبق، نحنُ أمام جملة من المسارات الإعلامية التي تتنوَّعُ في خطابها ولكلٍّ رسالتها ووسيلةُ أدائِها وعملِها الذي يتناسبُ مع الأسباب التي تمَّ إنشاؤها لأجلِها.

ماذا يفعل بالناس

لا بدَّ من الإقرار أنَّ هذا الجهاز العجيب ومنذُ أن تمَّ اختراعُهُ، صارَ ركناً أساسيَّاً في البيوت التي يسكُنُها البشر نظرا لما يُقدِّمهُ من حزمةٍ متنوِّعة تضع المشاهدَ في صورةِ ما يحدُث في كل العالم، فهذا الجهاز استطاع اختزال المسافات والزمن على حدٍّ سواء فيمكنك اليوم متابعةُ مؤتمرٍ صحفي في الولايات المتحدة الأميركية وأنت تجلسُ في الشرق الأوسط، وكذلك بإمكانك أن تسهر مع آخرين يحضرون حفلاً موسيقيَّاً في الصين بذات اليوم، فنحنُ أمام اختراع استطاع بشكلٍ أو بآخر سرقةَ الإنسان من حياتِهِ، وقلَّةٌ أولئكَ الذين يمكن وصفهم بغير المتعلِّقين بالتلفزيون، فقد صار باباً رئيسياً ليبقَى الإنسانُ على اطّلاع، فضلاً عن قدرتِهِ على صناعةِ الرأي العام، ومن هنا أدرَكَت الحكومات أهميَّتَهُ في ترويض الجماهير وتوجيههم أو دفعهِم لتأييد أو رفض فكرةٍ ما يتم تسويقُها أو مهاجمتُها.

التلفزيون يلعب في حيز كبيرٍ من بثه دورا في صناعة التوعية التعليمية والطبية و الصناعية والاقتصادية، مساهما بشكل أو بآخر في تشكيل الثقافة المجتمعية فضلا عن دوره العام بمخاطبة الناس واشغالهم، حتى بات يسيطر على المجتمعات بشكل كامل ليغير في العادات و القيم والتقاليد

ولا بدَّ من القول إن التلفزيون في حقيقةِ دورهِ يلعبُ في حيِّزٍ كبيرٍ منهُ بصناعةِ التوعية التعليميَّة والطبيَّة والصناعيَّة والتجاريَّة والاقتصادية، فهوَ يساهِمُ بشكلٍ أو بآخَر في تشكيل الثقافة المجتمعيَّة فضلاً عن دورِهِ العام بمخاطبةِ الناس وإشغالِهِم، فخلال فترة لا تتعدّى نصف قرن أصبَحَ التلفزيون يسيطِر على المجتمعات بشكل كاملٍ ليُغيِّر في العادات والقيَم والتقاليد ليكون صاحبَ الحظوة والتأثير الأكبر، فتأثيرهُ فاق دور المدرسة والأسرة إلى حدٍّ كبير، هذا التأثير ساهمَ بتغيير وجهِ المجتمع إن صحَّ التعبير لأنَّ الكائن البشري يستخدم عند متابعتِهِ للتلفاز حاسَّتَي السمع والبصر لذلك يبقى مشدوهاً أمامَهَ لساعات طويلة دون مللٍ أو كلل.

ولا بدَّ من ذكر الدراسات والاستبيانات التي تؤكِّد على أنَّ الأطفال الذين يتابعون التلفاز بشكل كبير يُصابون بالكآبةِ وفقدان التركيز وعدم القدرة على القيام بأعمال تتطلَّب مجهودات عقلية أو عضليّة، وفي السنوات الأخيرة على وجهِ الخصوص لاحظنا دور التلفاز وما يقدِّمهُ في صناعة ثورات الربيع العربي التي غابت عنها التلفزيونات الحكومية المملوكة للدولة، فقدّمت خطاباً مناقضاً لتلك المنابر التي تدعو للثورة والتغيير، ورغم اختلاف الخطاب بين الجهتين، إلا أنَّ لكلٍّ منهما متابعيها المؤمنين بتوجُّهاتِها، وهذا يدلُّ على دور التلفزيون الذي فاقَ بكثير دور المجتمع أو المحيط في التأثير بسلوك الإنسان.

أما على الصعيد الدرامي، فإنَّ ما يُقدِّمهُ التلفزيون يصنعُ السلوك العام لأجيالٍ متعاقبة، فنحن أمام منتَج يُشرّحُ عمليّة السرقة مثلاً في فيلمٍ سينمائي مع اكتشاف الأخطاء التي من الممكن أن تقَع، أو عمليَّةُ قتلٍ مُنظَّمَةٍ بشكلٍ مدروس حيث يضمنُ القاتلُ عدم تركِ أيِّ أثَرٍ بعد تنفيذِ الجريمة، فضلاً عن امتياز الأفلام المصريَّة بإحكام صفقات بيعِ وشراء وترويج المخدِّرات حيث تُظهِرُ المُتعاطي بصورةِ ما يُعرَف شعبياً بـ”الزهزهة”، ليقوم المتلقِّي أيَّاً كان عمُرُهُ بمحاكاة وتقليدِ كل ما يراهُ أمامَهُ في شاشة التلفزيون، ما يؤدِّي بشكلٍ مباشَر وغير مباشَر لإفسادٍ جيلٍ كاملٍ يتعلَّقُ يوماً بعد يوم بهذا الجهاز العجيب الذي يختزن العالم في صندوقٍ حديدي، وإذا نظرنا إلى تأثيرِهِ على سلوك الأسرة عموماً بعيداً عن الأطفال فإنَّ التلفازَ بما يعرِضهُ من قصص الخيانات الزوجيَّة والظواهر السلوكية المتصلة بالأسرة، وهو كفيلٌ بزرعِ وترويج مجمل تلك الظواهر لقبولِها شعبيَّاً وبالتالي سيؤدي انهيار الأسس الاجتماعية وضياع القيم الأخلاقيَّةِ بين الناس.

ولكن وعلى الضفَّةِ المقابلة، لا بدَّ من الاعتراف أنَّ هذا الاختراع الهام لهُ وجهٌ آخر يقوم على التوعية والتثقيف ونشر المعرفة وتوسيع المدارِك بين الأطفال والكبار على حدٍّ سواء، فهوَ المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الأب والأم مع العائلة في عمليَّةِ تلقّ كاملة الأركان ليتركَ أثرَهُ المباشَر على السلوك، وهذا يعودُ لشيوع هذا الجهاز بشكلٍ أكبر من كل وسائل الإعلام الأخرى عالمياً.

البرمجة والوعي

شهد التلفزيوني العربيُّ منذ شيوع ما باتَ يُعرَفُ بمدن الإعلام العربية التي توزَّعت بين أبوظبي ودبي والقاهرة والمنامة وعمَّان، طفرةً على كلِّ المستويات، فبعدَ أن كانت الدولةُ العربيَّةُ في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، لا تملكُ إلَّا قناةً أو اثنتيَن فإنَّ الفضاء العربي اليوم يكاد يفوق في أرقام فضائيَّاتِهِ الخمسمئة قناة، كلٌّ منها تختلِف في صناعة الخطاب وصياغة الأخبار ولكنَّها تشتركُ في اتِّباعِ الآخر في إنتاج البرامج، فيكادُ لا يخلو تلفزيونٌ عربيٌّ واحد من برنامجٍ أوروبيٍّ أو أميركي مستنسَخ إلى العربية، وهذا واضحٌ بشكلٍ جلي في برامج المسابقات ذائعة الصيت وبرامج التوك شو حتَّى في برامج الأطفال والطبخ، فنرى التلفزيونات العربية تُقدِّمُ صورةً طبق الأصل أو النسخَةَ المُزيَّفَةَ، رغمَ نجاحِها في ذلك في بعضِ الأحيان، لتلك البرامج الأجنبيّة ذائعة الصيت.

أمَّا على صعيد صناعةِ الخبر فإنَّهُ في أوضاع الأزمات التي تعصِفُ بالعالم العربي خصوصاً أو بالعالم بشكل عام، فإنَّنا أمام مشهدٍ موغِل في السوداويَّة التي تكاد تختفي فيها الحقيقة، وكأنَّ مهمَّةَ التلفزيون اليوم، هي صناعةُ الكذب والترويج له، ولا يخلو المشهد بالطبع من حالات ناصعة البياض أو تسعى للبقاء في صفِّ المشاهد “الغلبان” كما تقول اللهجة المصرية، المشاهد ـ المتلقي الذي يتعلَّقُ يوماً بعد يوم بالجهاز العجيب الذي بدأ بغزوِ المجتمعات، والذي يخبو نورهُ في فتراتٍ ليعود ويأخُذ وضعَهُ الهام في الأزمات والحروب والمهرجانات الكرويَة والفنيَّة.

طبعاً نحن هنا لا ندفع القارئ ليلقي بجهاز التلفزيون الخاص به من نافذة بيتِهِ، ولكننا أردنا التوقف عند عضو جديد وحيّ في كل أسرة في العالم، هو الابن الإضافي والزوجة الإضافية والصديق الإضافي وشريك الوحدة وصندوق الدنيا الذي يحضر الأحلام لمليارات البشر في الكوكب.

10