التلفزيون مازال يصنع الزعماء في الغرب

يضمن دونالد ترامب الآن أن أي دراسة للرئاسة الأميركية، حتى تلك المفترض أن تكون تاريخية أو خيالية، يتم نقلها للجمهور من خلال الظلال التي يلقيها هو على المادة المراد إذاعتها. وبغض النظر عن المغزى الذي يريد أن يصل إليه المخرج أو الروائي من هذه الدراسة، فإن المشاهد أو القارئ يقوم بمقارنة نفسية صامتة مع الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب.
الثلاثاء 2017/10/10
النجاح أمام الكاميرا أولا قبل النجاح في الصناديق

واشنطن – ساهمت شاشة التلفزيون في صناعة رئيسين أميركيين وتقديمهما للجمهور، في زمنين متناقضين تماما، أحدهما لم يكن يمتلك أي قوة ناعمة سوى التلفزيون، بينما يعج الآخر بوسائل التواصل الاجتماعي وقنوات البث على الإنترنت وتطبيقات الاتصال المجانية، ورغم ذلك مازال التلفزيون يتحكم في رؤى ناخبيه ورغباتهم وميولهم.

والرئيسان هما رونالد ريغن ودونالد ترامب، اللذان ألقيا بظلالهما من خلال شاشات التلفزيون على مجتمع نظر إلى كل منهما كأحد مشاهير الفن أو كرة القدم، وليس فقط كرئيسين.

وكان ترامب بالفعل أحد نجوم تلفزيون الواقع من خلال برنامجه “ذا أبرينتيس”. ويقول متخصصون في تحليل الخطاب السياسي إن هذا البرنامج هو “قنبلة ترامب النووية” التي جعلته يحطم تقاليد السياسة الأميركية ويقتحمها من المنازل إلى البيت الأبيض، وليس العكس.

وهذا يؤدي على الأرجح إلى استخلاص واحدة من نتيجتين؛ وهما إما أن نرى رؤساء الماضي على أنهم نموذج مثالي للحكمة والقوة بالمقارنة بالرئيس الحالي الذي يتمتع بالشخصية النرجسية، وإما أن نرى في تلك الإدارات التي ذهبت منذ فترة طويلة البذور الترامبية وجذور مشكلتنا الحالية.

ترامب ليس ريغان

كلتا النتيجتين يمكن استخلاصهما من الفيلم الوثائقي “ذا ريغان شو”، وهو فيلم مدته 75 دقيقة من إخراج سييرا بيتنغيل وباتشو فيليز “لسي إن إن فيلمز”، ويتكون من لقطات أرشيفية من تلك الحقبة التي تولى فيها ريغان رئاسة الولايات المتحدة، بما في ذلك بث بعض اللقطات الحية التي تم تسجيلها من داخل البيت الأبيض. وينقل هذا العمل الوثائقي فكرة أن هذا الجهد، الذي صور جميع لقاءات ريغان مع وسائل الإعلام وأيضاً جميع لحظات تصويره الفوتوغرافي، قد عمل على تجميع مادة تصويرية ضخمة لريغان تفوق تلك التي تم تجميعها للرئاسات الخمس السابقة مجتمعة.

ويعطي فيلم “ذا ريغان شو” بعض التلميحات عن الجذور الترامبية. ويُختتم العمل بصوت مذيع الأخبار الأميركي الأشهر بيتر جينينغز، الذي عمل لدى “آيه بي سي نيوز”، في مقولة له قالها عندما ترك ريغان منصبه كرئيس للولايات المتحدة “لم يتم الحكم على أي رئاسة قبل رئاسة ريغن من خلال فن الأداء. لازلت أرتعد بمجرد سماع اقتراح أنه سيتعين على السياسيين الذين سيأتون بعده أن ينجحوا أولا على شاشة التلفزيون”.

ويقول جوناثان فريلاند، المحلل في صحيفة الغارديان، إن “صدى هذه الجملة مازال يتردد إلى اليوم لأن التلفزيون أيضاً كان من ضمن الأسباب الرئيسية التي ساعدت على دخول ترامب للبيت الأبيض. قد يوصف بأنه قطب المشاريع العقارية أو رجل أعمال مهم، ولكن الحقيقة هي أن ترامب كان فاشلا كرجل أعمال، وغرق في ديونه للبنوك بشكل دائم حتى أنه وقف على حافة الإفلاس مرات عدة”.

ذا أبرينتيس هو (قنبلة ترامب النووية) التي جعلته يحطم تقاليد السياسة الأميركية ويقتحمها من المنازل إلى البيت الأبيض، وليس العكس

وأضاف “لكن ما أنقذه وحوّله من مجرد مزحة كانت تتناولها أعمدة الصحف الصفراء في نيويورك إلى شخصية وطنية، هو البرنامج الذي أُذيع على مدار 14 موسما ذا أبرينتيس”، حيث كان يقوم بدور المضيف والمنتج التنفيذي. في هذا السياق، لم يكن ترامب حقيقة هو رجل الأعمال المشهور بمشاريعه العقارية على الإطلاق، ولكنه لعب هذا الدور ببراعة على شاشة التلفزيون.

هنا يتردد صدى الانتقاد الحادّ الذي تلقاه ريغان على مدار ثمانينات القرن الماضي، وهو أنه لم يكن سياسيا بحق، بل كان ممثلاً يلعب دوره ببراعة عبر شاشة التلفزيون. فقد عزا بعض المنتقدين هذا إلى أن ريغان اعتمد كثيراً في خطاباته ومقابلاته على “قراءة البطاقات” أو حتى في بعض الأحيان على ما تمليه عليه زوجته.

وفي يوم من الأيام نسي ريغان ما يجب أن يقوله أمام الكاميرات وأمام الصحافيين، حينها تمتمت له زوجته نانسي بهذه الجملة “نحن نبذل كل ما في وسعنا”. وكرر هو هذه الجملة على الفور.

وتظهر بعض الأدلة على هذا من خلال تقارير إخبارية تلفزيونية في ذلك الوقت، بما فيها ذلك التقرير المقدم من كريس والاس، مراسل البيت الأبيض آنذاك، ومذيع “فوكس نيوز” الآن، الذي نقل عن كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية أن ريغان كان حقيقة يأخذ يوماً واحداً إجازة كل ستة أيام عمل في الرئاسة، حيث يقضي ثلث وقته في يوم العطلة فقط لتشكيل السياسات، في حين يقضي باقي يومه في الحفلات وتوطيد علاقاته العامة.

وهذه هي تقريباً جميع الملاحظات التي قُدمت حول ترامب. حيث يقول مسؤولو الإدارة للصحافيين أن الرئيس يتصرف بشكل مشابه، ويفضل الحصول على معلوماته من برنامج “فوكس آند فريندز” بدلا من الحصول عليها من خلال التقارير الاستخباراتية اليومية. أما بالنسبة إلى وقت إجازته، فإن ترامب يأخذ يوماً واحداً إجازة كل خمسة أيام عمل في الرئاسة ليقضيه في لعب الغولف. وكذلك فهما يتشابهان في الشعار الذي يناديان به، كما لو أننا نرى ريغان يقف على منصته مرة أخرى ليردد “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً”.

وحتى إذا لم يكن هذا التشابه مباشراً أو صريحاً إلا أنه يمكننا أن نرى بوضوح خط التقارب بين الرئيسين. فقد كان ريغان ملك وسائل الإعلام والتلفزيون، وكانت لديه هذه الموهبة، التي أطلقوا عليها “المتصل العظيم”، وقد كانت أساسية لإنجاح فترة رئاسته. فقد كان ريغان في بعض الأحيان يجسد دور الرجل الطبيعي الشعبوي أمام الكاميرا، حين يتحدث وكأنه جدّ الشعب الحنون، أو نراه يلعب دور الرجل الثائر الملحمي إذا تطلب الموقف منه أن يفعل ذلك.

وفي بعض الأحيان الأخرى، كان يقوم بدور القائد عندما ألقى خطابه التاريخي أمام بوابة براندنبورغ في عام 1987، والذي ضمّنه نداءه الشهير للزعيم السوفييتي غورباتشوف “اهدم هذا الجدار!” في إشارة منه إلى جدار برلين، وهو مقطع فيديو أرشيفي يتم عرضه في “ذا ريغان شو”. لكنه أيضاً لعب دور الرجل المسن الحزين الذي كان يعمل على تهدئة الأمة من خلال خطاب الحداد الذي ألقاه بعد انفجار مكوك الفضاء “تشالنجر”، ينعى فيه رواد الفضاء الذين “انفصلوا عن حدود الكرة الأرضية ليقابلوا وجه الله”.

كان ريغان في بعض الأحيان يجسد دور الرجل الطبيعي الشعبوي أمام الكاميرا، حين يتحدث وكأنه جد الشعب الحنون، أو نراه يلعب دور الرجل الثائر الملحمي إذا تطلب الموقف منه فعل ذلك

الرئيس الممثل

موهبة الظهور على شاشات التلفزيون كانت شيئاً مهماً منذ عصر رئاسة جون كينيدي، ولكن ريغان جعل من هذه الموهبة مطلباً أساسياً للقيام بمهمة الرئاسة. يتم افتتاح الفيلم الوثائقي بحوار صريح بين ريغان، في نهاية فترة رئاسته، وبين المذيع التلفزيوني المخضرم في ذلك الوقت، ديفيد برينكلي. يسأل برينكلي عن مدى أهمية عمل ريغان السابق كممثل أفلام ومدى تأثير هذه الموهبة على عمله كرئيس للولايات المتحدة. ورد ريغان ليقول “كانت هناك أوقات كنت أجلس خلالها في هذا المكتب، وأتساءل كيف كان يمكنني القيام بهذه المهمة لو لم أكن ممثلا”.

وبذل خليفته الرئيس جورج بوش الأب، الذي ظهر في الفيلم كنائب لريغان، كل ما في وسعه للعمل بنجاح في فترة رئاسته الأولى، ولكنه فشل مع ذلك في الفوز بفترة رئاسة ثانية، وذلك لأنه لم يكن ببساطة ناجحاً أمام الكاميرا. فقد عُرف عنه أنه يخطئ كثيراً حتى عندما يتلقى خطابه من شاشات الملقن الآلي أمامه.

أما الرؤساء الذين تبعوه (كلينتون وبوش الابن وأوباما) فقد كانوا يتحدثون أمام الكاميرات بأريحية.

ولكن ترامب، مثله مثل ريغان، محترف أمام شاشات التلفزيون. صحيح أنه يختلف نوعاً ما عن ريغان، فهو يتبنى سياسة تلفزيون الواقع والمفاجآت والأسلوب الجاف في الحوار، بدلا من النعومة والهدوء، وهو المنهج الذي اتبعه التلفزيون في الخمسينات من القرن الماضي، الوسط الطبيعي لريغان. ولكن الأكيد أن ترامب موهوب أمام وسائل الإعلام في هذا العصر تماما كما كان يفعل ريغان أيضاً. ففي الوقت الذي انتشر فيه الراديو وأفلام الدرجة الثانية، تنتشر الآن برامج تلفزيون الواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن هناك تشابها عميقا بين كل منهما.

ومع ذلك تُعد الاختلافات بينهما مفيدة. حيث ألقى فيلم “ذا ريغان شو” الضوء على فترة رئاسة ريغان ليجعلها تبدو جيدة كما كانت. كما تم أيضاً تنظيم كل صورة بدقة، رغم الحداثة النسبية لهذا الاتجاه في هذا العصر. فنرى مايكل ديفر، المصور الرئيسي لريغان، أثناء ممارسة عمله وهو يضبط صور ريغان بشكل من شأنه أن يعرضه كبطل أفلام. تلك اللقطة التي اتُخذت للرئيس والسيدة الأولى على ظهر الخيل في مزرعتهما في كاليفورنيا لم تكن من قبيل الصدفة، ولكن تم إنتاجها بدقة كما لو أنها صورة من فيلم للمخرج ديفيد لين.

صحيح أنه خلال فترة رئاسة ريغان لم يحدث أي تقدم اجتماعي؛ حيث انتشر عدم المساواة، وأهملت القوى التي كانت تطمح إلى تحقيق العدالة. ورغم ذلك عندما واجه ريغان صفقة “الأسلحة مقابل الرهائن” مع إيران، لم يتهم الصحافة بنشر أخبار وهمية كما يفعل ترامب طوال الوقت، لكنه ظهر على شاشة التلفزيون للاعتراف بأن موقفه السابق كان غير صحيح.

وعندما قامت حركة “كو كلوكس كلان” بزرع عبوة ناسفة في حديقة منزل عائلة أميركية من أصول أفريقية في ميريلاند، لم يمدح ريغان هذه الحركة باعتبارها “تضم النخبة من الناس”، ولكنه ذهب لزيارة العائلة السوداء التي تعرض منزلها للهجوم.

ببساطة يمكن القول بأن كلا الرئيسين هما من الرؤساء الجمهوريين الذين يدينون بنجاحهم السياسي لمهارتهم أمام الكاميرات، ولكن ترامب مازال صغيراً جداً مقارنة بسلفه. لذلك يوجه هذا الفيلم رسالة مختلفة مفادها: ترامب، ليس رونالد ريغان.

13