التلفزيون يبتلع السينما

الجمعة 2016/11/18

حتى وقت قريب كان هناك فرق واسع بين الإنتاج السينمائي والإنتاج التلفزيوني، حين كان التلفزيون غير قادر على عرض تفاصيل الصورة المبهرة بأدق تفاصيلها. كان يقال إن الفيلم السينمائي يظلم عند مشاهدته عبر التلفزيون. لذلك كان الذهاب إلى السينما ضروريا لمشاهدة الصورة المبهرة. وكان مصطلح “أفلام تلفزيونية” يعني ضمنا أنها لا ترقى فنيا إلى مستوى الأفلام السينمائية، وأنها لا تهتم بالتفاصيل الفنية للصورة ومهارات الإخراج والمؤثرات الصوتية، وأنها تهتم فقط بالموضوع، وهي غالبا رسائل توجيهية اجتماعية تقوم بإنتاجها الجهات الحكومية.

ولَم يكن ذلك التصنيف ينطبق على الأفلام فقط، بل يمتد إلى كل ما كان ينتج للتلفزيون من مسلسلات وبرامج عالم الطبيعة والتاريخ والجغرافيا والأفلام الوثائقية. جميعها كانت تنتج بموازنات متواضعة ولم تكن معنية كثيرا بالتفاصيل الفنية للصورة لأنها ستعرض في نهاية الأمر على شاشة صغيرة قليلة الوضوح. اليوم وبعد ثورة الشاشات فائقة الوضوح، التي تتزايد دقتها وأحجامها يوما بعد يوم، زال الفارق الفني بين الإنتاج السينمائي والإنتاج التلفزيوني.

أصبحت عين الإنتاج السينمائي على الإيرادات التي يحققها من العرض في التلفزيون، بعد أن أصبحت إيراداتها من العرض المتكرر في شبكات التلفزيون الكثيرة أكبر بكثير من إيرادات العرض في صالات السينما. موازنات الإنتاج التلفزيوني أصبحت اليوم تفوق موازنات الإنتاج السينمائي، بعد أن أصبحت المواصفات الفنية للصورة التي تنتجها لا تختلف كثيرا عن مواصفات العرض في دور السينما. وأصبح الكثير من منتجي الأفلام السينمائية لا يعبأون بالعرض في صالات السينما، ويذهبون مباشرة إلى التلفزيون، باستثناء الأفلام الكبرى التي تستطيع حشد جمهور كبير في الصالات السينمائية.

وانفجرت صناعة الإنتاج التلفزيوني وموازناتها بسبب سوقها الهائل. وأصبحت موازنة حلقة تلفزيونية واحدة تفوق أحيانا موازنة فيلم سينمائي كبير من إنتاج هوليوود. وامتدت الثورة إلى برامج الطبيعة وعالم الحيوان التي أصبحت تنفق الملايين على مشاهد مذهلة، وصولا إلى جميع البرامج الأخرى من تلفزيون الواقع في الأدغال إلى جميع البرامج الأخرى.

لم يعد الذهاب إلى السينما ضروريا لمشاهدة الفيلم بتفاصيل الصورة الفنية المبهرة، بل أصبح مجرد نزهة خروج من صديق أو حبيب، أو لأن ذلك الفيلم حدث كبير ولن يصل فورا إلى التلفزيون. ولو كان متاحا للمشاهدة في التلفزيون لانخفض جمهوره في السينما بشكل كبير. وصل الأمر إلى إغلاق الكثير من دور السينما وخاصة الصغيرة لأنها لم تعد مجدية اقتصاديا. وسوف تستمر هذه الظاهرة في الاتساع مع تطور تكنولوجيا الشاشات الكبيرة والسينما المنزلية.

كاتب عراقي

18