التلفزيون يسقط أمام فداحة الواقع في الدراما السورية

مع تغير معطيات الواقع السوري بدءا من مارس 2011، وزخم الأحداث السورية المتسارعة، وانفجار المجتمع السوري، وُضعت الدراما السورية برمتها أمام اختبار مجاراة الواقع وتصويره بكل زخمه، وذلك ما كانت تدعيه مرارا وتكرارا سابقا.
الأربعاء 2015/09/09
تفاصيل المكان كانت في الماضي نقطة قوة المسلسلات السورية

اتضح أن الدراما التلفزيونية السورية بعد مارس 2011، عجزت عن كسب رهانها الثقافي، إذ فشلت عشرات المسلسلات التي أُنتجت منذ أربع سنوات لأسباب عديدة، كان أهمها عدم قدرتها على تصوير واقع أصبح أكثر غنى وتنوعا.

يضاف إلى ذلك ابتعاد الدراما التلفزيونية عن (الأرض السورية)، بمعنى أن الدراما التلفزيونية كانت سابقا -في المسلسلات الاجتماعية تحديدا- تصور شخصياتها في العشوائيات السورية والأرياف السورية والمدن السورية.

بينما اليوم نجدها تصور خارج سوريا (لبنان، تركيا، دبي.. إلخ) بحجة صعوبة التصوير داخل سوريا، متناسية أن نقل تفاصيل المكان كان إحدى نقاط القوة التي أكسبتها اعترافا أكبر من قبل الجمهور.

إضافة إلى ما سبق، تبلور في الموسم الرمضاني الأخير 2015، عامل جديد ساهم في إعلان وفاة الدراما التلفزيونية كأداة ثقافية و”فن” وحولها إلى أداة تسلية وترفيه، وهو اندراج الدراما التلفزيونية السورية بكليتها تحت وطأة رأس المال الاقتصادي. وهذا لا يعني أن الدراما التلفزيونية قبل 2011 لم تكن تحت وطأة المنتج، لكن كانت هناك معايير فنية إلى حد ما يحتفظ بها بعض المخرجين والكتاب تحت سطوة المُنتج.

أما اليوم فقد أصبحت الدراما التلفزيونية رهينة الجهات المنتجة (شركات أو قنوات تلفزيونية سواء كانت حكومية أو شبه حكومية، أو خاصة)، أخضعت هذه الجهات المسلسلات إلى اقتصاد السوق ومتطلبات النجاح.

من ذلك مسلسل “تشيللو” إخراج سامر برقاوي، الذي أنتجته الشركة المنتجة لا لأي اعتبارات فكرية أو فنية، بل لاعتبارات اقتصادية قائمة على نجاح سالف لمسلسل “لو” إخراج برقاوي أيضا، والذي كان نجاحه بمثابة ضمان إنتاج مسلسل ينتمي إلى ذات السطحية.

في ظل عجزها مرارا وتكرارا في السنوات الأخيرة عن مقاربة الواقع، اتجه بعض صناع هذه الدراما إلى “النص الأجنبي”، كما هي الحال مع “العراب” بنسختيه، الأولى من إخراج حاتم علي، والثانية من إخراج المثنى صبح.

الدراما التلفزيونية أصبحت رهينة الجهات المنتجة (شركات أو قنوات تلفزيونية سواء كانت حكومية أو شبه حكومية، أو خاصة)، أخضعت هذه الجهات المسلسلات إلى اقتصاد السوق ومتطلبات النجاح

المسلسلان يعدان المثال الأكبر على المستوى الذي آل إليه وضع الدراما التلفزيونية السورية، ففي الوقت الذي غدا فيه المجتمع السوري مليئا بالقضايا والأحداث، يتجه مخرجان لهما رصيدهما في الدراما السورية إلى نص أجنبي رواية “العراب” للتعبير عن الحال السورية.

ولو كان كتاب المسلسلين “الأول حازم سليمان، والثاني رافي وهبي” بذلا جهدا “لتبييء” عمل ضخم كهذا، حيث يصبح حاملا للقضايا السورية اليوم لكانت المصيبة أخف وطأة، لكن ما نراه اليوم هو مجرد نقل مباشر في نسخة المثنى، وتبييء سطحي ممل في نسخة علي.

وإذا كانت “فنية” عمل مثل مسلسل “الانتظار” (2006) تأليف حسن سامي يوسف ونجيب نصير إخراج الليث حجو، أنه بحث في “المخفي” من الواقع السوري وفي الهامش من المجتمع الذي كانت العشوائيات المحيطة بالمدن مكانه الوحيد، ومسبوك من حوار حياتي يومي وأحداث تلقائية، فإن مسلسل “غدا نلتقي” الذي احتفي به في رمضان الماضي بصورة خاصة، تأليف إياد أبو الشامات وإخراج رامي حنا.

فهذا الأخير لم يحقق إلاّ شرطا واحدا بتقديم حوار يومي تلقائي يحمل هموم النازحين من بيوتهم جراء الأحداث السورية، لكنه بقي بعيدا عن تقديم مضامين فكرية وقضايا اجتماعية كبرى.

سيطرة العامل الاقتصادي ومزاج الجهات المنتجة ومتطلبات السوق، عجز النص عن مقاربة الواقع ولو في جزء منه، التصوير خارج سوريا، الالتفات إلى النص الأجنبي دون مراعاة حساسية نقله إلى البيئة السورية، كلها أسباب تساهم في قرب نهاية الدراما التلفزيونية السورية كـ”فن” رائد وله جماهيرية واسعة.

ولو تمكنت الدراما التلفزيونية في سوريا من أن تحسّن إنتاجاتها في قادم السنوات، لن تتمكن بعد اليوم من تقديم نفسها -كما كانت قبل 2011- كفن جاد يعبر عن المجتمع السوري وينطق بلسان حاله، فقد أصبحت الدراما التلفزيونية السورية فن “تسلية” دون رجعة.

ولعل هذا الانهيار ليس بالشيء السيئ تماما، لا سيما وأن فنون أكثر أصالة عادت اليوم إلى الظهور (المسرح تحديدا) بعدما كانت الدراما السورية تسيطر على مساحات واسعة من “عالم الفن” السوري، وهي في حقيقتها أبعد ما تكون عن “الفن”.

16