التلفزيون يصفق فوق خدي

السبت 2014/10/11

وهذا هو سبتٌ أوّل قد سَبَتَ بعد كسلة العيد الذي ما زالت تسميتهُ الأزلية بالعيد السعيد، قائمة ومشعّة ودارجة على الألسن وفي مفتتح المكاتيب والمراسيل، وهذه المعايدات قد صارتْ إلكترونية يابسة جافة لا تشبه حبر المظاريف ودمغات الكوبيا وطوابع المجهود الحربيّ، وقبعة ساعي البريد ودرّاجته التي تنطرها أمّهات الأبناء الضالّين، والحبيبات الحلوات اللاتي ترمّدت عيونهنَّ بسببٍ من قوة الهجر ووحشة الوسادة ومشية عبد الحليم حافظ ودمعاته السواخن فوق شوك الغربة، والتي أنتجتْ تالياً إحدى أعظم مناحات العاشقين الليليّين في شريط “أبي فوق الشجرة” ألذي كان شاهدهُ منعرضاً من على شاشة سينما النصر ببغداد الجميلة، أحد حشّاشي المدينة وعيّاريها، من أجل أن يُمطر العندليب الأسمر حليم، بقصفٍ معلنٍ مستلٍّ من قاموس الشتائم البلديّ الضحّاك، لأنّ الفتى الولهان عبد الحليم كان قبَّلَ نادية لطفي وباسَها من ثغرها البديع ألف مرةٍ ومرة، بينما يَرجعُ أخونا العيّار إلى غرفتهِ الباردة الرطبة بالحيدرخانة، ليجد نادية المثيرة المهيّجة المشتهاة، تنطرهُ بضحكة عذبةٍ ولقطةٍ مغناج مصلوبةٍ فوق الجدار.

في عملية استعادةٍ عذبةٍ لما بادَ من أيّام الأب الدرويش، كانت يسار نواس تتعرّق بيميني، ويمين علي الثاني بشمالي، ورحلة مبهجة من أجل أن تطمئنّ القلوب على دهشات منظر مفتتح العيد. أراجيح قديمة ودولاب هواء من الصنف الذي خمشَ قلبي قبل خمسين سنة، وكمشة أحصنة من نوع الزمال الدائح والبغل المنتوف تأريخهُ، محاطة بشدّة متحفّظة من عتاة الشباب، يقومون ويقعدون على تزيين الزمايل وتسريجهِا كي تشيل ظهورها صبحية الفرح، أطفالاً حلوين ومرحين وعندهم قدرة عظيمة على الضحك وضرب البغل الطيّب فوق مؤخرته ومـعدته.

عيد تعيس ومعايدات كهربائية مكرورة وميّتة، والتلفزيون الملوّن يقتلُ أرواحَنا بمنظر أبٍ وأمٍّ وطفلٍ يستترون بخيمة لجوء، ويستقبلون برد تشرين وقرصات العقارب والحيّات وفقدان الأمل. يحاول الأب المتعوس أن يصنع داخل الخيمة حركات قردية مبهجة، أو يقوم بدور البغل الحمّال النهّاق، لكن من دون جدوى، لأنّ الأغضاض المشاكسين الأذكياء، ما زالوا يفكّرون بعيدية الجدّة وسبّورة المعلّم وقميص الشقاوة الأولى، وطفرات القويّ الوسيم طرزان الذي لا أدري حتى اللحظة، ما كان يفعلهُ مع الوحش المسكين في الغابة.

أظنّني الليلةَ لستُ على ما يرام. إنزراع إكراهيٌّ في موضع الحنين. صبّارة مُرَّة أمّ الشوك في حلقي. رغبة قوية في التقيّؤ على خريطة المصير. بغل السعد الضخم يركضُ ورائي. تنبتُ للتلفزيون الملوّن بالفضيحة، كفّان قويّتان تصفّقان فوق خدّيَّ. بابُ هزيمةٍ جديد. شكراً كثيراً.

24