التلفزيون يفتح بابا على الكتب وعلى أسرار الكتّاب

الحوارات الفكرية مع الكتاب مهمة لأنها أشبه بمناوشات فكرية، تدفع الكاتب إلى الاعتراف بمواطن قوته وضعفه.
السبت 2018/06/30
حياة سرية يعيشها الأدباء (لوحة للفنان صفوان دحول)

عندما فرضت البنيوية سياجًا حول النص، وَعزلته عن سياقاته، بحجّة البحث عن الأدبيّة، عارضتها نظريات كثيرة، وارتأت عدم فصل النص عن سياقاته الدنيويّة. ومن ثمّ تأتي أهمية الكتابات التي تشتغل على آليات النصّ، وطرائقه وصولاً إلى القارئ. وبقدر ما تكشف هذه الكتابات عن أسرار الكتابة التي كانت مجهولة بالنسبة لنقاد الأدب، تكشف عن الحيوات الخفيّة للحكايات والشّخصيات.

ظل السؤال الأكثر إلحاحًا لدى الكُتَّاب في سيرهم وحواراتهم: لماذا نكتب؟ وكانت الإجابات أشبه بمنافستو للكُتَّاب الشباب، وهم يجيبون عن أسئلة الكتابة ذاتها؛ متى أكتب؟ وكيف أكتب؟ ولمن أكتب؟ وكيف أبدأ الكتابة؟ وكيف تتحقق؟ وما دوافعها؟ وما هي معايير التخييل وحدود الواقع في النصوص؟ في هذه المقالة نقف عند تجربتيْن وضعتا الكتابة ودوافعها موضع اهتمام، رغم اختلاف صيغة التناول.

التجربة الأولى، تجربة كتابية، أشبه بسيرة للكتابة وطقوسها، عبر مختارات أعدّها وترجمها عبدالله الزّماي، بعنوان “حياة الكتابة: مقالات مترجمة عن الكتابة”. والثانية تجربة حواريّة من خلال برنامج “وصفولي الصبر: عن الكتابة وأهلها” للكاتب عمر طاهر.

سيرة الكتابة

كتاب عبدالله الزماي صادر عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع بتونس، وتناول فيه مؤلفه تجارب إدواردو غاليانو، وأليف شفق وأورهان باموق، وإيزابيل الليندي، وروبرتو بولانيو، ويان مارتل، وهم يتحدثون للقرّاء عن طقوس الكتابة، ونصوص الظلّ، التي كانت المصدر الرئيسي لكتاباتهم الرائجة، وأيضًا تأثير هذه الكتابة على القرّاء.

الكتاب عبارة عن مختارات لآراء الكتاب في أعمالهم وظروف كتاباتها وكذلك طقوس الكتابة، وإن لم تخضع لمنهجية معينة وفق ما ذكر المترجم في مقدمته القصيرة، حيث “هي أولاً وأخيرًا نتاج الهواية لا غير”. وفيها يكشف إدواردو غاليانو عن الغرض من وراء كتابة “كرة القدم في الشمس والظلّ”، حيث قصد أن يفقد محبو القراءة خوفهم من كرة القدم، وأن يفقد محبو كرة القدم خوفهم من كرة القدم. لكن المفاجأة أن أحد أعضاء الكونغرس المكسيكي فاجأه بأن الكتاب أنقذ حياته، بعد أن تمّ اختطافه من قبل قتلة مأجورين.

كما يسرد غاليانو عن الإكراهات التي تعرّض لها كتابه “الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية”، فقد تمّ إحراقه لأن الدكتاتوريات العسكرية اعتبرته خطِرًا جدًّا. كما يستعرض أوجه الاحتفاء التي تلقاها بسبب كُتبه في أماكن مختلفة. أما أليف شفق فتحكي عن علاقتها بالكتب وتأثيرها عليها، حتى صارت الكُتب وفقًا لتعبيرها “رفاقي العقلاء والمجانين في عالم محافظ” كما تخبرنا بالجرأة التي تحلت بها وهي تقتحم عالم الكتابة، على العكس مما كانت عليه في عالم الواقع، حيث كانت طفلة خجولة وانطوائية. أما أورهان باموق فلا يُخفي أن نظرته للفن كانت باعتباره طريقه إلى السّعادة. كما يعترف بأنّه قام بكتابة رواية “متحف البراءة” وهو يفكّر في المتحف، وأنشأ المتحف وهو يفكّر في الرواية.

أما إيزابيل الليندي فتكشف في “شهرزاد أميركا اللاتينية” عن حدود الواقع في أعمالها، وهو السؤال الذي يُطاردها من قبل القراء، وترى أن مصدر الإثارة في الرواية الجيّدة ليس الحبكة فحسب، بل هي دعوة إلى اكتشاف ما وراء ظاهرة الأشياء، إذ تتحدى طمأنينة القارئ وتسائل واقعه. أما عن أسباب كونها صارت روائية، فتقول إن حياتها تتمحور حول الوجع والفقد والحبّ والذاكرة. فالوجع والفقد جعلاها تكبر، أما الحب فساعدها على التحمّل وأعطاها السّعادة. كما تتحدث الكاتبة عن بداياتها وتأثير المنفى عليها، وهو ما يشترك معها فيه الكاتب روبرتو بولانيو، حيث يرى أن “المنفى الحقيقي هو المقياس الحقيقي لكل كاتب”. ثم تتطرق لحكايات عن أعمالها أو بمعنى أدق إلهاماتها، وما منحته لها تجربة الكتابة، فجعلتها تُدرك أنها شابة قوية جبارة وسعيدة. كما أن الحياة لا تصبح حقيقية إلا عند كتابتها.

النص الظل والحياة السّرية للكتابة كما يراهما الأدباء
النص الظل والحياة السّرية للكتابة كما يراهما الأدباء

يحكي كازو إيشيغورو عن كتابته “بقايا اليوم” في أربعة أسابيع. حيث كانت الطقوس التي كتب فيها الرواية أشبه بمعسكر كتابة كامل؛ فقد امتنع عن مقابلة الزوار، أو الرد على الميل بل حدد ساعات للكتابة، وقد ألزم نفسه بها، رغم صعوبتها واعترافه بأن همّة الكاتب تفتر بعد أربع ساعات، إلا أنه تجاوز هذا العدد بكثير. لكن أهم ما يكشف عنه هو تغيير مصير بطله، بعدما استمع إلى أغنية. أما ماريو بارغاس يوسا فيحكي كيف أنه تغلب على خوفه من الطيران بالقراءة. ويتحدث هاروكي موراكامي عن فترة العشرينات من عمره العصيبة، وكيف أنه كان يعمل فقط لمجرد سداد الديون. ولا ينسى أن يتحدث عن طقوس الكتابة، حيث يكتب على طاولة المطبخ.

صناعة الكتابة

لا تختلف التجربة الحواريّة التلفزيونيّة “وصفولي الصّبر: عن الكتابة وأهلها”، للكاتب والشاعر عمر طاهر، عن كتاب “حياة الكتابة”، فقد استطاع طاهر عبر حلقات البرنامج الخمس أن يعيد الكاتب والكتابة والقارئ إلى الصّدارة والواجهة، بعدما طواهم النسيان، مقابل طغيان شهرة نجوم كرة القدم والغناء. فالبرنامج كان “أشبه بورشة فنية، تحاول إعادة صياغة كل ما له علاقة بالكتابة والقراءة والنشر والثقافة واكتشاف العالم”. ولا يغيب عن صُنّاع هذه التجربة “اكتشاف مفاتيح الكتابة الحلوة وعيوب الطريقة التى تقرأ بها مصر”، ومن ثمّ كان ضروريًا أن “تفتش عن المجهول من أسرار صنعة الكتابة”.

سعى البرنامج إلى استعادة أسماء مهمّة في عالم الكتابة، لها أَلقها وإنْ كانتْ توارت بعيدًا عن الضجيج، فحضر صُنع الله إبراهيم، كاشفًا عن علاقته
بالكتابة، وبالكمبيوتر، والورق وهاجس الحذف، وأغرب ما تحدّث عنه أكذوبة الإلهام والوحي، فالكتابة لديه عشق، مثلها مثل أيّ مهنة، وإن كان الفارق هو التزام الكاتب بنظام. وبالمثل استعادَ الشّاعر الغنائي مجدي نجيب في أوّل إطلالة له بعد غياب طويل تجربته مع الكتابة؛ فتحدّث عن أهم أعماله التي كانت سببًا في صعود الكثير من المطربين إلى عالم
الشهرة.

كما استضافت الحلقات الكاتب أحمد خالد توفيق في آخر ظهور له قبل رحيله المفاجئ، ليتحدَّث عن الكاتب النجم، وكيفية صناعة هذا النموذج، وَدَوْر القرّاء في هذه الصناعة. وقد أجابَ الضيوف أثناء حديثهم عن الكتابة وأوجاعها، عن تساؤلات من قبيل:
لماذا أصبح القارئ دكتاتورًا؟ ما الذي يفتشُ عنه القارئ عند الكاتب؟ وما الذي يجعله شغوفًا بكاتب ما دون آخر؟ وما الفرق بين الذّوق الشّخصي والتقييم الموضوعي عند التعامل مع أيّ فنٍ؟ وما الطريقة التي يُمكن للكاتب أنْ يصنع بها شعبية في مصر؟ وما أكذوبة البيست سيلر وتضليل الجوائز وغياب النُّقاد؟

تساؤلات كثيرة ذات أهمية، خاصّة أنها ترتبط بعنصري العملية الإبداعية للكاتب، ومكابدات هؤلاء الصنايعيّة وهم يُمارسون أعمالهم، والقارئ الذي صار طرفًا مهمًّا في هذه العملية، فقد صار حضوره ملموسًا، ويتواصل مع الكاتب بصور مباشرة، بتعليقه على عمله على صفحته الشخصية، أو مواقع القراءة. لكن التحوّل المهم هو سعي الكاتب أولاً إلى الوصول إلى القارئ، وما هو القارئ الذي يرهبه؟ بمعنى مَن يطرق عقله أثناء عملية الكتابة نفسها؟ الفكرة الأهم هي تحوّل القرّاء إلى كُتَّاب، مثل صبري موسى، وعلي شلش وصلاح عيسى وخيري شلبي، ونجيب سرور، الذين صاروا نجومًا في عالم الكتابة، وقد جاءوا جميعًا من بريد القراء.

فكرة الحوارات الفكرية مع الكتاب مُهمّة؛ لأنها أشبه بمناوشات فكرية، ترقش الذاكرة  لدفع الكاتب إلى الاعتراف بمواطن قوته وضعفه، فتكشف لنا الكثير من حياة الكتابة.

15