التلوث في نيودلهي يخنق الأجنة في بطون الحوامل

النساء أسيرات المنازل لحماية مواليدهن من خطورة الهواء السام الذي يتسبب في وفاة أكثر من 100 ألف طفل دون سن الخامسة كل عام.
الأربعاء 2019/11/13
براعم يشوّهها الدخان

تلوث الهواء الذي صار ظاهرة عالمية تظهر مضاره في الهند وخاصة نيودلهي التي أصبحت الحياة فيها خانقة، فالنساء الحوامل أصبحن لا يخاطرن بالخروج إلى الشوارع خوفا على أجنتهن من استنشاق السموم التي قد تودي بحياتهم أو تتسبب لهم في تشوهات خلقية، هذا المنسوب من التلوث يزداد كل سنة دون أن تجد له السلطات حلولا جذرية.

نيودلهي – تبقى النساء الحوامل في نيودلهي، التي تضربها موجة من التلوث، أسيرات منازلهن لحماية أجنتهن من التأثير الخطير للهواء السام الذي يغلف العاصمة الهندية.

تتشارك رايتشل غوفاكي ونساء حوامل أخريات شعورهن بالعجز والغضب لاضطرارهن لتنفس الهواء السام يوميا، خلال حصص إرشادية موجهة إلى الأمهات اللواتي أصبحن في الأشهر الأخيرة من الحمل في نيودلهي.

وقالت غوفاكي البالغة 26 عاما، “أترك دائما الأبواب والنوافذ مغلقة، ونادرا ما أخرج من المنزل. أخشى أن يعاني الطفل من مشكلات في الجهاز التنفسي بعد ولادته”.

ومثل غوفاكي، يسيطر القلق على الحوامل الأخريات اللواتي يحصلن من خلال هذه الحصص على نصائح وطرق فعالة للتعامل مع الضباب الدخاني السيّئ جدا، لدرجة أن رئيس وزراء نيودلهي شبّه المدينة أخيرا بـ”غرف غاز”.

الأطفال يتنفّسون الهواء السام مرتين أسرع من البالغين بسبب رئاتهم الصغيرة ما يسبب مشكلات في الجهاز التنفسي 

وقالت سودها تيلاك، وهي من سكان ضاحية “جورجاون” بالعاصمة الهندية، “أشعر وكأن هناك ثقلا جاثما على صدري، وأشعر بضيق في التنفس، وقد أصبت بالتهاب رئوي ثلاث مرات خلال السنوات الأربع الماضية، وكان ذلك يحدث دائما في مثل هذا الموسم”.

وأضافت، “نُبقي النوافذ والأبواب مغلقة… وتملأ أبخرة الطهي المنازل، وعندما نفتح النوافذ، يأتي الهواء السام من الخارج ويصبح المنزل كغرفة غاز”.

وقالت، “الحياة توقفت تماما، علينا أن ندرك أن هذه حالة طوارئ، مثل فيضانات ولاية كيرالا، ومن الضروري مواجهة هذا الوضع حتى لا يتكرر عاما تلو آخر”.

وقالت المرشدة للنساء اللواتي كن يصغين بتمعّن لنصائحها، “لا تخرجن لممارسة رياضة المشي في الصباح. حاولن الذهاب بعد الظهر عندما تغيب الشمس”.

ومع عدم وجود أي حل لمشكلة التلوث في الأفق، فإن الأطباء أيضا ليس لديهم خيار سوى التوصية بوضع أقنعة الوجه وأجهزة تنقية الهواء الباهظة الثمن في المنزل… إذا كان بمقدورهم تحمّل تكاليفها وهو ما لا يستطيع فعله الكثيرون.

من حقهما تنفس الأوكسجين
من حقهما تنفس الأوكسجين

وصنفت منظمة الصحة العالمية 14 مدينة هندية من ضمنها العاصمة، بين أكثر 15 مدينة تلوثا في العالم، وتوصي  بعدم تعرض أي شخص لـ “بي.أم 2.5”  يبلغقياسها أكثر من 25 ميكروغراما لكل متر مكعب، في أي وقت على مدار 24 ساعة، حيث يمكن أن تتوغل الجزيئات متناهية الصغر إلى داخل الرئتين، وحتى إلى مجرى الدم.

ويخنق الدخان السام نيودلهي كل شتاء بسبب أدخنة عوادم السيارات والانبعاثات الناتجة عن المصانع، إضافة إلى حرق الأراضي الزراعية في الولايات المجاورة.ويقتل هذا الضباب الدخاني مليون شخص في الهند كل عام، وفقا لبحث حكومي نُشر في يونيو.

وألقى التقرير نفسه باللوم على تلوث الهواء في وفاة أكثر من 100 ألف طفل دون سن الخامسة كل عام.

ويقول الأطباء إن الأطفال يتنفسون الهواء السام مرتين أسرع من البالغين بسبب رئاتهم الصغيرة، ما يسبب مشكلات في الجهاز التنفسي ويؤثر على نمو الدماغ.

وأشارت منظمة اليونيسف هذا الأسبوع إلى أن هناك أدلة تدل على أن المراهقين الذين يتعرضون لمستويات أعلى من تلوث الهواء، يكونون أكثر عرضة لمشكلات متعلقة بالصحة العقلية.

وقالت ترشا سوامي، وهي طالبة (16 عاما) تستعد لامتحاناتها المدرسية النهائية في “نويدا”، بالضواحي الجنوبية الغربية للعاصمة، “مدارسنا مغلقة ويطالبوننا بألا نخرج من منازلنا، هل يفترض أن يزرع هذا الثقة في نفوسنا؟”.

ونُقلت سوامي إلى المستشفى قبل ثلاث سنوات بسبب معاناتها من مشاكل في الجهاز التنفسي، أصابتها في شهر نوفمبر. وقالت الفتاة، “لم يطرأ أي تغيير… إنها حالة طوارئ، ونحن بحاجة إلى التعامل معها.. لا يمكننا تأجيل علاج المشكلة أكثر من هذا”.

ومساوئ الضباب الدخاني مشابهة للتدخين في ما يتعلق بالإجهاض، كما أشارت دراسة أخرى نشرتها مجلة “نايتشر ساستينبيليتي” الشهر الماضي. وقد أجري هذا البحث في بكين، التي تكافح منذ سنوات المستويات المرتفعة للتلوث الذي يزيد من خطر “الإجهاض الصامت” في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل.

وهذا الأمر يحدث قبل أن يتشكل الجنين أو يتوفى، لكن المشيمة والأنسجة الجنينية تبقى في مكانها.

وأظهرت دراسة أخرى في العام 2017، أن جزيئات صغيرة قد تصل إلى الجنين من جانب المشيمة وتعطل نموه.

ممنوعون من تنفس هواء نقي
ممنوعون من تنفس هواء نقي

في مستشفى سيتارام بهارتيا في نيودلهي، يتنفس المواليد الصغار الذين يزنون أقل من كيلوغرام واحد الأكسجين عبر أنابيب بلاستيكية فيما تراقب آلات علاماتهم الحيوية.

وقالت رينكو سنغوبتا، المتخصصة في التوليد في قسم الأطفال الحديثي الولادة في هذا المستشفى، إن معدلات الولادة المبكرة آخذة في الازدياد في المدن التي ترتفع فيها معدلات التلوث.

وأوضحت، “نحن قلقون جدا لأننا نعرف أن الملوثات لا تؤثر فقط على رئات الأمهات بل يمكنها أن تصل إلى المشيمة وتؤثر على وظيفتها”.

وتابعت، “من الصعب إثبات وجود علاقة سببية مباشرة. لكن هناك أدلة كافية حاليا تشير إلى أن هناك صلة مباشرة وعلينا التفكير في ما يمكننا القيام به حيال ذلك… إنه وضع طارئ”.

آرتي بهاتيا (35 عاما) هي والدة للطفلة عائشة البالغة من العمر ستة أشهر، لكن رحلتها إلى الأمومة تخللتها حوادث إجهاض، وهي تتساءل عما إذا كان التلوث هو السبب وراء معاناتها.

وقالت بهاتيا، “لقد أنجبت طفلتي بعد ثلاث سنوات من المحاولات وخلال تلك السنوات أجهضت مرات عدة”.

وأضافت، “في المرة الأولى التي فقدت فيها الجنين، اعتقدت أنه ربما كان حظا سيئا (…) لكن بعد ذلك تساءلت ما إذا كان السبب هو الهواء الذي نتنشقه؟”.ويزداد الشعور بالإحباط بسبب عدم الإقدام على اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن تحول دون تكرار هذه الأزمة السنوية، فإذا أصيبت عيناك باحتقان، وشعرت بانسداد في حلقك، وبصداع في رأسك ولا تستطيع أن ترى المبنى في الجهة المقابلة من الشارع، فمن المرجح أنك في نيودلهي، أو إحدى ضواحيها، في نوفمبر.

Thumbnail
20