التلوث قاتل خفي يوحد الجهود العالمية للحد من تهديداته

منظمة الصحة العالمية  تؤكد أن أكثر من 90 بالمئة من سكان العالم يتنشقون هواء ملوثا، لكن الأشخاص الأفقر والأكثر تهميشا هم الذين يتحملون الوزر الأكبر.
الاثنين 2018/05/07
قريبا حتى الأقنعة الطبية لن تعود كافية

لندن - كشفت منظمة الصحة العالمية، مؤخرا، أن أكثر من 90 بالمئة من سكان العالم يتنشقون هواء ملوثا، مشيرة إلى أن التلوث مسؤول عن سبعة ملايين حالة وفاة سنويا.

وقالت المنظمة التابعة للأمم المتحدة في بيان “في السنوات الست الأخيرة بقيت مستويات التلوث في الهواء الطلق مرتفعة ومستقرة نسبيا مع تراجع التركز في بعض مناطق أوروبا وأميركا”.

وأشارت إلى أن “تسعة أشخاص من كل عشرة في العالم يتنشقون هواء يحوي مستويات عالية من الملوثات”.

وقال المدير العام للمنظمة الطبيب تيدروس ادهانوم غيبريسوس إن “تلوث الهواء يهددنا جميعا لكن الأشخاص الأفقر والأكثر تهميشا هم الذين يتحملون الوزر الأكبر”، مضيفا “لا يمكننا أن نقبل أن يستمر أكثر من ثلاثة مليارات شخص غالبيتهم من النساء والأطفال يوميا في تنشق دخان قاتل تصدره مواقد الطهو ومحروقات ملوثة داخل منازلهم”.

وتستند خلاصات منظمة الصحة العالمية إلى نوعية الهواء المسجلة في أكثر من 4300 مدينة في 108 بلدان أي أكثر بألف مدينة مقارنة بالتقرير الأخير.

 

تحركات عالمية لمحاولة الحد من ارتفاع مستويات التلوث بكل أنواعها، ومكافحة مخاطرها على البشر وكل الكائنات الحية، لا سيما وأنها تتهدد بعض المخلوقات بالانقراض

وبحسب هذه البيانات، يموت نحو سبعة ملايين شخص سنويا نتيجة تعرضهم لجزيئات دقيقة تتسلل عميقا إلى الرئتين وفي النظام القلبي-الوعائي الأمر الذي يؤدي إلى أمراض مثل الجلطات الدماغية ومشاكل القلب وسرطان الرئة.

ولا يشكل النشاط البشري المصدر الوحيد لتلوث الجو، فالعواصف الرملية لا سيما تلك التي تهب بالقرب من صحارى تؤثر كذلك على نوعية الهواء بحسب المنظمة.

وجاء في التقرير كذلك أن أكثر من 90 بالمئة من الوفيات المرتبطة بالتلوث تسجل في البلدان ذات الدخل المتدني أو المتوسط وآسيا وأفريقيا خصوصا. وتظهر أرقام أيضا أن المناطق التي تشهد أعلى مستويات تلوث في الهواء موجودة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا مع معدلات سنوية تتجاوز المستوى المحدد من قبل المنظمة بأكثر من خمس مرات.

وهناك استنفار عالمي لمواجهة مخاطر التلوث، وبحث مستميت عن حلول للحد منها.

حلول تنقية الهواء

نصبت في أحد أحياء مدينة شيان الصينية مدخنة يبلغ ارتفاعها ستين مترا، لكن بدلا من أن ينفث الدخان ينقّي هذا الأنبوب الهواء قليلا في إحدى أكثر المدن تلوثا في الصين.

ولا توفر الصين التي تعدّ أكبر ملوث في العالم جهدا لتنقية الهواء، حتى أنها تغلق المصانع وقت اشتداد التلوث. ولا يخرج ملايين الصينيين من دون أقنعة واقية تحميهم من الجزيئات الدقيقة. وقد اعتمد الكثيرون أجهزة لتنقية الهواء في منازلهم.

في مدينة شيان الشمالية، قررت السلطات إرساء جهاز تنقية كبير في الضاحية في إطار تجربة هدفها تطهير الهواء.

وتسحب هذه الآلة التي تعمل بالطاقة الشمسية الهواء الملوثّ وتنقيه خلال صعوده في المدخنة وتقذفه نقيا في الغلاف الجوي.

وهذا الجهاز الذي لا يزال قيد التجربة يخفّض مستوى الجزيئات الدقيقة في الغلاف الجوي بنسبة 10 إلى 19 بالمئة في شعاع يمتدّ على 10 كيلومترات مربعة، بحسب ما صرّح به كاو جونجي الخبير البيئي في الأكاديمية الصينية للعلوم.

وقال ليو يوبين -متحدث باسم وزارة حماية البيئة في الصين- إن الحرب التي تشنها الدولة على التلوث مهددة بالدخول في حالة “جمود”، إذ يقوض سوء الأحوال الجوية جهود الحد من الضباب الدخاني.

وأضاف “دخلت حملة مكافحة التلوث مرحلة جمود، تأثرت جهودنا بالطقس السيء وسيستغرق الأمر وقتا للتخلص من هذا التأثير والانتصار في الحرب”.

التلوث يلحق أذى كبيرا بكوكبنا
التلوث يلحق أذى كبيرا بكوكبنا

ووجدت مدينة أولان باتور -أصقع عواصم العالم وأكثرها تلوثا- الحل في مشروبات يشدد المروجون لها على مزاياها في مكافحة التبعات السلبية لتلوث الهواء على صحة المنغوليين.

وفي حين يحث الأهل الحكومة على التحرك يخوض صناعيون غمار المشروبات التي تُنسب إليها منافع صحية لمكافحة آثار التلوث بالضباب الدخاني رغم تحذيرات منظمة الصحة العالمية إزاء حقيقة هذه المنافع المزعومة.

ويمكن للمستهلكين شراء بخاخات أكسجين زرقاء عليها شعار “الهواء هو الحياة”. وتسمح كل عبوة من هذه البخاخات بتحويل عصير فاكهة إلى خلطة غنية بالأكسجين تتميز برغوتها وطعمها الحلو.

كذلك تعرض متاجر وصيدليات أخرى على زبائنها تحويل عصير الفاكهة إلى خلطة غنية بالرغوة بفضل جهاز شبيه بآلة القهوة.

وفي الشوارع، تعد إعلانات بأن “شرب خلطة واحدة غنية بالأكسجين يوازي المشي لثلاث ساعات في غابة خضراء”، وبالإضافة إلى الخلطات يتناول بعض المنغوليين أنواعا خاصة من الشاي العشبي تنسب إليها مزايا مزعومة في تنقية الجسم.

غير أن مديرة قسم الصحة العامة في منظمة الصحة العالمية ماريا نيرا تعتبر أن “الحل الحقيقي” يكمن في تقليص معدلات تلوث الهواء وتفادي التعرض له.

وأنفقت الحكومة ما يقرب من 120 مليون دولار بين 2008 و2016 لمكافحة التلوث، ونصف الأموال مصدرها المساعدة الدولية.

واستخدم جزء من الأموال في توزيع مواقد طهو حديثة على سكان مدن الصفيح في العاصمة تتميز بانبعاثات أقل تلويثا. وفي 2017 أقر البرلمان إعفاء ضريبيا للشركات المنتجة لمنقيات الهواء.

ووزعت المنظمات غير الحكومية من ناحيتها منقيات وأقنعة مضادة للتلوث في المدارس ودور الحضانة والمستشفيات.

وأمرت المحكمة العليا في الهند بوضع خطة لضمان رعاية تاج محل وتقديم تقرير يتضمن حلولا، وذلك بعد أن بدأ اللون الأبيض الناصع الذي يميز المكان يتحول إلى اللون الأخضر والأصفر.

وقال عدد من كبار المسؤولين في الحكومة الهندية إن عددا قليلا فقط من المدن الهندية المئة الأكثر تلوثا صاغت خططا لمكافحة تلوث الهواء.

الحد من البلاستيك

 صيحات فزع تنذر بتحول العالم إلى مصب نفايات كبير
 صيحات فزع تنذر بتحول العالم إلى مصب نفايات كبير

أعلن مجلس شباب هيئة البيئة أبوظبي عن اختيار موضوع “الأكياس البلاستيكية” ليكون على رأس أولوياته حيث سيسعى من خلاله إلى تسليط الضوء على مخاطر الأكياس البلاستيكية والتركيز على أهمية استخدام الأكياس الصديقة للبيئة، للحد من تأثيرها الضار على الإنسان والحيوان والبيئة بشكل عام. ويأتي ذلك بالتزامن مع “يوم الأرض” الذي احتفل به العالم في أبريل الماضي تحت شعار “التغلب على التلوث البلاستيكي”.

وقالت رزان خليفة المبارك، الأمين العام لهيئة البيئة أبوظبي، إن العالم يواجه الكثير من التحديات بسبب التأثير الجسيم للبلاستيك على البيئة من حولنا ويجب أن نسعى للحد من أثاره ومنعها.

وأضافت أنه في كل عام ينتهي المطاف بما لا يقل عن 8 ملايين طن من البلاستيك في المحيطات حيث تبتلعها بعض الحيوانات البحرية والبعض الآخر ينفق حين يقع في شراك معدات وشباك الصيد المهجورة والحيوانات الناجية التي تظل على قيد الحياة تمتص السموم الموجودة في المواد البلاستيكية، وتنقلها عبر سلسلة المواد الغذائية.

كما تتسبب الأكياس البلاستيكية في نفوق الحيوانات في البيئة البرية نتيجة الاختناق الناتج عن أكلها عند مصادفتها في الصحراء.

وكشفت تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية، عن خطة في بريطانيا لحظر بيع الشفاطات البلاستيكية (الماصات) وأعواد تقليب الشراب والأعواد القطنية لتنظيف الأذن، كما حث زعماء الكومنولث الآخرون على الحذو حذوها و”الانضمام إلى مكافحة التلوث البلاستيكي”.

وتشكل الخطة جزءا من استراتيجية واسعة النطاق للحد من التلوث، بما في ذلك دراسة “كيفية استخدام النظام الضريبي للتعامل مع النفايات البلاستيكية التي تستخدم مرة واحدة”، حسب ما ذكرته الحكومة.

وقالت رئيسة الوزراء إن “حكومة المملكة المتحدة رائدة على مستوى العالم في هذه القضية، وقد أظهر البريطانيون شغفًا وقدرة على قبول دفع 5 بنسات مقابل كل كيس بلاستيكي وحظر الميكروبيدات، واليوم وضعنا خططًا طموحة لتقليل النفايات البلاستيكية من ماصات الشرب وأعواد تقليب الشراب والأعواد القطنية لتنظيف الأذن”.

حملة مكافحة التلوث دخلت مرحلة جمود، وسيستغرق الأمر وقتا للتخلص من هذا التأثير والانتصار في الحرب

وأفاد مايكل جوف، وزير البيئة، بأن العديد من متاجر التجزئة البريطانية والحانات والمطاعم “بادرت بالفعل إلى الحد من استخدام البلاستيك”.

كما أذعنت أكثر من 40 شركة بينها أكبر سلاسل لمتاجر التجزئة وشركات كوكاكولا ونستله وبروكتر آند جامبل لضغوط متزايدة تهدف إلى معالجة مشكلة التلوث وذلك بتعهدها بالحد من استخدام البلاستيك خلال السنوات السبع المقبلة.

ووعدت الشركات بتحقيق هدف هو القضاء على عبوات التغليف البلاستيكية غير الضرورية التي تستخدم لمرة واحدة في المملكة المتحدة بحلول 2025.

وانضمت الشركات إلى اتفاقية البلاستيك بالمملكة المتحدة، وهي مبادرة أطلقتها مجموعة “راب” التي تقود حملة لتعزيز كفاءة استهلاك الموارد. وبذلك تكون الشركات قد تعهدت بأن تصبح كل مواد التغليف البلاستيكية قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير أو التحلل بحلول هذا العام.

الانتحار والاحتجاج

من جهة أخرى اختار البعض مواجهة مخاطر التلوث بأسلوب مختلف عبر الاحتجاج والمسيرات المنددة أو الانتحار، وكان محام أميركي بارز أقدم، في الفترة الأخيرة، على الانتحار عبر إضرام النار في جسده في حديقة بنيويورك احتجاجا على التلوث، وفق ما أظهرت رسالة وداعية أرسلها إلى وسائل الإعلام قبل وفاته.

وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن ديفيد باكل (60 عاما) انتحر بإحراق نفسه في منتزه بروسبكت في بروكلين وأعلنت وفاته بعدما بعث برسالة إلكترونية إلى وسائل إعلامية أميركية عدة.

وكتب باكل في هذه الرسالة “التلوث يلحق أذى كبيرا بكوكبنا ويوسع رقعة المناطق غير الصالحة للسكن بفعل الهواء والتربة والماء والطقس”.

وأضاف “أكثرية البشر على الكوكب باتوا يتنشقون هواء غير صحي بسبب الوقود الأحفوري ومن ثمة يموت الكثيرون مبكرا.. وفاتي المبكرة بسبب الوقود الأحفوري تعكس ما نحن فاعلون بأنفسنا”.

العالم يغرق في مختلف أنواع التلوث
العالم يغرق في مختلف أنواع التلوث

كما تقدمت سبع عشرة ولاية أميركية والعاصمة الفيدرالية واشنطن بشكوى ضد إدارة الرئيس دونالد ترامب للسماح لها بالحفاظ على السقف المحدد للانبعاثات الملوثة الصادرة عن المركبات والذي تسعى الحكومة الفيدرالية إلى تخفيضه.

وقال جيري براون، حاكم ولاية كاليفورنيا، في بيان إن “كاليفورنيا تقود ائتلافا من 18 ولاية لملاحقة الوكالة الفيدرالية لحماية البيئة من أجل الإبقاء على المعايير الوطنية لانبعاثات المركبات المسببة لتلوث الهواء”.

وكانت الولاية الكبيرة الواقعة في الغرب الأميركي تقدمت بشكوى منفردة ضد الوكالة الفيدرالية لحماية البيئة في مطلع الشهر الماضي. ووسعت إطار حملتها القضائية ليشمل 16 ولاية أخرى.

ولفت براون إلى أن “هذه الشكوى تمثل 140 مليون شخص (و43 بالمئة من سوق السيارات في الولايات المتحدة) يريدون ببساطة سيارات أكثر نظافة وأكثر فعالية”.

ونبّه خافيير بيكيرا، وزير العدل في كاليفورنيا، بقوله “كفى! نحن لا نسعى إلى خلاف مع إدارة ترامب لكن عندما تكون التحديات كبيرة إلى هذه الدرجة على الصحة وعائلاتنا وازدهارنا، تحتم علينا مسؤوليتنا التحرك للدفاع عن أنفسنا”.

وأوضحت ماري نيكولز، رئيسة لجنة جودة الهواء في كاليفورنيا، “نكافح لحماية المعايير المعتمدة في 2012 والتي لا تدخل حيز التنفيذ قبل 2022”.

وتعهد دونالد ترامب بنسف الجزء الأكبر من “خطة المناخ” الموضوعة خلال عهد الرئيس السابق بارك أوباما. كذلك اختار ترامب سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس المناخي معتبرا أنه يضر بالمصالح الاقتصادية الأميركية.

وتوجّه 14 خبيرا مناخيا من سبعة بلدان من بينها السعودية، إلى فرنسا للانضمام إلى برنامج “لنُعِد إلى كوكبنا عظمته” الذي أطلقه الرئيس إيمانويل ماكرون بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية المناخ.

وسينضم هؤلاء الباحثون إلى مختبرات المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والوكالة الفرنسية للطاقة الذرية ومعهد أبحاث التنمية.

12