التلوث يطرد اللبنانيين من كورنيش طرابلس

صارت الحياة في المدن اللبنانية برائحة عفنة مع انتشار التلوث والقمامة في الشوارع والأماكن الجميلة كالشواطئ والمنتزهات، وأصبح كورنيش طرابلس لا يستقبل الهاربين من ضغط الحياة بعد أن صار مشوه المنظر كريه الرائحة.
الجمعة 2017/01/27
الأطفال يفتقدون متعة السباحة

طرابلس (لبنان)- أبى التلوث إلا أن يحط رحاله في كل بقعة من لبنان، محولا الأماكن، التي كانت موئلا للزوار ومتعة للأنظار، إلى بؤر للأوساخ ومرتع للحشرات. وقد اختار التلوث، هذه المرة، مكانا جميلا، واقعا على الواجهة البحرية لطرابلس، هو كورنيش الميناء، فأمعن في تشويه صورته، وجعل منه مرمى للنفايات ومصبا للمجارير، بعدما كان يستقطب الزوار من مختلف المناطق، وكل من يريد التنزه والتمتع بمنظر غروب الشمس وسماع هدير الأمواج.

وفي الآونة الأخيرة، وبسبب التزايد السكاني، تفاقمت مشكلة التلوث على شاطئ الميناء، فصار مكسوا بالنفايات المنزلية الصلبة، والدواليب، والمجارير التي تصب في البحر مباشرة على طول الكورنيش، حاملة معها الفضلات البشرية والمواد الكيميائية المتأتية من المنازل والمصانع، ملحقة أضرارا فادحة بالبيئة البحرية والثروة السمكية. في العام 2003، رسا مشروع إنشاء محطة لتكرير مياه الصرف الصحي على شركة فرنسية وتم افتتاح المحطة في العام 2009.

وفي عام 2010، تم البدء بتنفيذ مشروع تمديد شبكة صرف صحي جديدة في مدينة طرابلس بإشراف مجلس الإنماء والإعمار. ورغم ما يتسبب فيه المشروع من زحمة سير خانقة في مدينة طرابلس، وعرقلة لحركة المواطنين، وإضرار بمصالح أصحاب المحال التجارية نتيجة بطء التنفيذ، فإنه لن يحل مشكلة تلوث البحر بمياه الصرف الصحي عند الانتهاء من تنفيذه، إذ لن يتم وصل مجارير منطقة ما بعد “سبينس”، بالشبكة الرئيسية التي ستوصل بمحطة التكرير، وستبقى مجارير هذه المنطقة تفرغ المياه المبتذلة في البحر دون تكرير.

سخط أبناء المدينة

حين يصبح البحر مصبا للفضلات

ما يثير سخط أبناء المدينة هو طول المدة الزمنية التي يستغرقها تنفيذ مشروع الصرف الصحي والذي امتد من العام 2003 تاريخ رسو مشروع إنشاء المحطة على الشركة المتعهدة، فيما لا يزال العمل مستمرا بشبكة الصرف الصحي حتى اليوم. وقد لا ينتهي العمل بها في العام 2020، فهل يعقل أن يستغرق تنفيد هكذا مشروع 17 سنة؟

رئيس قسم الصحة والبيئة في كلية الصحة العامة-الجامعة اللبنانية، جلال حلواني، أشار إلى أن “شبكة المجارير بحاجة إلى أربع سنوات إضافية من العمل للانتهاء من تمديدها، وقال “إن محطة التكرير التي تعالج مياه الصرف الصحي تعمل اليوم بأقل من 20 بالمئة من الطاقة التشغيلية الخاصة بها، ويقتصر عملها على المعالجة الأولية. أما المعالجة الثنائية فلم تعمل بعد، والسبب هو أنها تحتاج إلى كمية كبيرة من المياه”.

ولفت إلى أن “عقد صيانة المحطة قد انتهى منذ مدة، وكلفة صيانتها باهظة جدا، وهي ستقع على عاتق مصلحة مياه طرابلس، العاجزة فنيا وإداريا وماليا عن الصيانة، منبها إلى أنه وفي حال لم تتم صيانة المحطة، سيكون من الضروري تحويل أنابيب الصرف الصحي لكل من القلمون وزغرتا وجزء من الكورة، إلى البحر مباشرة”. وذكر لوكالة الأنباء اللبنانية، أن “شبكة الصرف الصحي وشبكة مياه الأمطار في مدينة طرابلس كانتا مرتبطتين، وبدأ العمل على فصلهما عن بعضهما منذ حوالي الست سنوات، بحيث تكون هناك شبكة للأمطار تصرف المياه مباشرة في البحر أو في نهر ‘أبو علي’، وشبكة خاصة بالمجارير تصرف مباشرة في محطة التكرير حيث تتم المعالجة”.

وأضاف “المرحلة الأولى من المشروع انتهت وهي تشمل الطرقات الرئيسية (المعرض – عزمي – الميئتين – رياض الصلح)، في هذه الطرقات تذهب المياه المبتذلة إلى محطة التكرير مباشرة، وتم في هذه المناطق فصل مياه الأمطار كليا عن هذه الشبكة. والآن يجري العمل بالشبكة الممتدة من البحصاص حتى ساحة عبدالحميد كرامي، كما يجري العمل على الشق الذي يتعلق بالشبكة الممتدة من البحصاص إلى “الكوالتي إن”، وعندما تكتمل الشبكات الرئيسية ستصل إلى محطة التكرير عمليا حوالي 40 بالمئة من كمية المياه، وبالتالي ستعمل المحطة بشكل أكثر فعالية”.

وتابع “كل الشبكات الرئيسية للصرف الصحي سنكملها، وهناك أيضا شبكة منطقة القبة والتي سنبدأ بها بعد سنة. سنصل إلى منتصف سنة 2017 وقد أكملنا الشق الأساسي من شبكات الصرف الصحي”. وأشار إلى أن “الشبكات الحالية التي تصب في البحر والخزان الخطي الذي يصب بجانب الجامعة العربية، والخط الذي يصب بجانب الملعب الأولمبي، والخط الذي يصب بالقرب من مرفأ الصيادين، سيتم شبكها مع بعضها البعض بمجرور رئيسي. لكن ستبقى مسألة لم تحل بعد وهي أن خطوط مجارير المنطقة التي ما بعد سبينس لم تربط بالمجرور الرئيسي الذي يجمع خطوط المجارير ويمر من مستديرة سبينس إلى الكوالتي إن، ولا بد من إيجاد شبكة أخرى لربط مجارير هذه المنطقة بالمجرور الرئيسي. عندها، سيتم تحويل مياه الصرف الصحي إلى محطة لتكريرها عوضا عن توجيهها إلى البحر، وعلى هذا المنوال يمكن أن نصل في نهاية سنة 2018 إلى معالجة ما يقارب 80 بالمئة من مياه الصرف الصحي”.

الصيادون مهددون في مورد رزقهم الوحيد

وقال حلواتي “من الآن وإلى غاية نهاية سنة 2017 علينا أن نتحمل التلوث الحالي الذي ضرب الشاطئ، وأما في ما يخص سنة 2018، فسيتم استكمال المرحلة الثانية وستنعم طرابلس بعد هذا كله بشبكة حديثة ستخدم المدينة لأكثر من 50 سنة، وهذا من شأنه أن يفصل مياه الأمطار عن مياه الصرف الصحي. لا حرج في أن تصرف مياه الأمطار في النهر أو على البحر مباشرة وهذا لا يضر البيئة، ولكن في المقابل علينا أن نعالج مشكلة الصرف الصحي لحماية المدينة من التلوث وحماية حوض المياه الصالحة للشرب في طرابلس، وحماية الشواطئ من تصريف المياه المبتذلة إليها والتي تنتج عنها أمراض وتنبعث منها روائح، لذلك علينا أن نصبر وسنصل إلى مرحلة سننتهي بعدها من مسلسل التلوث الكبير”.

وأضاف “إن معالجة مياه الصرف الصحي تنقسم إلى شقين؛ الأول هو المحطة أي تصميم المحطة وبنائها، والشق الثاني هو شبكات التجميع والتي نعمل عليها حاليا. من السهل جدا أن تأتي بقرض لبناء محطة لأن الكلفة هنا تكون معروفة والأرض موجودة، وتم ردم ما يقارب 30 بالمئة من المساحة في البحر على مصب نهر أبوعلي لاستكمال المحطة وتأمين القرض مباشرة”.

وتابع “لكن الشبكات معقدة أكثر وتمويلها مكلف جدا، وعلينا أن ندرس كل منطقة لوحدها، ونوع الشبكات التي تصلح لها، لهذا السبب ينقسم التمويل إلى قسمين؛ الأول للشبكة والثاني للمحطة، ولكن التمويل الخاص بالمحطة تم تأمينه بسرعة وتم العمل عليها مباشرة من أجل الاستفادة من كل القيمة الموجودة. لهذا السبب تم تجهيز المحطة قبل الشبكات، وكما قلت سابقا فمنطقة القبة سيأتي دورها، ومنطقة أبي سمراء يتم العمل عليها حاليا، لذلك لا يمكن لنا أن نعمل على طرابلس دفعة واحدة، فهناك تدرج في العمل لبناء الشبكات، وبالتالي علينا أن نوصل الشبكات تدريجيا على مراحل، وسيبقى لدينا بعض التلوث حول الحوض المائي والشاطئ لفترة زمنية محددة. ولكن، بعد فترة من الزمن، سيتم حل كل المشاكل لفترة زمينة تتخطى الخمسين سنة”.

وأوضح أن “الشبكات التي يتم مدها هي عبارة عن قساطل من أجود الأنواع وتخدم مئة عام، وبالتالي علينا أن نصبر قليلا. وطبعا المواطن الطرابلسي يعاني من زحمة السير نتيجة الحفريات، ولكن هذا الأمر لا بد منه، وعلينا أن نفصل شبكات مياه الأمطار عن شبكات الصرف الصحي والتي كانت تعاني من أزمة حقيقية، ففي بعض المناطق كانت القساطل في حالة يرثى لها، وبالتالي أمامنا نحو خمس سنوات كحد أقصى، يمكن بعدها اعتبار أن طرابلس تملك أفضل بنى تحتية وينتهي تلوث الشاطئ. وهكذا تتم حماية حوض مياه طرابلس الصالحة للاستخدام من التلوث”.

وتمنى أن تسرع الحكومة وخاصة مجلس الإنماء والإعمار العمل، “فمثلا يمكن أن يتم الطلب من المتعهد بدل أن يعمل بدورة واحدة أن يكثف العمل من الساعة السادسة صباحا وإلى غاية الساعة الثامنة مساء في بعض المناطق من أجل الإسراع في العمل وتقليص المدة الزمنية للمشروع، فالإمكانات المادية موجودة، والقروض المهيئة لأعمال رفع مستوى خدمات البنى التحتية في مدينة طرابلس موجودة”. وختم “ستنعم مدينة طرابلس ببنى تحتية جيدة وشبكة أمطار متصلة وشبكة صرف صحي جديدة، وستتم حماية المخزون المائي الجوفي بطريقة جيدة، وبالتالي سيتم إيقاف تلوث الشاطئ”.

شاطئ الميناء في مرمى النفايات ومياه المجاري

زوار الكورنيش

تأثرت حركة زوار الكورنيش سلبا بالتلوث، فقل عدد مرتادي ذلك المكان، من هواة رياضة المشي والصيد والسباحة، إذ بات هؤلاء يتقززون من منظر النفايات، وينفرون من الروائح الكريهة المنبعثة من مياه المجارير، ومن الحشرات التي تجد بيئة ملائمة لها هناك، خاصة في فصلي الربيع والصيف. وعلى الشاطئ، وفي “المسبح الشعبي” الذي لطالما كان يكتظ بالعائلات، تصب المجارير سيولها على شكل جداول، فتراجعت نسبة رواد المسبح بشكل كبير، باستثناء بعض الأولاد، ومن أراد تعريض صحته للخطر.

أما الصيادون فباتوا مهددين في مورد رزقهم الوحيد؛ فحوض الصيادين، الذي يضم المئات من زوارق الصيد، وهو حوض شبه مغلق ومياهه لا تتجدد، قد صار أشبه بمستنقع، جراء المجارير التي تصب فيه سيولها المشبعة بالفضلات والمواد الكيميائية، ما يتسبب في اهتراء زوارقهم المصنوعة أصلا من الأخشاب، فضلا عن نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، نتيجة للتلوث.

ويبقى السؤالان هل هكذا مشروع هو حقا بحاجة إلى كل هذه المدة لينجز؟ ولماذا لن يتم ربط كل المجارير بالشبكة الرئيسية؟ سؤالان لم يجد المواطن أجوبة شافية لهما بعد.

ولأن الأزمات في لبنان متشابكة، والمشاكل متداخلة، فلن تحل مشكلة تلوث شاطئ الميناء قبل إيجاد حل لمشكلة تأمين صيانة لمحطة التكرير. وحتى ذلك الحين، ليس أمام المواطن اللبناني سوى التعايش مع واقع أليم، وانتظار إتمام وعود خلبية يتنافس ذوو الشأن على إطلاقها، عل حلمه ببيئة نظيفة، وبنية تحتية متكاملة متطورة، ووطن يوازي طموحاته، ويضمن مستقبل أبنائه، يتجسد ويصبح حقيقة، في يوم من الأيام.

20