التماثيل الرديئة دليل على تدنّي الذائقة الفنية في مصر

عندما تغيب النسب والقياسات عن الفن إلى جانب افتقاره إلى البديل المدهش والعمق فإنه يغدو شكلا مفرغا لا تحميه النظرية من الانتقادات الشعبية الحادة التي تطوله.
الأربعاء 2020/08/12
تمثال رديء في نسخة مشوهة

يوما بعد يوم، يثبت العاديون والبسطاء من أصحاب الحس الشعبي والفطرة السليمة أنهم الحماة الحقيقيون لتاريخ مصر وجغرافيتها، وإشعاعاتها التنويرية وجمالياتها، وأنهم الأكثر عمقا وأصالة ونقاء في التعاطي مع الفنون والإبداعات، لاسيما الأعمال التشكيلية والبصرية. وهو ما تؤكده الحملة الشعبية مؤخرا لرفض تمثال رديء بعنوان “مصر تنهض”.

القاهرة- بإثارته الجدل في الشارع المصري؛ والسخرية في وسائل التواصل الاجتماعي؛ خلال الأيام القليلة الماضية، أعاد تمثال “مصر تنهض” للنحّات أحمد عبدالكريم، فتح ملف شائك في المشهد البصري، والفني عموما، حول معايير الذوق وشواهد الجمال في بلد الحضارات والأهرامات والتماثيل العملاقة والجداريات والنقوش الخالدة.

وقد انطلقت حملة كبيرة رافضة لهذا العمل، قادها مؤخرا جمهور السوشيال ميديا ضدّ التمثال المسيء للفن المصري لتؤكد تفوق الحس الشعبي التلقائي على تنظيرات المتمسّحين بصيحات التجريب والتغريب، وعلى قرارات المسؤولين عن إدارة شؤون الثقافة والفنون بمصر من الموظفين البيروقراطيين والإداريين الروتينيين والأكاديميين المقولبين.

النقد الشعبي الصادق

لم تنجح تبريرات الفنان الأكاديمي أحمد عبدالكريم، في وقف موجة الغضب ضد تمثاله الرديء (مصر تنهض)، الذي نحته من رخام “جلالة صوفيا” بالتعاون مع كلية الفنون التطبيقية، فلم يكن منطقيّا ما ادّعاه أن العمل لم يكتمل، بالرغم من أنه قد نشر صوره من كل الاتجاهات عبر فيسبوك، كما لم يكن مُقنعا الادعاء بأن العمل غير مقصود به استدعاء روح النحّات الرائد محمود مختار صاحب التمثال الأشهر “نهضة مصر”.

التشابه واضح جدّا بين عنواني التمثالين، الأصلي الغرانيتي الشامخ (1920) الذي يعد رمزا لمصر الحديثة ويمثل فتاة تقف بجانب “أبي الهول” وتضع يدها على رأسه متطلعة للمستقبل، والمسخ الحالي (2020)، الذي يدّعي صاحبه التجريب في النحت المباشر على الرخام، والرمزية في التعبير عن تقدُّم البلاد وتطورها، أي رمزية في الرأس المنبعج والبطن المنتفخ والنظرات الممتعضة.

تبريرات الفنان أحمد عبدالكريم لم تنجح في وقف موجة الغضب ضد تمثاله الرديء (مصر تنهض)
تبريرات الفنان أحمد عبدالكريم لم تنجح في وقف موجة الغضب ضد تمثاله الرديء (مصر تنهض)

بديهي أن توصف الفنون في مجملها بأنها حمّالة أوجه، فليست هناك مسلّمات مستقرة أو قواعد جمالية ثابتة، لكن الاختلافات المذهبية في الفنون وتياراتها واتجاهاتها شيء، ووجوب تحقُّق التجذّر والأصالة وخيوط التواصل مع المتلقي في هذه الفنون، على تباينها شيء آخر مختلف تماما، لأن الميادين المفتوحة ملك الجمهور في الأساس قبل أن تكون معرضا لأعمال الفنانين.

عندما تغيب النسب والقياسات عن الفن إلى جانب افتقاره إلى البديل المدهش والأصالة والهوية والخصوصية والعمق والملامح الذاتية، فإنه يغدو شكلا مفرغا أو قالبا أجوف، وفي تلك الحالة لا تحميه النظرية من الانتقادات الشعبية الحادة التي تطوله، بوصفه تهويما مجردا لا يصل إلى الأرض بجذور، ولا يحلق في السماء بأجنحة مستساغة.

ينطوي الجمال ذاته في بعض تعريفاته على تفسير الأمور وتوازن الأشياء والعناصر والمعطيات وانسجامها مع الطبيعة، بالاعتماد على الجاذبية والبهجة واستثارة العاطفة وبلوغ طبقات الوعي العميقة.

في دولة مثل مصر، التي هي بمثابة متحف مفتوح بأهراماتها ومسلاتها وتماثيلها العملاقة وجدارياتها ومعابدها ونقوشها ورسومها ولوحاتها وتصميماتها الفذة منذ عهد الفراعنة وصولا إلى مرحلة النهضة الحديثة في القرن الماضي، فإن الأعمال التشكيلية والبصرية الرفيعة ليست مجرد فنون، إنما هي دلالات على الهوية، ومؤشرات إلى تراكيب الشخصية في تميّزها ومجدها وفرادتها.

ليس من الممكن اتخاذ التجريب غطاء فجّا للعبث بمعايير الذوق وشواهد الجمال في مهد الفن وأرض التاريخ والحضارات الخصيبة، ومثلما شكّل أبناء الشعب العريق من العاديين والبسطاء حائط الصدّ أمام عرض تمثال “مصر تنهض”، تصدّوا من قبل بالنقد اللاذع والسخرية لمجموعة من التصميمات المسيئة، ومنها لوجو المتحف المصري، وتميمة المنتخب الوطني في مونديال روسيا الأخير، وتماثيل عدة شهدتها الميادين العامة في القاهرة والمحافظات المختلفة.

لم ينجح المسؤولون في مواراة هذه الفضائح السابقة وتداركها، كشأن نحّات “مصر تنهض” والجهات الثقافية الرسمية التي رشحته لبينالي فينيسيا الدولي، ولم يتمكنوا من التصدّي للصوت الشعبي الجمعي الذي كانت له الكلمة العليا في كشف الخلل وتعرية هذه الأعمال الضعيفة، التي لا ترقى إلى مستوى الحدث، ولا تتسق مع الموروث المتراكم في ميدان الفن البصري والإبداع التشكيلي.

وقائع عبثية

 لم تغب بعد عن الذاكرة القريبة تلك الحلقات المؤسفة المتتالية من مسلسل الإجراءات الإدارية؛ بل الاجتراءات الكارثية التي أصابت المصريين بالإحباط والغضب، لأنها قرارات وأفعال تمس هويتهم وذوقهم الفني وجذورهم الحضارية، أي أنها تمسّ وجودهم نفسه، ولعل هذا يفسر لماذا حققت أزمة التمثال الأخيرة “ترندات” في مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنّ أغلبية المصريين صاروا فنانين ونقّادا تشكيليين.

إن سبب تلك الوقائع المخجلة والعبثية التي تعرضت فيها سمعة الفن المصري ومعايير الذوق والجمال إلى التشكيك والانتقادات الحادة هو ببساطة إسناد أمور إبداعية دقيقة إلى غير المختصين من الموظفين ورفقائهم، وهذه سمة الإدارة التي تعتمد على أهل الثقة والانتفاعيات الرخيصة المتبادلة، وليس أهل الكفاءة والمهنية والخبرة.

جاءت العشرات من النماذج التصميمية التي أريد لها أن تكون شعارات وعلامات مميزة لمنشآت بارزة وكيانات وطنية مهمة وأحداث كبرى، مسوخا مخيبة للآمال.

الحسّ الشعبي لا يزال محتفظا بأصالته في مواجهة المسؤولين عن إدارة الثقافة والفنون من الإدارة البيروقراطية

مع كل واقعة، يظن المتابعون أن الدرس قد جرى استيعابه، وأن الخطأ لن يتكرر، لكن الأيام تثبت عكس ذلك، فمن تماثيل نفرتيتي وكليوباترا وعباس محمود العقاد وطه حسين، المشوّهة في الميادين العامة، إلى لوجو المتحف المصرى الكبير، وهو الصرح الثقافي والهرم الجديد على مساحة 117 فدانا بالقرب من أهرام الجيزة، والمعدّ لاستقبال 5 ملايين زائر سنويّا.

هو لوجو جاء غير متسق مع قيمة ومكانة التاريخ المصري، فضلا عن سطحيته وعدم وجود خصوصية في التصميم تتمثل روح الحضارة الفرعونية التي ينفرد بها المتحف، إلى جانب خلوه من الثراء القائم على الاختزال البصري وتقديم رسالة ذات معان.

14