التمدد في الجمهوريات السوفياتية السابقة حلم روسي يصطدم بحائط الغرب

الاثنين 2014/04/14
الاحتجاجات ضد سياسية بوتين و خططه التوسعية تمتد إلى جورجيا

موسكو - يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إبقاء الفوضى سائدة في المناطق الناطقة بالروسية في شرق أوكرانيا من أجل تجريد السلطات الجديدة الموالية لأوروبا من مصداقيتها وترسيخ نفوذه.

بدأت الفوضى تجتاح شرق أوكرانيا، بعد سلسلة هجمات شنتها مجموعات موالية لروسيا على مدنها، واستيلائها بشكل شبه كامل على مدينة “سلافيانسك”، بمقاطعة “دونيتسك” الأوكرانية، و يتزامن ذلك مع إعلان حلف شمال الأطلسي أن روسيا حشدت عشرات الآلاف من جنودها على حدود أوكرانيا استعدادا لغزو محتمل في وقت لا تزال الدول الغربية تتخبط دون استراتيجية واضحة لمنع موسكو من التدخل في الجمهوريات السوفيتية السابقة.


تهور موسكو


مع استبعاد التحرك العسكري لحماية الدول غير الأعضاء في الحلف يقول مسؤولون حاليون وسابقون إن العقوبات والعزلة يوفران أفضل وسيلة -وربما الوسيلة الوحيدة- للضغط على موسكو، مضيفين أن زيادة الضغوط على الحلقة المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد تدفعه بمرور الوقت نحو انتهاج سبيل أقل تشددا.

لكن مع ذلك يسلم عدد من المراقبين بأن هذا الطريق ربما يكون طويلا، حيث يخشى البعض من أن فرض مزيد من العزلة على روسيا قد يؤجج المشاعر القومية بين الروس ويدفعها إلى مزيد من الاكتفاء الذاتي، ويخشون أيضا من أن تكثيف الضغوط على بوتين قد يمنحه حافزا أكبر لتبني نهج شعبوي وأكثر عدوانية.

وقد عاد التوتر فجأة في الأيام الماضية إلى “لوغانسك” و”دونيتسك” و”خاركيف”، المدن الثلاث التي يتواجه فيها موالون للروس وآخرون للسلطات الأوكرانية تحت تهديد آلاف الجنود الروس المحتشدين على الحدود القريبة، مثيرا المخاوف من تكرار السيناريو الذي اعتمد في القرم.

ويقول خبراء إن موسكو تتغلغل بدرجة أكبر في الدول المجاورة وتبني نفوذها بين قوات الأمن والمسؤولين الحكوميين ورجال السياسة، ويقول البعض إن ذلك التغلغل يسمح لها بإذكاء الاضطرابات في مناطق مثل شرق أوكرانيا وإحداث نوع من الفوضى وتهيئة الظروف الممكنة لغزوها.

وفي هذا الصدد قال كريس دونلي مستشار سابق لحلف الأطلسي بشأن روسيا ويشغل الآن منصب مدير معهد ستيتكرافت (فن الحكم) في لندن “ما نراه هنا هو شكل جديد للحرب وجزء من استراتيجية روسية منسقة”. وتابع قائلا “سواء تصدينا له أو سمحنا بحدوثه، فإن الرد إلى الآن لم يكن كافيا بالمرة".


الحجج الروسية


مع ضم روسيا إلى شبه جزيرة القرم الأوكرانية الذي ينظر إليه إلى حد كبير باعتباره أمرا واقعا لا رجعة فيه يتوقع كثيرون الآن مزيدا من المواجهات في السنوات القادمة، ففي كلمة ألقاها في 18 مارس في أعقاب التدخل في القرم شدد بوتين على أنه سيكون مستعدا لاستخدام القوة لحماية مصالح الأقليات التي تتحدث الروسية، أينما كانت.

وقد خلف تفكك الاتحاد السوفيتي نحو 25 مليون روسي خارج حدود روسيا الاتحادية يتركزون في أماكن مثل أوكرانيا وكازاخستان وآسيا الوسطى ودول البلطيق وجيوب انفصالية في جورجيا ومولدوفا، حيث هناك عشرات الملايين الآخرين مصنفين في جوازات سفرهم السوفيتية القديمة كأوكرانيين أو من روسيا البيضاء أو قوميات أخرى لكنهم يتحدثون الروسية كلغة أولى.

فلاديمير بوتين: روسيا ستستخدم القوة لحماية مصالح الأقليات التي تتحدث الروسية

وواقعيا لا تملك الدول الغربية أي شيء يمكنها من منع موسكو من ضم ثلاث دويلات انفصالية يسيطر عليها الجيش الروسي بالفعل، وهي شريط ترانسنيستريا في مولدوفا ومنطقتا أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا.

و لا توجد إرادة سياسية لمنع توغل روسيا لمدى أبعد إذا قررت أن تفعل ذلك، حيث يقول الخبراء إن الخط الأحمر الفعلي هو مهاجمة دول البلطيق الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، وهي خطوة سوف تستدعي البند الخاص بالدفاع الذاتي وقد تقود إلى حرب أوسع نطاقا مع الحلف بما في ذلك الولايات المتحدة القوة النووية العظمى.

وقال مسؤول غربي “عمليا لا يستطيع الغرب فعل شيء لمنع بوتين من غزو أوكرانيا أو أية دولة سوفيتية سابقة ليست عضوا في الحلف باستثناء ممارسة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، والأولوية الآن هي ردع العدوان على حلف الأطلسي”.

ويشير بعض الخبراء إلى أن أقوى رسالة يمكن للدول الغربية أن توجهها إلى موسكو هي أن كل خطوة تتخذها روسيا لتعزيز وضعها في مناطق تستطيع السيطرة عليها ستدفع دولا أخرى إلى التحرك أكثر صوب الغرب.

وهذا يعني حسب الخبراء زيادة الدعم الاقتصادي وربما خطوات نحو منح عضوية الاتحاد الأوروبي لدول أوروبية كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي مثل أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا أو توقيع اتفاقيات جديدة في مجال الطاقة واتفاقيات اقتصادية مع دول آسيا الوسطى.

وكثيرا ما شكت موسكو من أن الغرب نكص بوعده بعدم توسيع حدود حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي شرقا باتجاه الحدود الروسية، ولكن المعطيات الحالية أثبتت للكرملين عكس ذلك حيث أصبح بإمكانه رؤية قوات الحلف وقد تمركزت بشكل دائم هناك. فقد دخلت المدمرة الأميركية “يو إس إس دونالد كوك” المزودة بصواريخ موجهة مياه البحر الأسود يوم الخميس للمشاركة في تدريبات “لطمأنة حلفاء الأطلسي”، ومن المقرر أيضا أن تعبر سفينة تتبع المخابرات الفرنسية مضيق البسفور.


موقف الغرب وأميركا


حتى الآن فإن الضغط الاقتصادي هو السلاح الوحيد الحقيقي في جعبة الغرب ومن الصعب تقييم مدى فاعلية هذا السلاح كقوة ردع، وقد فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على عدد من الشخصيات الروسية بعد ضم القرم لكن هذه العقوبات صيغت بحيث لا تكون لها تداعيات اقتصادية واسعة، وقد هددت واشنطن وبروكسل باتخاذ إجراءات أشد إذا دخلت القوات الروسية مناطق أخرى في أوكرانيا، وأدى هذا التهديد إلى تزايد هروب رأس المال من روسيا، الأمر الذي أضر باقتصادها وإن كان بشكل غير مباشر.

ولم تبد الدول الغربية رغبة في أن تحدد بالتفصيل طبيعة التصعيد في الإجراءات التي ستتخذها، ويقول البعض إن هذا يقلل من خطر تلك الإجراءات، وقد تضر التحركات المقترحة مثل تجميد أصول عدد أكبر من الشخصيات واستغناء أوروبا عن الغاز الروسي بالدول الغربية مثلما ستضر بموسكو.

ويقول مسؤولون إن من بين الإجراءات المطروحة استهداف المستثمرين الروس بشكل أكبر واستهداف ثروة بوتين الشخصية وإلغاء صفقة تصدير فرنسية لحاملتي طائرات هليكوبتر.

تشير المعطيات إلى أن أي تحرك روسي محتمل داخل شرق أوكرانيا، قد يفجر صراعا عسكريا بين روسيا وأوكرانيا المدعومة من الغرب

غير أن المؤيدين يقولون إن العقوبات أثبتت فاعليتها ضد إيران وحملتها إلى مائدة المفاوضات بشأن القضايا النووية، وهو ما أشار إليه مايكل لي النائب السابق لمفوض العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي، والذي يعمل الآن مستشارا لصندوق مارشال الألماني بالقول “مع عدم وجود رد فعل غربي يذكر على ما حدث في القرم، قد يشعر بوتين بأنه لن يخسر شيئا إذا ضم مزيدا من الأراضي".

وتشير المعطيات القائمة حيال الأزمة السياسية بين كييف وموسكو إلى أن أي تحرك روسي محتمل داخل شرق أوكرانيا، قد يفجر صراعا عسكريا بين روسيا وأوكرانيا المدعومة من الغرب، حيث يواجه الرئيس الأميركي باراك أوباما دعوات لتسليح أوكرانيا وزيادة برامج التدريب وغيرهما من الروابط العسكرية، في المقابل قلل المراقبون من فرضيات التدخل الأميركي المباشر وخاصة في دخول مواجهة نووية مع روســيا.

ولكن في حال تسبب أي غزو روسي في حملة تمرد واسعة، فقد يجد الغرب نفسه مدفوعا تدريجيا إلى توفير بعض الدعم السري على الأقل لكييف، لكن من المؤكد تقريبا أن مثل هذا الدعم سيكون محدودا للغاية.

حيث أعلن حلف الأطلسي في الأول من أبريل الجاري عما أسماه “إجراءات ملموسة” لتعزيز قدرات أوكرانيا للدفاع عن نفسها، لكن في واقع الأمر اقتصر ذلك على إجراءات غامضة “لبناء القدرات” وتوسيع حجم مكتب الاتصال التابع لحلف الأطلسي في كييف.

وقال ديمتري غورينبرغ المحلل الروسي في مركز تحليلات القوات البحرية، وهو مركز تموله الحكومة الأميركية ويقدم استشارات للجيش، “هذا لا يعود إلى عدم قدرة الغرب على منع أي غزو محتمل، لأن من المؤكد أن بضعة كتائب من قوات حلف الأطلسي تستطيع صد مثل هذا الغزو، لكن عندما يتعلق الأمر بالتصدي للتحركات الروسية في أراضي الاتحاد السوفيتي السابق فلا توجد استراتيجية ولا رغبة في القيام بذلك”.

7