التمرد الثقافي وحلول الوعي

الأحد 2017/01/22

أن تكون متمرّداً وأنت مثقفٌ، يعني أنك تملك حجّة التمرّد على الواقع الذي تعيشه. التمرّد لا يعني الانسلاخ عن ثوابت القول أو إنه مجرد اختلافٍ مع الآخر. التمرّد فعلٌ والفعل ثقافةٌ والثقافة في أحد أوجهها سلوك اجتماعي.

ولذا فإن التمرّد لا يعني الفوضى، لأنها نتاج تخلّف.. والتمرّد لا يعني أن هناك هروباً من واقعٍ أو احتجاجاً على سكونٍ أو صمتٍ أو ضيمٍ أو حزنٍ أو اختلالٍ في معنى الآخر الذي يشاركنا الواقع.

والواقع هو الحياة الذي نعيش فيها ونرسم بالثقافة فعلنا الذي نريده أن يكون قائماً على أسسٍ فعّالةٍ من الوعي.. التمرّد أيضا يحتاج إلى سؤالٍ قار، ولأن السؤال هو إجابةٌ مؤجلةٌ مخبوءةٌ بين طيات العقل الذي يفرز نبوءة التحليل ويضيء مسارب الحرف ليكون جواباً مقنعاً، لذا فإن الثقافة هي كيفية تذويب الجواب في زحمة الواقع الذي يختنق ويخنق الصوت الذي يراد منه أن يطرح السؤال من جهةٍ ويطلق الإجابة من جهةٍ أخرى، فإن ذلك مرهونٌ أيضا بكيفية تصوير النفس على الأقل افتراضياً والاختيار لطريقة الاحتجاج التي تنتج في أوجّ مراحلها المنفعلة تمرداً إذا ما انفلت من زمام الهدف الثقافي، تحول إلى فوضى وهوسٍ غير محمود.. لأن التمرّد يقابل الحالة الميؤوس منها، ويراد التنبيه لها ولكن السبيل إلى ذلك يأتي بالفعل الثقافي الذي هو بالأساس مساحة الضوء الواسعة التي تجمع في داخلها كل المتناقضات لكي يتحوّل التمرّد إلى حالة انتقادٍ وتأشير سلبيةٍ لا حالة انتقاصٍ تؤدي إلى زيادة الهوّة.. ولذا فإن السؤال المرافق للتمرّد: أيّ جوابٍ يراد الحصول عليه في لحظة البحث عن وطنٍ مثلاً يراد له ألّا يكون مستقراً، أو أنه يتعرّض إلى عملية تمزيق الأطراف من خلال سحبها في اتجاهين متعاكسين؟

ولذا فإن التمرّد الذي نحتاجه هو التمرّد الثقافي الذي يفضي إلى حلولٍ وليس إلى خرابٍ مدمّر. مقابلة الرذيلة بتضادها الوعي بالإيمان أو الإيمان بالوعي. الأخذ بعملية التفريق بين الإيمان والكافر، والكافر والمؤمن والمؤمن والأرذل والخطيئة التي لا تؤدي إلى إيمان. حينها لن تكون هناك مرحلةٌ قادمةٌ تسمى الندم وبعدها البحث عن حلولٍ مقارنةٍ بين ماضيين، لأن الحاضر الذي نتمرّد عليه سيكون بأفعاله الفوضوية ماضياً أيضا.فيتحول الندم إلى نوعٍ من العقاب وجلد الذات.

لذا فإن الفعل الثقافي هو تنوير الذات بطريقة التنبيه في اللحظة وتنظيره على أنه ندمٌ على الماضي الأول الذي يراد تغييره لا الندم الذي يراد منه الأسف على فعل التمرّد الذي أفضى إلى خسارات كبيرة فأنتج ندماً لا يمنح سوى الجرح. لذا فإن من الأهمية معرفة من هو الآخر لكي تتم مواجهته خاصة وإن كان هذا الآخر مسيطرا من الداخل المكاني وقائداً للفعل العاطفي وفاعلاً في إخماد العقل وتثويره وجعله منساقاً لطروحاته التي نتجت التمرد الثقافي.

لذا فإن البحث عن مكانٍ لممارسة الكينونة يبقى قائماً على أساس أنه حلم يوتوبي، وإلّا ما معنى الثقافة إن لم تحمل حلماً في أن يكون المجتمع واعياً بما حوله وما بين يديه ويتصرف على أساس الممكن لكي يكون الطموح قابلاً للتحقيق وفق مقاسات التساوي بين أفراد المجتمع؟

ربما تكون هناك حاجةٌ في بعض المفاصل كفعل تمرّدٍ ثقافي إلى أن يكون هناك فعل عارٍ للكشف عن العيوب، لأن التستر عليها لا يفضي إلى ما يراد من التمرّد. لأن الاحتجاج الأولي بطريقة الوقوف الهادئ إن لم تفضِ إلى شيء فإن الذهاب إلى التمرّد هو المحصلة النهائية في نهاية المضمار الانتقادي للواقع المسلوب من وعيه الحقيقي في بناء المجتمع، والتي تصنع بالنتيجة مجتمعاً فوضوياً ولا يمكن إعادته إلى مساره الصحيح سوى بالفعل الثقافي المحسوب. ويمكن أيضا أن يبقى الحذر من التمرّد الثقافي أن يتحوّل هو الآخر إلى تمرّدٍ فوضوي.

كاتب من العراق

11